ما التنور؟

  • 2021-03-24

ما التنور؟

التنور، وما أدراك ما التنور!
التَّنُّورُ هو الفُرن الذي يُخبَز فيه، وقد ورد ذكرُه في القرآن الكريم في قوله تعالى مخاطباً نبيَّه نوحاً عليه السلام:
( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) ( هود/40)
فجعل ربنا جل جلاله خروجَ الماء من التَّنُّور علامةً لنوحٍ عليه السلام على بدء الطُّوفان كما ذكر كثير من المفسرين.
وأما قصة عنواننا هذا فهو تنور كعب، كعبِ بنِ مَالِكِ بنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه وهو من شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين حديثاً.
إنه أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا وتاب الله عليهم فقال جل من قائل: ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
فالثلاثة الذين خُلِّفوا؛ أي أرجئ أمرهم إلى الله وليس كما يفهم البعض أنهم خلفوا بمعنى أنهم تخلفوا عن رسول الله، والثلاثة هم كعب بن مالك، ومُرارة العَمْريُّ، وهلال الواقفيُّ، فقد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بغير عذرٍ، إلا أنهم صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتذروا إليه بحجج واهية كما فعل المنافقون، يقول كعب مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ )
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعة الثلاثة، ومضى عليهم خمسون ليلة لا يكلمهم أحدٌ، وفي الليلة الأربعين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتزلوا نساءهم، وأثناء هذه المحنة يقول كعب ( وهنا موطن الشاهد): ( فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ ( يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قَدْ جَفَاك، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا ) [ أخرجه البخاري ]
علم ملك الغساسنة بالقصة فأراد أن يستميل إليه كعباً ويحرز بذلك نصراً كما يظنّ
نعم لقد استغلَّ الأعداء لحظة الضعف الطارئة عند كعب، لعلهم يحظون بمدخل يشقون به الصف الإسلامي، أو بضجة إعلامية يثيرون بها الناس، إلا أن كعباً فهم الرسالة جيداً، هي ليست مواساة له كما حاولوا أن يوهموه، وليست حباً به كما حاولوا أن يقنعوه، هي بلاء من الله ليمتحن إيمانه ومدى صدقه، فبادر بها إلى التنور فألقاها.
ومن هنا كانت فكرة هذا البرنامج
لقد أحرق كعب أداة المعصية في تنور فكره قبل أن يحرقها في تنور خبزه!
إذاً.....تنور كعب هو الفرن الذي نريد أن نلقي به كلَّ شهوةٍ أو شبهةٍ ربما يحرمنا السير خلفها سعادةَ الأبد.
التنور هو النار التي نريد أن نحرق بها كلَّ رسالة تأتينا من شرق أو غرب تهدف إلى زعزعة إيماننا وثقتنا بديننا.
لكننا لن نلقي تلك الشهوات والشبهات في التنور إلا بعد إلقائها في تنور الفكر وميزان الشرع، فزماننا ليس كزمان كعب، وإعلامنا ليس كإعلام كعب، وشياطين عصرنا امتلكوا من الأدوات ما لم يمتلكه الشياطين في زمان كعب.
وقبل أن نبدأ لا بدَّ لنا من وضع بعض الضوابط والملاحظات:
كلامنا في هذه الحلقات موجّهٌ إلى أولئك الباحثين عن الحقيقة، الذين لا يريدون لرياح الشهوات والشبهات أن تعصف بمبادئهم وثوابتهم، وهو موجّهٌ أيضاً إلى من عبث بعض المغرضين بعقولهم فأوهموهم خلاف الحقيقة، ولكنه بطبيعة الحال ليس موجهاً إلى أصحاب الأجندات ولا إلى أولئك الذين يسخِّرون أقلامهم ومنصات إعلامهم للعبث بثوابت ديننا وفق خطة مرسومة لهم.
نعتمد في تفنيد الشبهات على كتاب الله وما صحَّ من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفق فهم السلف الصالح من خير القرون ممن قال فيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (خير أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ )، ولسنا ملزمين بعد ذلك بكل تفسيرات النص، مع أننا نقدّر ونجلَّ علماءنا ممن عرفوا بسلامة العقيدة واستقامة المنهج إلا أن فهمهم للنصوص هو سكة نهتدي بها ونبدأ من خلالها ولكنه لن يكون قيداً يأسرنا، فالعصمة للنص وليست لفهم النص!
لا يصح أن نعالج الشبهات بنفسية المنهزم الذي يضع دينه في قفص الاتهام ويبدأ بالدفاع عنه، ويحاول مواءمته مع الثقافة الغربية ليرضى أتباعها عنا! والحق أحق أن يتبع، ودين الله ليس بحاجتنا إلا أننا بحاجته، ولن نكذب للحق، ولن نخفي شيئاً من ديننا، فليس في الحق ما يُستحيا منه، وليس في الحق ما يخشى الظهور، والحق هو منهج الخبير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولو كان بخلاف أهواء البعض!
إن كان من توفيق في الفهم والمعالجة فمن الله وحده، وإن كان من تقصير فمن النفس والشيطان، وأي فكرة لا تتضح للمتابعين فمردُّ ذلك بلا شك إلى تقصيري وضعفي!
سنعرض في كل حلقة من حلقات التنور لشهوة دخلت إلى قلب أو شبهة عبثت بفكر، وندرسها بالدليل والتعليل ثم نلقي بها في التنور!