وما قدَروا الله حق قدره
وما قدَروا الله حق قدره
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
مقدمة:
| وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: روى نافعٌ قال: خرجت مع ابن عُمر رضي الله عنهما في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحابٌ له، فوضعوا سُفرةً، فمرَّ بهم راعٍ، فقال له عبد الله ابن عُمر ابن الخطاب رضي الله عنهما: << هلُّمَ يا راع فأصِب من هذه السُفرة، أي كُل معنا، فقال: إنّي صائم، فقال عبد الله: في مثل هذا اليوم الشديد حرّهُ، وأنت في هذه الشِعاب في آثار هذه الغنم، وأنت صائم! فقال الراعي: أُبادر أيامي الخالية، أستغل الفُرصة، أعمل عملاً صالحاً قبل أن يأتي يوم الفراق، وقبل أن يأتي يوم اللقاء مع الله تعالى، أُبادر أيامي الخالية، فقال ابن عُمر رضي الله عنهما: هل لك أن تبيعنا شاةً من غنمك نجتزرها ونُطعِمُك من لحمها ما تُفطِر عليه ونُعطيك ثمنها، قال: إنها ليست لي إنها لمَولاي، قال ابن عُمر: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قُلت له أكلها الذئب؟ فمضى الراعي وهو رافعٌ إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟ فأين الله؟ فأين الله؟ فلم يزل ابن عُمر يقول: قال: الراعي فأين الله؟ قال: الراعي فأين الله؟>>. |
| فلما قَدِم ابن عُمر المدينة، بعثَ إلى سيِّد الراعي، فاشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي ووهب له الغنم. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: من نافلة القول ومن البديهي أن أقول: إنَّ هذا الراعي لا يملِك معلوماتٍ كما نملِك نحن اليوم، ومن نافلة القول أن أقول: إنَّ هذا الرجُل لا يحمِل الشهادات العُليا التي يحملها الكثيرون اليوم، ومن نافلة القول أن أقول: رُبما كان هذا الراعي لا يُحسِن حتى القراءة والكتابة، إلا أنه استطاع أن يصل إلى حقيقة الدين، وإلى جوهر الدين، لم يكن هذا الراعي على مدرسةٍ عقديةٍ من المدارس المُنتشرة بعده، ولا على مذهبٍ فقهيٍ من المذاهب التي جاءت بعده، ولكنه كان أقوى عقيدةً وفِقهاً من كثيرين من أبناء هذه المدارس، لأنه وصل إلى الحقيقة، وهو أن يسأل الإنسان سؤال رقابةٍ: أين الله؟. |
ما أحوَجنا اليوم إلى مُسلمٍ يقول في كل لحظةٍ مُراقباً ربّه أين الله؟
| أيُّها الإخوة الأحباب: ما أحوَجنا اليوم إلى مُسلمٍ يقول في كل لحظةٍ مُراقباً ربّه أين الله؟ ما أحوَجنا إلى مُسلمٍ يُراقب الله تعالى عند كل قولٍ وفعل. |
| أيُّها الكرام: في كتاب الله أربع آيات مُتعلِّقةٌ بموضوعنا، الآية الأولى في الأنعام: |
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)(سورة الأنعام)
| والثانية في الحج: |
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(74)(سورة الحج)
| والثالثة في الزُمَر: |
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ(67)(سورة الزمر)
| والرابعة في نوح: |
مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14)(سورة نوح)
الأسباب التي جعلت كثيراً من الناس لا يقدِّرون الله حقَّ قدره:
| أيُّها الإخوة الكرام: إذا تأملنا هذه الآيات الأربع، استنتجنا واستنبطنا من خلالها، الأسباب التي جعلت كثيراً من الناس لا يقدِّرون الله حقَّ قدره، ولا يرجون له وقاراً، أي عَظَمَةً، فما هي هذه الأسباب من الآيات؟ |
| السبب الأول: الإعراض عن القرآن (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) الإعراض عن كلام الله تعالى، يجعل الإنسان بعيداً عن توقير الله وتقديره. |
| السبب الثاني: عدم التعرُّف إلى أسماء الله الحُسنى (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) فلو أنهم عرفوه قوياً، عزيزاً، لطيفاً، رحيماً، خبيراً، سميعاً، بصيراً، لقدَّروه حقَّ قدّره. |
| والسبب الثالث: عدم الإيمان باليوم الآخر (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لم ينتبهوا إلى الإيمان اليقيني، باليوم الذي سنقف فيه بين يدي الله تعالى. |
| والسبب الرابع: عدم النظر في خلق الله تعالى. |
مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا(15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا(18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا(19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا(20)(سورة نوح)
| فلو أنهم نظروا في هذه الآيات وفي غيرها، وما أكثر الآيات التي تدل على وجود الله ووحدانيته وكماله، لو أنهم أَعملوا نظرهم في الكون، لعرفوا أنَّ له خالقاً عظيماً، فقدَّروه حق قدّره. |
حتى نُقدِّر الله حقَّ قدره لا بُدَّ أن نبقى مع القرآن:
| أيُّها الإخوة الكرام: حتى نُقدِّره حقَّ قدره، وحتى نرجو له وقاراً، لا بُدَّ أن نلتصق بكتاب الله، وأعني ما أقول، أن نلتصق بكتاب الله، أن يكون كتاب الله رفيقنا، ألّا نهجره، رمضان يُودِّعنا أيُّها الكرام، لكن نحن لا نودِّع المُصحف مع نهاية رمضان، بل يُعلِّمنا رمضان أن نكون أكثر التصاقاً بالقرآن، سيشكو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شكوى واحدة لم يَرِد غيرها في كتاب الله: |
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)(سورة الفرقان)
| هجروا تلاوته، وهجروا تدبَّره، وهجروا فهمه، وهجروا العمل به (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا). |
| حتى نُقدِّر الله حقَّ قدره لا بُدَّ أن نبقى مع القرآن، وحتى نرجو له وقاراً لا بُدَّ أن نتعرَّف إلى أسمائه الحُسنى وصفاته الفُضلى، مَن هوربُّنا؟ اللطيف، الخبير، العظيم. |
{ للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| وإحصاء الأسماء الحُسنى لا يعني أن يعُدَّها الإنسان، ولكن يعني أن يفهم معانيها، وأن يأخُذ نصيبه منها، وأن يدعو الله بها. |
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180)(سورة الأعراف)
| وحتى نُقدِّره حقَّ قدره، لا بُدَّ أن نؤمن بموقفنا بين يديه يوم القيامة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). |
| وحتى نُقدِّره حقَّ قدره، لا بُدَّ أن نجول نظرنا في هذا الكون. |
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ{ لبيد بن ربيعة }
| أيُّها الكرام: يقول ابن القيِّم رحمه الله: "التقدير والتعظيم تابعٌ للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الربّ تعالى في القلب، وأعرَف الناس به أشدُّهم له تعظيماً وإجلالاً". |
أكثر الناس معرفةً بالله أشدُّهم تعظيماً له:
| (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) فأكثر الناس معرفةً به أشدُّهم تعظيماً له، لو دخلت إلى قاعةٍ وفيها شخصٌ جالسٌ لا تعرفه، لم تره في حياتك، وما سمعت عنه، فسلَّمت وجلست وبدأت تلهو بالهاتف في يدك، وهو جالسٌ، ثم دخل ثالث يعرف هذا الرجُل، فهمس في أُذُنك: أتدري مَن هذا الذي يجلس مقابلك؟ قُلت: لا والله، قال: هذا فُلان، قُلت: هذا فُلان الذي نسمع عنه؟ قال: نعم، ثم جاء رجُلٌ آخر فقال لك: هل تعلم أنه يحمل أعلى شهادة في هذا الاختصاص النادر، هل تعلم أن له ثلاثين عاماً خبرةً في ذاك التخصُّص، كلما زادت معلومةٌ في أُذُنك عنه، تغيَّر حالك وأنت تقف أمامه أو تجلس بين يديه، تُغيِّر جلستك، تُخفي الهاتف في جَيبك، تبتسم في وجهه، تسأله، تطمئن عنه، يتغيَّر حالك معه بقدر معرفتك له، ولله المثل الأعلى، كلما كانت المعرفة بالله أعظم كان التعظيم له أكبر، فأكثر الناس تعظيماً له هُم أكثرهم معرفةً به. |
| أيُّها الإخوة الكرام: إن لم يرجُ الإنسان لله وقاراً، وإن لم يُعظِّمه حقَّ عَظَمته، كانت نتائج لا تُعد ولا تُحصى نرى كثيراً منها في واقعنا اليوم، حدِّث عن ارتكاب المعاصي وعن انتشار المعاصي، حدِّث عن تحكيم غير شرع الله، حدِّث عن الاحتكام إلى غير كتابه، حدِّث عن التحايُل على أمره، حدِّث، ستجِد من الآثار المُدمِّرة في سلوك الناس الذين لا يعرفون الله ولا يُعظِّمونه ما تجده. |
لماذا الكثيرون اليوم يغشّون المُسلمين وغير المسلمين:
| أيُّها الإخوة الكرام: الغش حرام، مَن منّا لا يعرف أنَّ الغش حرام؟ أو قُل مَن مِن المُسلمين اليوم لا يعرف أنَّ الغش حرام؟ مثال الغش حرام، سَل اليوم أي مُسلمٍ قُل له: ما حُكم الغش في الإسلام؟ يقول لك: حرام، الدليل: |
{ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرَّ على صُبْرةِ طعامٍ فأدخَل أصابعَه فيها فإذا فيه بَلَلٌ فقال: ما هذا يا صاحبَ الطَّعامِ؟ قال: أصابتْه سماءٌ يا رسولَ اللهِ قال: فهلَّا جعَلْتَه فوقَ الطَّعامِ حتَّى يراه النَّاسُ، مَن غشَّنا فليس منَّا }
(أخرجه مسلم)
| لماذا الكثيرون يغشّون المُسلمين إذاً؟! وغير المسلمين، وهُم يعلمون أنه حرام! أين المشكلة؟ المشكلة في غياب التعظيم، المشكلة أنهم لا يعرفون الرزَّاق، لأنه يظن أنه من خلال الغش يكسب مالاً أكثر، فهو لا يعرف أنَّ الله تعالى من أسمائه الحُسنى الرزَّاق، وأنَّ الرزق آتٍ إليه بالحلال فلينتظره بالحلال، يظنُّ أنه يرزِق نفسه من خلال تحايُله على الناس، إذاً المشكلة ليست في معرفة الأمر، المشكلة في معرفة الآمِر الذي أمر ألّا يغُش الناس بعضهم بعضاً. |
إيّانا أن نجعل الله أهوَن الناظرين إلينا:
| أيُّها الإخوة الكرام: إيّانا أن نجعل الله أهوَن الناظرين إلينا، اليوم الواحد منّا إذا نظر أبوه إليه، يترك أشياءً كان يفعلها تعظيماً لوالده، وإذا دخل مُعلِّمه إليه وله جلالٌ في قلبه، يتغيَّر سلوكه بوجود هذا المُعلِّم، أفنجعل الله أهوَن الناظرين إلينا؟ لا يتغيَّر سلوكنا، ولا نتوب إن أذنبنا، ونحن نعلم أنه مُطّلِعٌ علينا. |
أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ(14)(سورة العلق)
| سُئل الجُنيد: بمَ يُستعان على غضِّ البصر؟ قال: "بعلمك أنَّ نظر الله أسبق من نظرك إلى الحرام" البصير يرى. |
من معاني ليلة القدر أن نُقدِّر الله حقَّ قدره:
| أيُّها الإخوة الكرام: نعيش هذه الأيام أجواء ليلة القدر، ونتنسَّم عبيرها، وننتظر نفحاتها، وليلة القدر في العشر الأخير من رمضان خيرٌ من ألف شهر، لو أنَّ الإنسان عرف قدر هذه الليلة، وشرفها لأنه أُنزِل فيها كلام الله تعالى، وقدَّر الله في ليلة القدر، وهذا من معاني ليلة القدر، أن نُقدِّر الله حقَّ قدره، فإذا قدّرنا الله حقّ قدره في هذه الليلة، انقلبت حياتنا من معصيةٍ إلى طاعة، ومن تمادٍ في المعصية إلى توبة، وقدّرنا الله حقّ قدره، وعرفناه حقّ معرفته. |
من أدعية ليلة القدر:
| من أدعية هذه الليلة التي علَّمها النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: |
{ قلتُ: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي وأحمد)
| ما الذي يحصل في هذه الليلة حتى يقول الداعي من قلبه: (اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي) الذي يحصل أيُّها الكرام، أنَّ الإنسان كلما عرف ربّه أكثر، وعظَّمه أكثر، عَظُم الذنب عنده، فتاب إلى الله، يعظُم الذنب عنده، فإذا عَظُم الذنب عند الإنسان صَغُر عند الخالق العظيم، وإذا كبُر الذنب عند الإنسان صَغُر عند الله، فإذا صَغُر عنده كبُر عند الله، إذا قال: ما الذي فعلناه؟ أمرٌ بسيط، حكمةٌ مأثورة عن السلف الصالح تُنسَب للتابعي بلال بن سعد أنه قال: "لا تنظُر إلى صِغَر الذنب ولكن انظُر على مَن اجترأت" عندها يعظُم الذنب عند الله ويكون عقابه أليماً، لكن إذا استعظم ذنبه مهما كان بسيطاً، فإنه يصغُر عند الله. |
الصغائر تعظُم عند الصحابة والسلف الصالح لعظيم مكانة الله في قلوبهم:
| أيُّها الإخوة الأحباب: لذلك ندعو: "اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا" لأننا في هذه الليلة نستشعر عظمة الله، فنرى ذنوبنا، ونرى تقصيرنا في واجب العبودية له، فنطلُب منه العفو والستر. |
| أيُّها الإخوة الكرام: كان بعض الصحابة يقولون لمن بعدهم من التابعين: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كُنّا نعُدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" أي من المُهلكات، قال شُرّاح الحديث: ليسوا يعنون أنَّ الكبائر أصبحت بعد الصحابة صغائر، معاذ الله هؤلاء التابعون من خير القرون، قال: ولكن الصغائر كانت تعظُم عندهم لعظيم مكانة الله في قلوبهم، فمهما كان الذنب صغيراً يكبُر عندهم. |
قصة بائعة الحليب وسيدنا عُمر:
| أيُّها الإخوة الكرام: كلكم تعلمون قصة بائعة الحليب، يوم كُنّا صغاراً نحفظها مُذ كُنّا تلاميذ في المرحلة الابتدائية، وروتها لنا المُعلِّمة: |
قـالت بُنيـة قـومي فامـزقي اللبنَ فالماء سوف يزيد الوزن والثمنَ قـالت لهـا البنت يا أُمـاه مـعـذرةً لـقـد نـهـى عمـر أن نخلـط اللـبنَ قـالت الأم أنّى يرى عمـرٌ صنيعنا إنــمــا الــفــاروق لــيــس هـــنــا قـالـت الــبـنــت لا تـفـعــلـي أبـداً الله يـعـلــم منّـا الســـرَّ والـعـلــنـا إن لم يكن عمر الفاروق يُبصرُنـا فــإن ربَّ أبـي حـفـصٍ هـنـا مـعنـا
| سمع عُمر الفتاة تقول لجدتها: إن لم يكن عُمر يرانا فإنَّ ربَّ عُمر يرانا، فوضع علامةً على البيت، وفي الصباح جمع أولاده وقال: والله لو بي حركةٌ إلى النساء لتزوجتها، لا حُبَّاً بالنساء والزواج، لكن لأنه يعلم من تُخرِّج هذه الفتاة، فزوَّجها لابنه عاصم، فولدت له بنتاً تزوجها عبد العزيز بن مروان، فجاء من نسلهما عُمر بن عبد العزيز، الذي أعاد للخلافة راشديتها، خامس الخُلفاء الراشدين كما يصفه المؤرِّخون، ونشر العدل الذي انطلق من دمشق، لأنه عَلِم أنَّ من تُراقب الله ستُنشئ جيلاً مختلفاً. |
لماذا فُرِضت زكاة الفطر:
| أيُّها الإخوة الأحباب: في سياقٍ منفصل، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: |
{ فَرَضَ رسولُ اللهِ صدقةَ الفطرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفثِ، طُعْمَةً لِلْمَساكِينِ، فمَنْ أَدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهيَ صدقةٌ مِنَ الصدقةِ }
(أخرجه أبو داوود وابن ماجه)
| كيف أنَّ سجود السهو في الصلاة، يجبُر الخلل الذي حصل في الصلاة إن حصل، كأنَّ صدقة الفطر كسجود السهو في الصلاة لكن للصيام، حصل منه كلمةٌ ليست في محلِّها، نظرةٌ، لغوٌ، كلام لا طائل وراءه وكم يحصل، نسأل الله العفو والعافية، فتأتي صدقة الفطر فتُطهِّر الصائم من اللغو والرفث، وتُطعِم المسكين وتُغنيه عن السؤال في صبيحة العيد، قال: (فمَنْ أَدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهيَ صدقةٌ مِنَ الصدقةِ) فلا بُدَّ أن تُخرَج قبل الخروج إلى صلاة العيد. |
زكاة الفطر وقت وجوبها وعلى مَن تجب:
| أيُّها الإخوة الكرام: أمّا وقت وجوبها، فعند غروب شمس آخر يومٍ من أيام رمضان، تكون واجبةً، فمن توفي مثلاً نسأل الله أن يُحيكُم إلى العيد وما بعد العيد، قبل الغروب فما عليه صدقة الفطر، هذا وقت وجوبها، ويمكن تقديمها بيومٍ أو بيومين كما كان يفعل الصحابة والسلف الصالح، وهي صاعٌ من تمرٍ أو صاعٌ من شعير، على الذَكَر والأنثى، والصغير والكبير، لكل إنسان موجود عند غروب شمس آخر يومٍ، من المسلمين ممَّن له أهلية الصيام أو أهلية الإسلام، تجب عليه زكاة الفطر، يدفعها الرجُل عن نفسه، وعن من يُنفِق عليهم ممَّن لا مال لهم، وتُخرَج من غالب قوت أهل البلد، ما يأكله الناس طُعمةً للمساكين، فأسأل الله تعالى أن يتقبَّلها منّا ومنكم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأنّا نراك، أسعدنا بلُقياك، اجمعنا بحبيبك ومُصطفاك. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم بارك لنا في ما بقي من شهر رمضان، وأعِنّا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحِفظ اللسان، واجعلنا في هذه الليالي من عُتقائك من النيران. |
| اللهم اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأُمهاتنا ومَن له حقٌّ علينا من النار، اللهم اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأُمهاتنا وذرّياتنا من النار. |
| اللهم بلِّغنا ليلة القدر ونحن في عافيةٍ منك وستر. |
| اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عنّا، اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عنّا، اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعفُ عنّا. |
| اللهم إنّا نجعلك في نحور الأعداء والجبَّارين، اللهم إنّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهم ومن وقف معهم في سرٍّ أو علن. |
| اللهم أنجِ المُستضعفين من المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أنجِ المُستضعفين من المؤمنين، اللهم أنجِ المُستضعفين من المؤمنين، وصلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

