هل انتشر الإسلام بحد السيف؟

  • 2022-08-18

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نسمع بين الحين والآخر شبهة تقول: إن الإسلام قد انتشر بحدِّ السيف، وما شرع الجهاد إلا لإجبار الناس على الدخول في الدين!

نقاشٌ منطقيٌّ:
جواباً على هذه الشبهة نقول:
الإسلام فكرٌ وممارسة، عقيدة وسلوك، منطلقات نظرية وتطبيقات عملية، أما السلوك فيمكن إلزام الناس ببعضه إلى حدٍ ما بقوة القانون، وأقول ببعضه لأن كثيراً من السلوكات التي يفرضها الإسلام، لا يمكن ضبطها بالقوانين أو بالمراقبة كالصيام مثلاً، فإنك يمكن أن تمنع الناس من تناول الطعام في الطرقات العامة أمام الناس، لكنك لن تستطيع إلزامهم بالصيام الشرعي بحيث يمتنعون عن المفطرات داخل بيوتهم.
الفكر لا يمكن أن ينتشر بالقوة
وكذلك غض البصر، وكذلك الإحسان إلى الزوجة والأولاد إلى غير ذلك، هذا من حيث السلوك، أما من حيث العقيدة فإنك لن تستطيع إكراه الناس على اعتناق فكرة، ومن باب أولى فإنك لن تستطيع إلزامهم بالدفاع عنها، فالفكر لا يمكن أن ينتشر بالقوة، والذي يعتنق فكراً بالإكراه أو بالإغراء سيكون اعتناقه للفكرة شكليّاً وبالتالي سيكون أولَ المعادين لهذا الفكر في أول فرصةٍ تُتاح له.
ولو أنّ الدين نُشر بالقوة أو بحدِّ السيف لما وصلت راياته إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولو أنّه نُشر بالإكراه لما وجدته في يومنا هذا الدين الأول في الانتشار، ولما كان ربع سكان هذه البسيطة تقريباً يعتنقون الإسلام رغم التقصير الكبير عند أتباعه في نشره وإظهار حقيقته، ورغم الحرب العالمية المعلنة عليه إعلاميّاً وسياسيّاً.
الواقع والتاريخ يشيران إلى أن المسلمين كانوا من أكثر المدافعين عن عقيدتهم على مر الزمن، وكانوا أكثر من ضحَّى وقدَّم في سبيلها، رغم عدم وجود المغريات المادية التي تدفعهم لذلك، وكان المسلم الجديد ما إن ينطق بشهادة التوحيد حتى يصبح من عبَّاد الليل وفرسان النهار، يقدم روحه في سبيل الله ولحماية عقيدته.
لا يوجد إكراهٌ على الدخول في الإسلام
ثانياً: ليس في السيرة أو التاريخ أيُّ دليل يوثّق حالة واحدة لإكراه إنسان ما على الدخول في الإسلام، بل الشواهد تشهد بخلاف ذلك فمن وصايا الخلفاء للجيوش عند خروجها للجهاد، ألّا يُقتل الرهبان والعبَّاد في صوامعهم، وأن يقدم الصلح على القتال، ومتى تم الاتفاق على الصلح فإنه لا يُسمح للفاتحين بهدم أي كنيسة أو صومعة أو أي بيت عبادة؛ بل قد يشترط أهل تلك البلاد على الفاتحين السماحَ لهم بإنشاء معابد جديدة فيكون لهم ما أرادوا، ولو كان الهدف من الجهاد إجبارَ الناس على الدخول في الإسلام لما بقيت الكنائس والمعابد في البلاد المفتوحة إلى يومنا هذا شاهدةً على سماحة الإسلام.
ثالثاً: إن كان الإسلام قد انتشر بحدِّ السيف فلماذا بقيت الشرائع الأخرى موجودة في بلاد المسلمين؛ بل وُضعت أحكامٌ لأهل الذمة.
كلُّ ما سبق نقاشٌ منطقيٌّ، أما من حيث النصوصُ الشرعيةُ فإن الآية العُمدة في هذا الموضوع، وهي آية واضحة صريحة محكمة هي قوله تعالى:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
[ سورة البقرة]

وكذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم:

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)
[ سورة يونس]

هاتان الآيتان توضحان بلا أدنى لبس، أن إكراه الناس على الإيمان والدين مرفوضٌ، وأن الله قد بين طريق الحق وطريق الضلال ولكل أن يختار الطريق التي يريدها، وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يكره الناس على الإيمان بل مهمته هي التذكير فحسب قال تعالى:

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)
[ سورة الغاشية]


أسباب تشريع الجهاد:
والسؤال هنا: لماذا شرع الجهاد إذاً؟
الجهاد لم يُشرع لإجبار الناس على الدخول في دين الله، بل شُرع لهدفين اثنين؛ الأول ردّ العدوان، والثاني منح الناس الحرية ليختاروا ما يدينون الله به بعيداً عن استبداد الطواغيت بهم.

1- رد العدوان:
قال تعالى:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
[ سورة الحج]

فجاء الإذن بالقتال لرد العدوان.
وفي آية ثانية:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)
[ سورة البقرة]

الإذن بالقتال لرد العدوان
ولكن قد يقول قائل: هذه الآية نسخت، فقتال الذين يقاتلوننا كان في بداية التشريع ثم أصبح الحكم مقاتلة الجميع! ولو تابعنا الآية لتبين لنا أنها محكمة لا تقبل النسخ لقوله تعالى (ولا تعتدوا) فهذا النهي لا ينسخ فهل يمكن أن يأمر الله بالاعتداء بعد أن نهى عنه، فإذا تابعنا الآية نجد تأكيداً على أنها محكمة لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وهذا خبر، والخبر لا ينسخ. فالله لا يحب المعتدين وحاشاه جل جلاله أن يحب معتدياً!
وقال تعالى:

لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)
[ سورة الممتحنة]

فهل بعد هذا البيان من بيان!

2- منع الفتنة:
أما الهدف الثاني للجهاد فهو منع الفتنة، وإعطاء الحرية للناس ليدينوا الله تعالى بما يشاؤون قال تعالى:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
[ سورة الحج]

الإسلام ترك للناس حرية الاختيار
لولا أن هناك جهاداً لهدمت صوامع وهي أماكن عبادة اليهود، وبِيَع وهي الأمكنة التي يعبد بها النصارى ربهم، فالجهاد في الـأصل من أهدافه ألا تهدم أماكن العبادة ولو كانت لغير المسلمين، من أجل أن يترك للناس حرية الاختيار، من أجل أن يكون الدين كله لله، ولا يسمح لأحد بصد الناس عن الحقّ.
هذا لا يعني أبداً أننا نقرهم على بيعهم وكنائسهم، وهذا لا يعني في الوقت نفسه أن نقاتلهم لأنهم يعبدون الله في كنائسهم، أنا مسلم أعتز بإسلامي، وأعتز بديني، لكنني أعامل الآخرين بالإحسان، فلا أقره على شرك، ولا أحاربه على فكر.

خاتمة:
وأختم بقوله تعالى:

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
[ سورة البقرة]

وهذه أوضح آية في النوع الثاني من الجهاد وهو القتال لئلا يفتن الناس في دينهم، وحتى يكون الدين لله تعالى ولا يكره إنسان على فكر ولا يمنع إنسان من التوحيد.
والحمد لله رب العالمين.