• 2021-03-08

أحوال النفس

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل بيته الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ وعلى صحابته الغرِّ الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يارب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الروح من الله:
أيها الإخوة الكرام: كما تعلمون جميعاً الإنسان له جسدٌ ونفسٌ وروح، الجسد هو هذا الذي نشاهده؛ كتلةٌ وطولٌ وعرضٌ وارتفاع، وله عينان، وله وجه، وله يدان، هذا الجسد، هذه الآلة التي نشاهدها إن صح التعبير، لكن الإنسان فيه روحٌ من الله، قال تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
(سورة الإسراء)

ما هذه الروح التي يبثُّها ربنا عزَّ وجلَّ في الإنسان فيصبح هذا الجسد متحركاً؟ هذه في علم الله تعالى، فإذا شاء الله تعالى نَزَعَ الروح من الجسم نزعاً خفيفاً أو ثقيلاً، على المؤمن خفيفٌ وعلى غير المؤمن نزعٌ ثقيل، على المؤمن؛ وصفه صلى الله عليه وسلم:

{ يجيءُ ملكُ الموتِ حتَّى يجلسَ عند رأسِه فيقولُ: أيتها النفسُ الطيِّبةُ اخرُجي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورضوانٍ، قال: فتخرجُ فتسيلُ كما [ تسيلُ القطرةُ مِن فِي السِّقاءِ ] فيأخذُها فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ حتَّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفنِ وذلك الحَنوطِ يعني الَّذي [ جاء ] مع الملائكةِ من الجنَّةِ إلى آخرِ الحديثِ كما تقدمَ لفظُهُ وقال: في الكافرِ يجيءُ ملَكُ الموتِ حتَّى يجلِسَ عند رأسِه فيقولُ: أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ اخرجي إلى سخطِ اللهِ وغضَبِه فتتفرقُ في أعضائِه كلِّها فينزِعها نزعَ السَّفُّودِ من الصُّوفِ المبلولِ فتتقطُّعُ بها العروقُ والعصبُ }

(أخرجه أحمد بسند صحيح)

(كالقَطْرَةِ من فِي السِّقَاءِ) إذا كان عندك وعاءُ ماءٍ وأنزلت منه الماء، كيف تنزل القطرة من فم السقاء؟ بسلاسة، هذه على المؤمن، أما غير المؤمن قال: (فينزِعها نزعَ السَّفُّودِ من الصُّوفِ المبلولِ) السَّفُّود هو العصا التي يستخدمها المنجِّد، الصوف يضربه بالعصا فإذا ابتلَّ الصوف ودخل السَّفود في داخل الصوف أصبح انتزاعه صعباً، لا يمكن انتزاعه إلا أن يُخرج معه بعض الصوف فالروح عندما تخرج من غير المؤمن تخرج كما يخرج السُّفُّود مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، لأن الصوف إذا ابتلَّ يصبح أكثر تماسكاً فيحيط بالسَّفود ويمنع خروجه، يأمر الله تعالى الروح فتسري في الجسد فيصبح الجسد متحركاً أتكلم وأسمع وأبصر وكلُّ هذه الأمور من الروح، والروح من أمره تعالى.

الإنسان هو النفس:
الروح هي القوة المحركة
العنصر الثالث وهو الأهم في الإنسان هو النفس: للتشبيه؛ إذا كان عندك جهاز حاسوب ما تراه بعينك هو: الشاشة والحاوية والفأرة، ولوحة المفاتيح هذه المجموعة هي الجسد، النفس هي المعالج هي أساس الحاسب، الروح هي القوة المحركة؛ الكهرباء، فإذا وضعت المأخذ في القابِس عَمِل، أضاءت الشاشة ولوحة المفاتيح أصبحت فعالةً وكلُّ شيءٍ أصبح فعالاً بحكم الطاقة الكهربائية، الطاقة الكهربائية تشبه الروح في الإنسان وهي من أمر الله تعالى، الله أعلم بكُنهها، والجسد هو هذا الهيكل الخارجي، والنفس هي المعالج الداخلي، فنفسُ الإنسان هي التي تُحب وهي التي تكره، الجسد لا يُحب ولا يكره، النفس تُحب وتكره، النفس هي التي تؤمن وهي التي تكفر والعياذ بالله، النفس هي التي ترقى عند الله وهي التي تشقى عند الله، النفس هي التي تأمر صاحبها بالخيرات أو هي التي تأمر صاحبها بالسوء، فالإنسان هو النفس، قال تعالى:

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
(سورة آل عمران)

فالنفس تذوق الموت عند انفصال الروح عن الجسد لكنها تبقى فإما أن تخلُد في جنةٍ يدوم نعيمها أو والعياذ بالله تعالى تشقى في نارٍ لا ينفدُ عذابها، إذاً الإنسان عبارةٌ عن جسدٍ وروحٍ ونفس.

نماذج النفس في القرآن الكريم:
نريد أن نتحدث اليوم عن العنصر الأهم في الإنسان وهو النفس، الجسد يُغذَّى بالطعام والشراب، بالمحافظة على القواعد الصحية، بالرياضة، فهذه وسائلُ وأسبابٌ لكن الأمر بيد الله تعالى وحده مهما حافظ الإنسان على صحته، إلا أنه مأمورٌ أن يتخذ الأسباب في الحفاظ على صحة جسده، والروح من أمر الله هو الذي أودعها فينا وهو الذي ينزعها منا متى شاء جلَّ جلاله، ولله ما أخذ ولله ما أعطى، لكن المعوَّل عليه هو نفسنا التي بين جنبينا، قال تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)
(سورة الشمس)

الاختيار بين طريقي الفجور والتقوى
يفهم البعض هذه الآية خطأً بأن الله تعالى ألهَمَ النفس فُجورها بمعنى أنه هو الذي جعلها تفجُر حاشاه جلَّ جلاله أن يأمر بالفحشاء والمنكر، لكن الله تعالى (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) بمعنى أنه جعل فيها فطرةً سليمةً فإذا فجَرت يُلهمها فُجورها فتعلم أن هذا فجورٌ لا يصح، وإذا اتقت تعلم أن هذه تقوى فالله تعالى ألهَم النفس (فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) بمعنى أنه عرَّفها بالفجور وعرَّفها بالتقوى وترك لها الخيار في أن تسلُك طريق الفجور أو طريق التقوى، هذا معنى (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).
قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) فنحن نُزكِّي أنفسنا بالقرب من الله، نُزكِّي أنفسنا بطاعة الله، نُزكِّي أنفسنا بمحبة الله، والعياذ بالله البعيد عن الله يُدسِّيها أي يُدنسها ويملؤها بالمنكرات فيُبعدها عن الخيرات ويُبعدها عن طريق الله تعالى.

1- النفس المطمئنة:
أيها الإخوة الأحباب: الله تعالى في القرآن الكريم أعطانا ثلاثة نماذجٍ للنفس البشرية، هناك نفسٌ مطمئنةٌ، قال تعالى:

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)
(سورة الفجر)

وهناك نفسٌ أمارةٌ بالسوء تأمر صاحبها بالشرِّ دائماً، قال تعالى:

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)
(سورة يوسف)


2- النفس اللوامة:
وبينهما بين النفس المطمئنة والنفس الأمارة بالسوء هناك نفسٌ اسمها النفس اللوامة أقسم الله تعالى بها فقال:

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)
(سورة القيامة)

النفس اللوامة تلوم الإنسان على فعله
النفس اللوامة لم تصل إلى المُطمئنة، ولكنها إذا وقع صاحبها في المُنكر أو في السوء أو في الشر لامَتْهُ على فِعله فعاد إلى طريق الخير، وإذا وجدته وقع في ما نهى الله عنه لامَتْهُ على وقوعه هذا، وإذا وجدته قصَّر في طاعة الله لامَتْهُ على تقصيره في طاعة الله فهي نفسٌ لوَّامةٌ، وكلمة لوَّامة في اللغة العربية مبالغةٌ من لائم، لام، يلوم، فهو لائم، والمبالغة لوَّامة، كثيراً ما تلوم صاحبها على السوء، دائماً هناك محاسبةٌ ومعاتبة، لمَ فعلت كذا؟ ما كان ينبغي أن تتكلم كذا، هذه الكلمة أساءت لفلان، هذه الكلمة أضرت أو أوقعت إنساناً في ضرر فتلومه بشكلٍ مستمرٍ، فهي نفسٌ لوَّامة أقسم الله تعالى بها في كتابه فقال: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).
إذاً عندنا نفسٌ مطمئنةٌ، ما معنى مطمئنة؟ اطمأنت إلى وعد الله وخافت من وعيده، اطمأنت لذكر الله وعبادته، اشتاقت لربها، هذا ما قاله العلماء حول النفس المطمئنة، مطمئنةٌ إلى الوعد خائفةٌ من الوعيد، تعلم أن ما وعد الله به سيقع وأن وعيده حق وقد يقع بأمره تعالى وقد يعفو جلَّ جلاله وما يعفو الله أكثر، لكنها مطمئنةٌ إلى الوعد والوعيد، مشتاقةٌ للقاء الله، هذه النفس الراضية المطمئنة بالله تعالى هي أعظم النفوس في القرآن الكريم، النفس المطمئنة تطمئن مرتاحة (رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً*فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي).

3- النفس الأمارة بالسوء:
النفس الأمارة بالسوء تأمر صاحبها بالشرِّ والمعصية دائماً وتريد إخراجه عن طريق الهداية إلى طريق الضلال والغواية، لماذا نقول تخرجه؟ لأن الإنسان في الأصل مفطورٌ فطرةً سليمة، قال صلى الله عليه وسلم:

{ كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه }

(صحيح ابن حبان)

فالمولود في الأصل يُولَد على الفطرة والفطرة هي التوحيد، الفطرة هي الدين، الفطرة هي الإسلام، قال تعالى:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
(سورة الروم)

فالله فطَرَنا، ما معنى فطَرَنا؟ هناك خَلْقٌ وهناك فَطْر، الخلق هو الإيجاد من العدم، الله تعالى خلقنا من عدم، لم نكن شيئاً مذكوراً:

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1)
(سورة الإنسان)


الفطرة هي الإسلام:
الفِطرة هي أن تحب العدل
لكن الفَطْر يحمل مع الخلق الفطرة، يعني فَطَرها على شيءٍ فجعلها تعلم الخير والشر، فَطَرها على الخير وفَطَرها على الشر فالله تعالى خلقنا وفطرنا فقال: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، (كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ) الفِطرة هي الإسلام، الفِطرة هي أن تحب الخير، الفِطرة هي أن تحب العدل، الفِطرة هي أن تحب المعروف، حتى أوضِّح لكم موضوع الفطرة سأضرب مثلاً أسمعه من فضيلة شيخنا الدكتور راتب يوضح هذه الحقيقة تماماً، والآن تفهمون معنى الفطرة تماماً من خلاله، شابٌ عاد إلى بيته العاشرة ليلاً متعباً من عمله، طوال النهار جهدٌ طويل، دخل البيت وجد أمه بحاجةٍ إلى دواءٍ قالت له: يا بني أحتاج هذا الدواء من الضروري أن آخذه قبل أن أنام، الشاب من تعبه قال لأمه: يا أمي الآن تعلمين كل الصيدليات مغلقةٌ فالساعة العاشرة ليلاً انتهى الدوام، أمه امرأةٌ كبيرةٌ في السن قالت له: جزاك الله خيراً، وضع رأسه لينام، لا يستطيع أن ينام إذا كان صاحب فطرةٍ سليمةٍ لأنه يعلم في داخله أن هناك صيدلياتٍ مناوبةً تفتح ليلاً وبإمكانه أن ينزل رغم تعبه من أجل أمه التي تعبت عليه وسهرت عليه ويُحرِّك سيارته ويذهب ويبحث حتى يجد الصيدلية المناوبة ويأتي بالدواء، لو افترضنا جدلاً أنه فعل ذلك وبحث في الصيدليات المناوبة فلم يجد الدواء وعاد إلى أمه وقال: والله لم أجد الدواء، في المرَّة الثانية ينام مرتاحاً لكنه في المرَّة الأولى لن ينام مرتاحاً، لأنه في المرَّة الثانية تصالَح مع فطرته، في المرَّة الأولى تحارَب مع فطرته، الفطرة تقول أن تُرضي أمك هذه تعبت من أجلك، هذه سهِرَت الليالي من أجلك، هذه ربتك وتعبت عليك ثم تضنُّ عليها بنصف ساعةٍ تبحث لها عن دواءٍ تريده؟! أما لما بحث وربما لم يجد الدواء لكن بمجرد أنه بحث تصالَح مع فطرته، هذا التصالُح مع الفِطرة، فالفطرة فَطَر الله الناس عليها ليكونوا مُتصالحين مع ذواتهم، والفِطرة هي الإسلام وهي الحق وهي الخير وهي الحب.
روى لي أحدهم والعُهدة على الراوي: أنه كان في أحد الفنادق في إحدى القرى في ألمانيا فيما أذكر وكتبوا على السرير لوحةً معدنيةً، كتبوا بما معناه باللغة العربية: إن لم تستطع النوم فهذا ليس من فرشنا إنها وثيرة ولكنه من ذنوبك إنها كثيرة، أنت مرهقٌ من ذنوبك، فطرتك تؤنبك، انظر ماذا فعلت في النهار؟ أسلوبٌ دعائيٌّ لكن هو حق، لكن هذه النفس إذا كانت على الفطرة السليمة هذا هو الحق.
عمل النفس الأمارة بالسوء
لذلك قلنا: الأمارة بالسوء تحاول أن تُخرجها من طريق الهداية إلى الضلالة لأن الأصل في الإنسان أنه على الفطرة السليمة يُحب الخير، يُحب المعروف، من باب الطرفة لو أن مجموعةً من السارقين سرقوا مبلغاً من المال ثم جلسوا ينهض أحدهم ويقول للآخر: انتبه اقسم بالعدل بيننا! وهم سارقون ارتكبوا جريمة السرقة ثم يريدون أن يقسموا بالعدل، حتى بعض الكائنات الأخرى غير الإنسان لديها ما يسمى الغريزة، ما يقابل الفطرة في الحيوان يسمى الغريزة، تجدها تَحِنُّ على أبنائها، أحياناً يمكن أن يصدر منها بعض أفعال الخير، تحنُّ على بعض المخلوقات، هذا ما أودعه الله في الإنسان وأودعه في المخلوقات الأخرى، لكن لمَّا يدرب الإنسان نفسه على أن يتصالح مع فطرته وألا يخرج إلى طبعِه وإلى الضلال وإلى الغواية عندها تصبح نفسه مطمئنةً وينتهي الصراع، اليوم كلٌّ منا هناك أمورٌ عنده منتهية وهناك أمورٌ فيها صراع، لنكن صريحين، هناك إنسانٌ يقول لك: في موضوع المال ليس عندي صراعٌ أبداً، القرش أو المليون عندي سيّان إذا كان من حرامٍ أركله بقدمي، انتهيت من هذا الموضوع نفسي مطمئنة لهذا الموضوع، لكن عندي مشكلة أحياناً في غضِّ البصر، ما تزال نفسي تُنازعني إلى النظر الحرام، ممكن، هناك إنسانٌ بالعكس يقول لك: أنا ضعيفٌ أمام المال لكن أنا أمام شهوة النساء أضبط نفسي، ما سبب دخول الجنة؟ قال تعالى:

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41)
(سورة النازعات)

التعاكس بين الهوى والفطرة
فما هو سبب دخول الجنة؟ الجنة برحمة الله، لكن ما السبب الذي تقدِّمه لتدخل الجنة؟ قال: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) الهوى يريد شيئاً والفطرة تريد شيئاً، والشرع يريد هذا الشيء نفسَه الذي تريده الفطرة، فلما تُعاكس هواك وتتبع فطرتك تكون قد هيَّأت نفسك لجنَّة الله عزَّ وجلَّ، أوضح مثالٍ: صلاة الفجر؛ لمَّا تكون مستلقياً في فراشك والجو باردٌ جداً والفراش وثيرٌ والدفء فيه جيدٌ جداً، ورنَّ المنبِّه ليُوقظك لصلاة الفجر أو سمعت المؤذن فتغافلت عنه وتابعت نومك، الآن ستستيقظ للعمل الساعة السابعة أو الثامنة صباحاً لعملِك تقول: أنا طوال النهار مزاجي سيء، لماذا؟! مع أنك نمت ساعتين إضافيتين، ومع أنك ما قمت إلى الحمام وتوضأت بماء ربما يكون بارداً والغرفة باردة وصليت وعُدت أو ذهبت إلى المسجد، مع أنك أرحت جسمك فلماذا مزاجك سيء؟ لأنك بإراحة جسمك أتعبت نفسك، هذه هي الفطرة، لكن لمَّا تستيقظ وتصلِّي الفجر في أوانها وتعود لبعض النوم ثم تخرج إلى عملك تقول: أنا مرتاح لأنني تصالحت مع فِطرتي.
أحبابنا الكرام: الإنسان بين نفسٍ مطمئنةٍ، ونفسٍ أمارةٍ بالسوء تخرجه إلى طريق الضلال، ونفسٍ لوَّامة أثنى عليها القرآن الكريم لأنها إن شاء الله إن تابع صاحبها في اللوم تصل به إلى النفس المطمئنة.

الارتقاء بالنفس من خلال المحاسبة:
الذي أريد أن أقوله أيها الأحباب: كيف نرقى بهذه النفس؟ نرقى بها من خلال المحاسبة، النفس تحتاج إلى محاسبةٍ مستمرة، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
(سورة الحشر)

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ليوم الوقوف بين يدي الله، ينبغي أن تسأل نفسك يومياً: ماذا قدمت للقاء الله؟ ماذا أعددت للقاء الله؟

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَتَّى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ‏"‏ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ‏"‏‏؟‏ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاَةٍ وَلاَ صَوْمٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏.‏ قَالَ ‏"‏ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ‏" }

(صحيح البخاري)

فليس السؤال متى يأتي يوم القيامة؟ وليس السؤال متى نلقى الله؟ ولكن السؤال ماذا قدَّمنا للقاء الله؟، هذا السؤال المهم.
أيها الأحباب؛ سيدنا عمر رضي الله عنه له كلامٌ جميلٌ كنت أذكره دائماً في ختام خطبة الجمعة قال: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزنُوهَا قبل أنْ تُوزَنوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، يَوْمَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا).
زِنْ أعمالك بميزان الشرع
انظروا في هذا الكلام، قال يا أيها الناس: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا) وفي رواية؛ (وَزِنُوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)، زِنْ أعمالك بميزان الشرع، هل هذا العمل صحيح؟ هل يُوافق منهج الله؟ هل فيه مخالفة؟ قبل أن تقف ويُوزن العمل لكن بعد فوات الآوان، إما أن تزِنَه الآن في الدنيا قبل فوات الآوان أو أن يُوزَن عليك يوم القيامة بعد فوات الآوان، نسأل الله السلامة.
قال: (وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ) ما زينة العرض الأكبر؟ زينة العرض الأكبر العمل الصالح، إذا ذهبت إلى شخصٍ مهمٍّ في البلد تتزيَّن للقائه، ما الزينة للقائه؟ أفخم بدلةٍ عندك في البيت، ربطة عنقٍ مرتبةٌ جداً، تُنظف حذاءك، ترجّل شعرك، تُشذِّب لحيتك، تضع بعض العطورات وتتزيَّن للقائه، كيف نتزين للقاء الله تعالى يوم القيامة؟ الله تعالى لا ينظر إلى صوركم، بل ينظر إلى أعمالكم، فزينة اللقاء يوم القيامة العمل الصالح، أن تُهيِّئ عملاً تلقى به الله، يارب أنا قدمت كذا وكذا.. هذه زينة العرض الأكبر.
فقال عمر رضي الله عنه: (وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، يَوْمَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا).
الحسن البصري له كلامٌ طيبٌ أيضاً في المحاسبة يقول: (إنَّ المؤمن قوَّامٌ على نفسه) أي كثير القيام على نفسه، (يحاسب نفسه لله عزَّ وجلَّ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقَّ الحساب يوم القيامة على قومٍ أخذوا هذا الأمر بغير محاسبة).
أنت أمام خيارين: إما أن نجهَد في المحاسبة في الدنيا فيخِفَّ الحساب يوم القيامة، وإما أن نترك الأمر بغير محاسبةٍ في الدنيا فيشقُّ الحساب علينا يوم القيامة، الحساب في الدنيا أيسر من يوم القيامة بكثير، لأن الحساب في الدنيا تُصحح به الخلل، أما يوم القيامة فقد أصبحت أمام مفترق طرقٍ، لم يعد أمامك خيارٌ للعودة إلى الوراء، فالحساب في الدنيا أفضل.
أذكر أن أحدهم كان له مبلغٌ ماليٌّ مع آخر وطالبه به مراراً فلم يعطه إياه ثم جاءه قال: يا أخي الحساب جئتك مراراً ولا تعطيني، قال: الحساب، الحساب، فقال له مُتندِّراً كما يقول البعض: اترك الحساب ليوم الحساب، فقال له: صدِّقني الحساب الآن أسهل عليك، فانتبه الرجل وبكى وقال له: تعال والله قد أيقظتني من غفلتي، فعلاً الحساب الآن أخفُّ من يوم القيامة، فالإنسان ينبغي أن يُحاسب نفسه في الدنيا.
وجاء في الحديث:

{ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }

(الطبراني في مسند الشاميين)

فكلنا سنخاف مرَّةً ونأمَن مرَّةً، لكن هل تُحب أن تخاف في أربعين أو خمسين عاماً ثم تأمَن الأبد؟ أم يحب الإنسان أن يأمن أربعين أو خمسين عاماً ثم يخافُ إلى الأبد؟ العقل والمنطق والشرع وكلُّ شيء حولك يقول لك: خفِ الله الآن، وحاسِب نفسك الآن واضمن إن شاء الله سعادة الأبد وأمن الأبد.

محاسبة النفس نوعان:
أيها الكرام: المحاسبة نوعان: محاسبةٌ تكون قبل العمل ومحاسبةٌ تكون بعد العمل، كيف؟
محاسبة النفس قبل وبعد العمل
قبل العمل: أنت الآن تريد أن تقوم بعملٍ ما، تريد أن تدفع مالاً، تشتري شقةً، تتزوج امرأةً، تذهب إلى نزهة، تذهب إلى اجتماعٍ ربما يكون فيه اختلاطٌ أو غير منضبطٍ أو فيه مشكلةٌ شرعيةٌ أو ربا أو خمر الله أعلم، أنت الآن تريد أن تقْدم على عملٍ كيف تحاسب نفسك قبل العمل؟ تسأل سؤالين، الأول: لمن؟ والثاني: كيف؟، لمن أعمل؟ وكيف أعمل؟ هذا قبل العمل، (لمن أعمل؟) رياءً، سُمعةً، أم لوجه الله؟ أنا الآن سأدفع هذه المئة دينار، لمن؟ حتى يُقال فلان دفع أم حتى يرضى الله؟ هذا محاسبةٌ قبل العمل، لمن؟، ثم كيف؟ لأن هناك من الأعمال ما يكون خلافَ منهج الله، يعني لو قال لك إنسان: أنا سأدفع مئة دينار، أين؟ طلبوا مني حضور حفلةٍ والعياذ بالله للمغنية الفلانية وستُرتكب الموبقات ويُوزع الخمر ربما وهو حفلٌ خيريٌ يا أخي فأنا ذاهبٌ لأدفع لله تعالى، هذا العمل لا يرضي الله، الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالِصاً وصواباً، صواباً ينبغي أن يكون وفق كتاب الله وسُنَّة نبيه، وخالِصاً ينبغي أن يكون لوجه الله تعالى، فلذلك لا يصحُّ أن نفعل أعمال نظنها لله أو ندَّعي أنها لله وتأتي هذه الأعمال بخلاف منهج الله، فقبل العمل ينبغي أن أسأل لمن أعمل؟ وكيف أعمل؟
الآن بعد العمل ينبغي أن أسأل نفسي هل قصَّرت في هذا العمل؟ فإن وجدت تقصيراً أتممته وإن رأيت عيباً تداركته بالإصلاح والاستغفار، مثال مُوضِّح؛ أنا الآن قائمٌ لأصلي، الصلاة لمن؟ لوجه الله تعالى، لا رياءً ولا سُمعةً يا رب، كيف أصلي؟ وفق ما شرع الله عزَّ وجلَّ أُتِمُّ ركوعها وأُتِمُّ سجودها وأستحضِرُ القلب فيها، هذا قبل العمل، الآن أنهيت صلاتي، سلّمت، يا ترى هل قصَّرت في الصلاة؟ إن وجدت تقصيراً أستغفر الله، إن وجدت مشكلةً أو عيباً في صلاتي ربما آتي بركعتي السُنَّة البعدية أو ركعتي نفل لتدارك هذا العيب، أقول: يا رب اغفر لي هذه بتلك، والله تعالى قال:

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114)
(سورة هود)

كلُّ عملٍ يقوم به الإنسان؛ قبل العمل يسأل لمَن وكيف، وبعد العمل يسأل هل أديت المطلوب مني أم قصرت في أدائه، هذه المحاسبة كما قال أهل العلم.
الغزالي رحمه الله كان يقول: انظروا في هذا الكلام الجميل الرائع، قال: (ويحكِ يا نفسُ إن كنتِ قد تجرأتِ على معصية الله وأنتِ تعتقدين أن الله لا يراكِ فما أعظَم كفركِ بالله، ويحكِ يا نفس إن كنتِ قد تجرأتِ على معصية الله مع علمكِ أن الله يراكِ فما أقل حياءكِ من الله، ويحكِ يا نفس أما تنظرين إلى أهل القبور كانوا جَمعاً كثيراً وجمعوا كثيراً فأصبح جمعُهم بوراً وبنيانهم قبوراً وأملهم غروراً، ويحك يا نفس أما تخافين من عذاب القبر وأيامه، أما تخافين من سَكَرات الموت وآلامه، أما تخافين من الحساب ودقَّته، أما تخافين من الصِّراط وحدته، أما تخافين أن تُحجبِي عن النظر إلى وجه الكبير المتعال).
إذاً أيها الكرام؛ نعود إلى هذه الكلمات: (ويحكِ يا نفس إن كنتِ قد تجرأتِ على معصية الله وأنتِ تعتقدين أن الله لا يراكِ فما أعظم كفركِ بالله) إذا كان الإنسان يتجرأ على المعصية يظنُّ أن الله تعالى لا يراه والعياذ بالله حاشاك يا رب أن نظن ذلك هذه ليست للمؤمن أن يعتقد أن الله لا يراه، لكن قال: (إن كنتِ قد تجرأتِ على المعصية مع اعتقادكِ أن الله يراكِ فما أقل حياءكِ من الله) تعلم أنه يراك وتعصيه؟! هذا أمرٌ عجيبٌ غريب.

التفكير في حالنا يوم القيامة:
أيها الأحباب: هل فكَّرنا في اليوم الذي سيتولَّى فيه ربنا جلَّ جلاله حسابنا؟ هل فكَّرنا في اليوم الذي سنخرُج فيه جميعاً من قبورنا حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، كما قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:

{ عن عائشةَ رضي اللَّه عنها قَالَتْ: سمعتُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ،؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ الأَمرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُم ذلكَ، وفي روايةٍ: الأَمْرُ أَهَمُّ مِن أَن يَنْظُرَ بَعضُهُمْ إِلى بَعْضٍ }

(متفقٌ عَلَيهِ)

(غُرْلًا) أي كما ولدتهم أمهاتهم بغير ختان، يخرج كما ولدته أمه، هذا الموقف بين يدي الله تعالى.
أيها الكرام: الناس يوم القيامة يُحشرون ثلاثة أصنافٍ كما صحَّ في الأحاديث:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏"‏ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلاَثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ‏"‏، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ ‏"‏ إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ‏" }

(رَوَاه الإِمام أَحْمَدُ في مسنده)

والعياذ بالله، تخيَّل أن إنساناً يتقِي الشوك بوجهه! ما أشدَّ هذا الموقف وما أعظَم هيبَته! قال تعالى:

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)
(سورة مريم)

في الآيةٍ ثانية:

وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)
(سورة الإسراء)

وبعد الحشر حسابٌ وعَرضٌ.
في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم:

{ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللّهُ يومَ القيامةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍٍ" }

(أخرجه البخاري)

ولو أن تتصدق ليس بتمرةٍ كاملةٍ بل بنصف تمرة، اتقِ النار، احرِص على أن تتقي النار ولو بنصف تمرة.

مشاهد من يوم القيامة:
إخواننا الكرام: يوم العرض على الله شيءٌ والله من الإدراك والعقل أن تَشِيبَ لهَوْلهِ الْوِلْدَان، أن تقف بين يدي ملك الملوك جلَّ جلاله.
(فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ) عملك فقط، (وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ) عملك الصالح وعملك السيء، وأمامك النار إن اتقيتَها كنت إلى الجِنان نسأل الله تعالى أن يُبلِّغنا وإياكم جنته.
أما إذا كان الإنسان من التوابين الصادقين المؤمنين الذي حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً سيكون حسابه يسيراً وسيأخذ كتابه بيمينه وانظروا إلى هذا المشهد العظيم لأن كلَّ إنسانٍ خطاء:

{ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ }

(أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ)

انظروا إلى هذا المشهد العظيم والله تقشعر له الأبدان، في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم:

{ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا قال له: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ }

(متفق عليه)

كل أعمال الإنسان مُسجَّلة
(يُدْنَى) أي يُقَرَّب، (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العزَّةِ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) ولله المثل الأعلى ليس كمثله شيء جلَّ جلاله، لكن انظروا إلى هذا التشيبه أو إلى هذا التصوير من النبي صلى الله عليه وسلم، (ويُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ) ويقول: لقد عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا وكَذَا، كل الأعمال مسجَّلةٌ إخواننا الكرام، لقد عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا وكَذَا، وقالوا:

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
(سورة الكهف)

وفي آيةٍ ثانية:

هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)
(سورة الجاثية)

هل تحبون أن أفسِّر لكم هذا الجزء من الآية تفسيراً حاسوبياً حديثاً؟ كما تعرفون في الحاسوب أو الآيباد أو الهاتف إذا أردت أخذ نصٍ عندك خياران: نسخ(Copy)، وقص(Cut)، إما أن تقصَّه وتضعه (Paste)، أو تنسخه وتضعه بـ (Copy-Paste) تأخذ النص من مكانٍ إلى مكان، قال: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) كل عمل عملته هناك نسخةٌ منه عند الله تعالى، فتأمَّل هذا المشهد.
قال: (فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، ويقول: لقد عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا وكَذَا، فَيَقُولُ المؤمن: رَبِّ أَعْرِفُ) يُقِرُّ بِذنبه، (فيقول الله: ولكن سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) الله أكبر.

أسعد يوم في حياة المؤمن:
أسعد يومٍ في حياتك يوم تلقى الله
فالمؤمن أحبابنا الكرام؛ لقاؤه مع الله هو أسعد يومٍ في حياته، أسعد يومٍ في حياتك يوم تلقى الله، أنا لا أريد أن أُخيفكم، بل أريد أن أطمئنكم، والله أيها الكرام؛ الكريم إذا حاسَب تفضَّل، فنحن لا نخاف من الله بالمعنى السلبي بمعنى أننا نخاف من الوقوف بين يديه بل المؤمن يُحب لقاء الله، لكن نحن نخاف من الله من ذنوبنا من تقصيرنا في حق العبودية له، هو كريمٌ جلَّ جلاله لكن رحمته جلَّ جلاله تقتضي أن يُعاقب المسيء، لن ينجو المسيء ويُفلِتَ من العقوبة، الذي بنى مجده على أنقاض الناس، والذي عاش حياته لإذلال الناس، يستحيل على الرحيم والعزيز والجبار أن يُفلِت، لأن الله تعالى عدلٌ رحمته مع العدل جلَّ جلاله، لكن نحن متفائلون برحمة الله لكن هذا لا يعني أن نطمئن اطمئنان الساذجين ونترك العمل ونتمادى في المعصية، لا والله، فلذلك نوازن دائماً بين حالة الخوف والطمع، الرَّغَب والرَّهَب.
أيها الكرام: سأل رجلاً عائشة رضي الله عنها:

{ سألْتُ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] الآيةَ، فقالت لي: يا بُنَيَّ، كلُّ هؤلاء في الجنَّةِ؛ فأمَّا السَّابقُ بالخيراتِ: فمَن مَضى على عهْدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فشَهِدَ له رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالحياةِ والرِّزقِ، وأمَّا المُقتصِدُ: فمَن تبِعَ أثَرَهُ مِن أصحابِه حتَّى لَحِقَ به، وأمَّا الظَّالِمُ لنفْسِه فمِثْلِي ومِثْلُكم }

(الحاكم في المستدرك)

فقالت عائشة: أي بُنَيَّ، (السَّابقُ بالخيراتِ): هم الذين سبقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهِدَ لهم بالجنة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، وسائر الصحابة الكرام، قالت: وأمَّا (المُقتصِدُ) هم الذين مَضوا على إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا به، قالت: (وأمَّا الظَّالِمُ لنفْسِه فمِثْلِي ومِثْلُكم) هذه عائشة رضي الله عنها وهذا من أدبها ومن خوفها من الله تعالى ومن تواضعها.
عمر رضي الله عنه على فراش الموت وابن عباس رضي الله عنهم صار يُثني عليه يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:‏ (جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) يعني عمر وما أدراكم من عمر؟
فيقول عمر: (والله إن الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، ودَدْتُ والله لو أن لي ملء الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ من عذاب الله قبل أن أراه، ودَدْتُ أخرج من الدنيا كفافاً لا ليَ ولا عليَّ).
الخوف من الله أحبابنا الكرام؛ من التقصير في جَناب الله، الخوف من الذنوب هو علامة عقلٍ وعلامة إدراك، أما الذي يفعل ما يحلُو له ويقول لك: الله غفورٌ رحيمٌ، صدَق وهو كذوب، الله غفورٌ رحيمٌ قال تعالى:

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (82)
(سورة طه)

الله غفورٌ رحيمٌ لمن أراد المغفرة، رحيمٌ لمن أراد الرحمة، أما أن يقول: الله غفورٌ رحيمٌ ويتمادى في المعصية فهذا ليس من الحكمة ولا من العقل ولا من المنطِق ولا من الشرع.

ملخص وخاتمة:
أحبابنا الكرام: عودٌ على بدء؛ النفس هي أساس الإنسان، هي جوهر الإنسان، فكلما اعتنينا بأنفسنا بالمحاسبة والمتابعة والتنقِية والتخلِية والتحلِية، نُخلِّيها من الآفات ونُحلِّيها بالطاعات ونُزكِّيها بالطاعات وبالخيرات والبركات، هذه نفسنا رأسُمالنا بين يدي الله عزَّ وجلَّ، إذا وقفنا بين يدي الله هذه النفس هي التي ستقف، الجسد سيعود إلى التراب:

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (55)
(سورة طه)

والروح من أمر الله إذا ألقاها في الجسد أصبح متحركاً فإذا نُزعت منه عاد جثةً هامدةً سارع الناس إلى دفنها، نسأل الله أن يُحسِن الخاتمة، لكن تبقى النفس التي بين جنبينا هي التي كلَّفها الله وكلَّفنا بمحاسبتها ومتابعتها وتزكيتها والإعراض عن كلِّ ما يُدسِّيها أو يُدنِّسها من عيوبٍ وآفاتٍ حتى تلقى الله عزَّ وجلَّ بخير.
شكراً لحُسن استماعِكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.