245- هل يستويان؟
245- هل يستويان؟
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
من أعظم الأسئلة التي توقِظ قلب الغافل أن يقرأ في كتاب الله سؤالاً هل يستويان؟
| أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ من أعظم الأسئلة التي توقِظ قلباً غافلاً، وتُحيي هِمَّةً فاترةً، وتدعو العبد إلى مُراقبة نفسه أن يقرأ في كتاب الله سؤالاً هل يستويان؟ هل يستوي مَن عرف الحقَّ ومَن أعرض عنه؟ هل يستوي مَن أطاع الله ومَن عصاه؟ هل يستوي صاحب النور وصاحب الظُلمات، هل يستوي مَن جعل الدنيا غايته ومَن جعل الآخرة همَّه؟ هل يستوي قلبٌ عامرٌ بالإيمان وقلبٌ غافلٌ عن ذِكر الرحمن؟ |
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(16)(سورة الرعد)
لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ(20)(سورة الحشر)
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ(18)(سورة السجدة)
العالِم الحقّ مَن يُدرِك الفرق فلا يُسوّي بين شيئين بينهما فرق:
| أيُّها الإخوة الكرام: لا والله لا يستويان، فالله جلَّ في عُلاه لا يُسوّي بين أهل الحقِّ وأهل الباطل، ولا بين أهل الطاعة وأهل المعصية، ولا بين من أحسَن ومَن أساء. |
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)(سورة القلم)
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(28)(سورة ص)
| أيُّها الكرام: عشرات الآيات في كتاب الله تعالى تدعو للنظر، والتأمُّل، والتمييز، وإدراك الفرق بين فريقين، وتستنكر أن يستويا عند الله تعالى، وكما قيل: العالِم الحقّ مَن يُدرِك الفرق فلا يُسوّي بين شيئين بينهما فرقٌ وقد يكون فرقاً كبيراً جداً. |
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(29)(سورة الزمر)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ:
| الحمد لله على نعمة التوحيد، الحمد لله أنه لا يستوي الموحِّد مع المُشرِك، هذا مثلٌ يضربه الله تعالى للتمييز بين موحِّدٍ ومُشرِك، بين مَن جعل الهموم كلها همَّاً واحداً ومَن تشعَّبت به الهموم، انظُر إلى رجُلٍ يملكه أو يملِك أمره، يملكه كما هو حال العبيد، أو يملِك أمره عشرةٌ مثلاً (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) يملِكه عشرةٌ من الأشخاص على سبيل المثال، وهؤلاء مُتنازعون، مُتشاكسون، ليسوا متوافقين على رأيٍ واحد، شرسوا الطبع، مُتشاكسون، عندهم شراسةٌ في الطِباع، ليسوا على رأيٍ واحد، فماذا أصبح هذا المملوك؟ كيف أصبح حاله؟ أصبح حيراناً في إرضائهم، إن أرضى هذا غضِبَ ذاك، وإن نفَّذ أمر أحدهم فقد عصى أمر الآخر، هذا يطلُب منه أمراً وذاك يطلُب منه أمراً آخر، وهو ماذا يفعل؟ (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ). |
| انظُر إلى الآخر: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُل) فهو خالصٌ لمالكٍ واحد، عنده مُتحكِّمٌ واحدٌ بأمره، عنده مُديرٌ واحد، عنده آمِرٌ واحد، عنده ناهٍ واحد، وهو في سلامٍ معه، يُعطيه أمراً فينفِّذه (وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُل) هذا هو الموحِّد وذاك هو المُشرِك. |
| (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) هذا استفهامٌ استنكاري لا يحتاج جواباً، هذا استفهامٌ لتقرير حقيقةٍ، يقول لك الله تعالى: لا يستويان، لا يمكن أن يُسوَّى بين موحِّدٍ عاش مع نفسه مُطمئناً لا يُريد إلا رضا ربِّه، لا يُريد إلا وجه الله تعالى، أيمكن أن يستوي مع آخر يُريد أن يُرضي ألف جهةٍ وجهة؟ فإن أرضى هذا سخِط هذا، وإن أرضى ذاكَ غضِبَ هذا، وهكذا. |
اعمَل لله وحده يكفيك كل الوجوه الأُخرى:
| أيُّها الإخوة الكرام: وَرَد في الآثار: |
{ اعملْ لوجهٍ واحدٍ يكفيكَ الوجوهَ كلَّها }
(أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء والجرجاني في تاريخ جرجان)
| اعمَل لله وحده والله يكفيك كل الوجوه الأُخرى، يمنعها من أذاك، ويمنعها من التحكُّم فيك. |
اشغَل فُؤادَك بِالتُقى وَاِحذَر بِأَنك تَلتَهي وَاعمَل لِوَجهٍ واحـدٍ يَكفـيك كُل الأَوجـهِ{ الأمير منجك باشا }

