همسات قبل رمضان

  • خطبة جمعة
  • 2026-02-13
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

همسات قبل رمضان

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.
وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: لرُبما كنت مُربّياً وجاءك شابٌ قد تعلَّق قلبه بالمعاصي والآثام، ولازمها حتى تمكَّنت منه، وحالت بينه وبين عبادة ربِّه، فأخذت تُبيِّن له قُبح المعصية ودناءتها، وأنَّ الله إنما حرَّم المعاصي صيانةً لنفسك، وأنَّ الله لا يُحرِّم إلا شيئاً خبيثاً تخبُث النفوس به، حتى إذا وجدت قلبه، قد خفَّ تعلّقه بالمعاصي والآثام، بدأت بملء قلبه بمكارم الأقوال والأفعال.

التخلية والتحلية معاً لا بُدَّ منهما:
أيُّها الإخوة الكرام: هذا الفعل يُسمّيه بعض العلماء التخلية والتحلية، بمعنى أنك إذا أردت أن تملأ كأساً، بشرابٍ عذبٍ لذيذ، لا بُدَّ أولاً أن تُنظِّف الكأس، فتنظيف الكأس من الأوساخ تخلية، ومَلؤه بالشراب اللذيذ تحلية، ولا بُدَّ من الأمرين معاً، وكانوا يقولون: التخلية قبل التحلية، وأقول: التخلية والتحلية معاً، لأنَّ كُلّاً منهما شرطٌ ونتيجة، بمعنى أنَّ تخلية القلوب من أمراضها، سببٌ لتحليتها فيما بعد بالخيرات، وهو نتيجةٌ حتميةٌ لملئها بالخيرات، وكذلك فإنَّ تحلية القلوب بمكارم الأقوال والأفعال، تُخلّيها من الأشياء السيئة وتطرد الأفعال الدنيئة، فالتخلية والتحلية معاً لا بُدَّ منهما.
أيُّها الإخوة الكرام: القرآن الكريم يستخدم هذا المنهج في كثيرٍ من آياته، في الخُطبة السابقة تَلَونا قوله تعالى:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)
(سورة البقرة)

(فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) هي التخلية، أن تُخلّي قلبك من التعلُّق بما يُعبَد من دون الله، (وَيُؤْمِن بِاللَّهِ) هي التحلية، قال تعالى:

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)
(سورة التوبة)

التطهير هو التخلية (وَتُزَكِّيهِم بِهَا) تنمو نفوسهم بها، والتزكية هي التحلية، فالتخلية والتحلية لا بُدَّ للمؤمن منهما معاً.

ينبغي أن نسعى لتخلية النفس من الذنوب والشواغل والشحناء قبل رمضان:
أيُّها الإخوة الكرام: نحن على أعتاب رمضان، وينبغي أن نسعى فيما تبقَّى من شعبان، إلى تخلية النفس من الذنوب والشواغل والشحناء، حتى إذا جاء رمضان كانت نفوسنا طاهرة، مُستعدَّة لتلقّي خيرات وبركات هذا الشهر الكريم وهذا الضيف الكبير.
مما يلفِت النظر، أنَّ شهر شعبان كما قال صلى الله عليه وسلم:

{ قلتُ يا رسولَ اللهِ لم أرَكَ تصومُ شهرًا منَ الشهورِ ما تصومُ مِن شعبانَ؟ قال: ذلك شهرٌ يَغفَلُ الناسُ عنه بين رجبٍ ورمضانَ وهو شهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالَمينَ، فأُحِبُّ أن يُرفَعَ عمَلي وأنا صائمٌ }

(أخرجه النسائي وأحمد)


لماذا تُرفع الأعمال إلى الله في شعبان؟
لماذا تُرفع الأعمال إلى الله في شعبان؟ يُريد الله منك في هذا الشهر، أن تُكثِر من الأعمال الصالحة، أن تُطهِّر نفسك، حتى يُرفع عملك إلى الله تعالى وأنت في أحسن حال، فإذا جاء رمضان، كنت مع الله منذ بداية رمضان، في صفحةٍ جديدة لا مجال فيها إلا لأن تُملأ بالخير والبركات.
وأنَّ مما يُلفِت النظر أيضاً، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سنَّ الإكثار من الصيام في شعبان، ولمّا يأتي شهر الصيام من أجل تخلية النفس، ومن أجل طرد ما في النفوس من التعلُّق بغير الله تعالى.
أيُّها الإخوة الأحباب: يُريد الله منّا ألّا يأتي رمضان إلا والقلوب سليمة، لذلك:

{ إنَّ اللَّهَ يطَّلعُ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ فيغفِرُ لجميعِ خلقِهِ إلا لمشرِكٍ أو مشاحنٍ }

(أخرجه ابن ماجه بلفظه وابن أبي عاصم في السنة والدارقطني في النزول)

لا يُغفَر لمُشرِكٍ وهذا مفهوم.

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا(48)
(سورة النساء)


لماذا يُربَط بين المُشرِك والمُشاحِن في مغفرة الذنوب؟
فالمُشرِك قد أخطأ التوجُّه، توجَّه إلى غير الله تعالى، فلا يُغفَر له، أمّا أنه لا يَغفِر لمُشاحِن فشيءٌ يلفِت النظر، أن يُربَط بين المُشرِك والمُشاحِن في مغفرة الذنوب! لماذا؟
أيُّها الإخوة الكرام: أُعيد وأُكرِّر، لأنَّ الله تعالى يُريد منّا في شعبان وقبل رمضان أن نُطهِّر نفوسنا، ألّا ندخُل إلى رمضان إلا بصدورٍ سليمة وقلوبٍ طاهرةٍ نقيَّة.
أيُّها الكرام: يقول صلى الله عليه وسلم:

{ تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلًا كانَ بينَه وبينَ أخيهِ شحناء، فيقول: أنظروا هذينِ حتَّى يصطلحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا }

(أخرجه مسلم)

(أنظِروا) أي أمهِلوا، تؤخَّر مغفرة الذنوب عنهما حتى يصطلحا.
أيُّها الكرام: عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه:

{ خَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وعَسَى أنْ يَكونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، والسَّابِعَةِ، والخَامِسَةِ }

(صحيح البخاري)

ليلة القدر ليلةٌ من ليالي رمضان، في العشر الأخير من رمضان، فرُفعت ليلة القدر ولم يعلَم الناس موعدها، السبب أنَّ رجُلين من المسلمين تلاحيا، تخاصما، فقال: (وعَسَى أنْ يَكونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، والسَّابِعَةِ، والخَامِسَةِ) أي في التاسع والعشرين، والسابع والعشرين، والخامس والعشرين.

مُتعة الاستفزاز:
أيُّها الإخوة الكرام: مبدأ المُشاحنة بين المسلمين يبدأ من مُتعةٍ أُسمّيها مُتعة الاستفزاز، هناك مُتعةٌ عند البعض في استفزاز الآخرين، ينتقي من الكلام أسوأه، مع أنَّ الله تعالى يقول:

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا(53)
(سورة الإسراء)

أي إذا وجدت كلمةً حسنةً وأُخرى أحسن منها، فدع الحسنة وخُذ الأحسن منها (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لكن المُستفزين ينتقون العبارة الأسوأ، يفتح على التواصل الاجتماعي، ينظُر أيُّ عبارةٍ أسوأ يمكن أن يُعلِّق بها، فيستفز الناس ويجعلهم يسبّون ويشتمون، فيختارها ثم يجلس ويتأمَّل في تعليقات الآخرين ويضحك، قال تعالى مُخاطباً إبليس:

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64)
(سورة الإسراء)


الاستفزاز لغة إبليس اللعين:
الاستفزاز لغة إبليس اللعين، كيف تبدأ المُشاحنة؟ استفزاز، يستفز زوجته في البيت ليُخرِج أسوأ ما فيها، وتختار أسوأ وقتٍ لتستفز زوجها لتُخرِج أسوأ ما فيه، يدخُل الموظف مُتأخراً إلى الشركة يوماً، وهو موظفٌ مستقيم، لا يتأخر إلا نادراً، ويؤدّي واجباته، يختار المدير أسوأ عبارةٍ فيقول له: أنت لا تنفع لشيء، أنت أسوأ موظف، لم يأتِ منك إلى الشركة إلا كل شرّ، بدلاً من أن يقول له: أنت موظفٌ جيد وأُقدِّر عملك، لكنك تأخرت عن الدوام اليوم وهذا يُسيء لك ولعملك، الأولى مُستفزة يختارها والثانية لا تستفز فيتركها، يختار العبارة التي تستفز الآخرين.
يأتي إلى البيت وقد تأخَّرت زوجته في إعداد البيت أو طبخ الطعام، يختار أسوأ عبارةٍ ليستفزها بها، أنتِ لم تتربِّ في بيت أهلك كما يجب، يتكلم على أهلها، بعد عشر دقائق تقول له: طلّقني فيُطلِّقها، استفزَّه الشيطان واستفزَّها (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ).
فتبدأ الشحناء والله لا يغفِر لمُشاحِن، ولا يمكن أن ندخُل رمضان ونحن نتشاحن، سمّوا أنفسهم السلفية، يُريدون أننا على منهج السلف الصالح، يأتي بأسوأ عبارةٍ ويُسمّيهم بها ويكتبها على الفيسبوك، أنتم السلفية أنتم النابتة، فيستفزهم وتكون مشكلةٌ كبيرة، وهذا أخوك المسلم، وهذا يُسمّي نفسه أنه صوفيٌ، بمعنى أنه يُريد صفاء القلب، فيأتي الآخر بأسوأ عبارةٍ ويكتبها على الفيسبوك ويستفزه، ويظن أنه يفعل خيراً، نتشاحن ونتباغض ونقيم العداوات، ثم يأتي رمضان ونريد أن نستقبله ويستقبلنا، وأن نفتح له أبوابنا، وأن يغفر الله لنا، إنَّ الله لا يغفِر لمُشرِكٍ ولا لمُشاحِن.

لا تكن مُستفِزاً للآخرين وانصَح بما تراه الحقّ:
يضع النبي صلى الله عليه وسلم المُشاحِن مع المُشرِك، طبعاً بينهما فرقٌ كبير، لكن عطف هذا على هذا لبيان عِظم أمر المُشاحنة، أن تحمِل في قلبك الشحناء للمسلمين، أنا لا أقول إنَّ سلامة الصدر تعني ترك الأمر بالمعروف، وأنَّ سلامة الصدر تعني ترك النهي عن المُنكر، أو أنها تعني ترك النصيحة، أبداً، لكن لا تحمِل في قلبك، لا تكن مُستفِزاً للآخرين، لا تتشاحَن مع الناس، انصَح بما تراه الحقّ وبيِّن الحقّ للناس دون أن تستفزهم.
مرَّ سيدنا عُمر على قومٍ قد أشعلوا ناراً، فقال: "السلام عليكم يا أهل الضوء" قال خادمه: وكره أن يقول: يا أهل النار، اختار يا أهل الضوء، اختر العبارة المُناسبة.
النبي صلى الله عليه وسلم كان مع زوجه عائشة رضي الله عنها، انظروا إلى الجمال:

{ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: دخَلْتُ أنا وعُبيدُ بنُ عُميرٍ على عائشةَ فقالت لِعُبيدِ بنِ عُميرٍ: قد آن لك أنْ تزورَنا فقال: أقولُ يا أمَّهْ كما قال الأوَّلُ: زُرْ غِبًّا تزدَدْ حُبًّا قال: فقالت: دعُونا مِن رَطانتِكم هذه قال ابنُ عُميرٍ: أخبِرينا بأعجَبِ شيءٍ رأَيْتِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فسكَتَتْ ثمَّ قالت: لَمَّا كان ليلةٌ مِن اللَّيالي قال: يا عائشةُ ذَرِيني أتعبَّدِ اللَّيلةَ لربِّي قُلْتُ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك وأُحِبُّ ما سرَّك قالت: فقام فتطهَّر ثمَّ قام يُصَلِّي قالت: فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ حجرَه قالت: ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ لِحيتَه قالت: ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ الأرضَ فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصَّلاةِ فلمَّا رآه يبكي قال: يا رسولَ اللهِ لِمَ تَبكي وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر؟ قال: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] الآيةَ كلَّها }

(صحيح ابن حبان)

هل يستأذِن رجُلٌ زوجته أن يقوم لعبادة الله؟! للنفل وليس للفريضة (يا عائشةُ ذَرِيني أتعبَّدِ اللَّيلةَ لربِّي) لعلَّها تُريده في هذه الليلة بجوارها، ماذا قالت عائشة؟ لو قالت له آذن لك كأنما جفته، قُم لا حاجة لي بك، ولو قالت له لا آذن لك فقد منعته مما يُحب، قالت: (واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك وأُحِبُّ ما سرَّك) هذا الجواب الجميل الذي يُنمّي العلاقة الطيبة بين الناس (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) سلامة الصدر لا تعني ترك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المُنكَر، ولكن تعني أن يعلم الآخر أنك تُحبه، أنك حريصٌ عليه، أنك لا تُريد به شرَّاً تُريد به الخير، النبي صلى الله عليه وسلم يُردِف مُعاذاً خلفه ويقول:

{ كان معاذٌ يصَلِّي مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ يرجِعُ فيؤمُّنا قال مرَّةً: ثمَّ يرجِعُ فيصَلِّي بقَومِه فأخَّر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةً الصَّلاةَ وقال مَرَّةً: العِشاءَ فصَلَّى معاذٌ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ جاء يؤمُّ قَومَه، فقرأ البَقَرةَ، فاعتزل رجلٌ مِن القَومِ فصَلَّى، فقيل: نافَقْتَ يا فُلانُ! فقال: ما نافَقْتُ، فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ مُعاذًا يصَلِّي معك، ثمَّ يرجِعُ فيؤُمُّنا يا رَسولَ اللهِ، وإنَّما نحن أصحابُ نواضِحَ، ونعمَلُ بأيدينا، وإنَّه جاء يؤمُّنا فقرَأَ بسورةِ البقَرةِ! فقال: يا مُعاذُ، أفتَّانٌ أنت؟! أفتَّانٌ أنت؟! اقرأ ْبكذا اقرَأْ بكذا، قال أبو الزُّبَيرِ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} وفي روايةٍ: يا مُعاذُ، لا تكُنْ فتَّانًا، فإنَّه يصَلِّي وراءك الكبيرُ والضَّعيفُ وذو الحاجةِ والمسافِرُ }

(أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن ماجه)

وبقيت المحبَّة قائمة.
رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول:

{ ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ من أبي ذرٍّ }

(أخرجه الطبري والترمذي وابن ماجه وأحمد)

أبو ذَر رضي الله عنه وأرضاه.

{ أنَّ أبا ذَرٍّ وبلالًا تَغَاضَبَا وتَسَابَّا وفي ثورةِ الغضبِ قال أبو ذَرٍّ لبلالٍ: يا ابنَ السَّوْدَاءِ فشكاه بلالٌ إلى النبيِّ فقال النبيُّ لأبي ذَرٍّ: أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ إنك امْرُؤٌ فيك جاهِلِيَّةٌ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

وبقي رسول الله يُحب أبا ذَر، وبقي أبو ذَر رضي الله عنه يُحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ينبغي أن تكون سلامة الصدر مع كل مُسلمٍ ممن صحَّت عقيدته واستقام سلوكه:
سلامة الصدر يا كرام قبل أن ندخُل رمضان، مع الأرحام، مع الناس، مع الأصدقاء، مع المسلمين، ليس مع أبناء مدرستك، ولا مع أبناء مسجدك، ولا مع أبناء عقيدتك الضيِّقة التي تعتقدها، وإنما مع كل مُسلمٍ ممن صحَّت عقيدته واستقام سلوكه، سلامة الصدر مطلوبة، لا نستقبل رمضان وفي قلبنا غِشٌ على أحدٍ من المسلمين.

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(10)
(سورة الحشر)

يصفُ ربُّنا حال أهل الجنَّة، انظروا إلى هذا الوصف العظيم، قال:

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ(47)
(سورة الحجر)

تأمَّل حاله صلى الله عليه وسلم حين ضربه قومه فأسالوا الدم على وجهه:

{ كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

انظُر إلى يوسُف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، انظُر إلى سلامة صدره، ألقوه في الجُب، فرَّقوا بينه وبين أبيه، دخل السجن بسببهم، فلمّا مكَّنه الله تعالى:

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92)
(سورة يوسف)

لمّا جاء أبوه مع إخوته ماذا قال؟ قال:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100)
(سورة يوسف)

انظُروا إلى هذه العبارات الثلاث: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) أيُّهما أعظم السجن أم الجُب؟ السجن احتمال النجاة وارد، أمّا الجُب فكان احتمال النجاة قريباً من الصفر، ما أراد أن يُذكِّرهم بجريمتهم (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ).
(وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ) ما أراد أن يقول لهم: بعد أن قُهِرتم بالجوع جِئتُم إليّ، قال: (وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) فنسبَ ما حصل للمُسبِّب الشيطان وليس للمباشِر وهُم إخوته، ما قال: من بعد أن فعلتم بي ما فعلتم، هذه سلامة الصدر، هذه مع مَن؟ مع كل مَن فعلوا ذلك، أفلا تتسِع صدورنا لإخوتنا المسلمين.
أيُّها الإخوة الكرام: الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه، لمّا تكلَّم مِسطح بن أثاثة في عِرض ابنته عائشة أُمنّا رضي الله عنها، المُبرَّأة من فوق سبع سماوات لعن الله من سبّها وشتمها، يوم تكلَّم في عِرض ابنته وأُشيع الخبر، وكان مِسطح واحداً من هؤلاء الذين أشاعوا الخبر، وكان يُعطيه نفقةً يُنفِق عليه لأنه كان فقيراً، أقسَم أبو بكر أن لا يُعطيه فأنزل الله تعالى:

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(22)
(سورة النور)

فبكى أبو بكر وقال: بلى يا رسول الله أُحب أن يغفِر الله لي، وأعاد النفقة إلى مِسطح.
أيُّها الإخوة الكرام: هذا أبو دُجانة دخلوا عليه وهو مريض، فرأوا وجهه يتهلل، فكلَّموه في ذلك، أنت مريض ووجهك يتهلل؟! فقال: "ما من عمل شيءٍ أوثق عندي من اثنتين، كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأُخرى كان قلبي سليماً للمسلمين"، لا أحمِل غِلاً على أحد.

التفكير خارج الصندوق:
هذا عُلبة بن زيد، لمّا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفقة، لم يجد هذا الصحابي شيئاً يُنفقه فبكى، انظروا هذا نُسمّيه التفكير خارج الصندوق، يعني أنت إنسان تقول أنا ما عندي شيءٌ أفعله، انظروا ماذا فعل هذا الرجُل، كيف فكَّر خارج الصندوق فقال:

{ كان عُلبةُ بنُ زيدٍ رجلًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لما حضَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الناسَ على الصدقةِ قال علبةُ: اللَّهم إنه ليس عندي ما أتصدَّقُ به إلا وِسادةٌ حشوها لِيفٌ ودلوٌ أستقي به، اللَّهم إني أتصدقُ بعِرضي على من ناله من خلقِك، فأمر النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مناديًا فنادى: أين المتصدِّقُ بعِرضه البارحةَ؟ فقام علبةُ بنُ زيدٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللهَ قد قَبِلَ صدقتَك }

(ابن حجر العسقلاني نتائج الأفكار)

تصدَّقت على المسلمين بأي مظلمةٍ أصابني فيها، من مالٍ أو جسدٍ أو عِرض، ثم أصبح الرجُل.
الآن أيُّها الكرام: يتنزَّل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعل هذا الرجُل، انظروا إلى عظيم فعله، كم من صحابيٍ تصدَّق بالمال؟ وكله عظيمٌ عند الله، لكن يتنزَّل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُعلمه بما كان من هذا الصحابي، فيُصبِح رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (أين المتصدِّقُ بعِرضه البارحةَ؟ فقام علبةُ بنُ زيدٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللهَ قد قَبِلَ صدقتَك) زكاةٌ مقبولة عند الله، قَبِلها الله تعالى.
أيُّها الكرام: كان سيدنا عُمر رضي الله عنه يقول: "لا تظن بكل كلمةٍ خرجت من أخيك المؤمن شرّاً وأنت تجد لها في الخير مَحملاً" ابحث عن المَحمَل الخيِّر في كلمةٍ سمعتها، بعض الناس بالعكس يبحث عن الشر في كل كلمةٍ تُقال، كان الشافعي رضي الله عنه يقول: "من أراد أن يقضي له الله بخيرٍ فليُحسِن ظنّه بالناس".

ينبغي أن يدخُل علينا رمضان ونحن سليمو الصدر تُجاه إخواننا المسلمين:
إخواني لا نُريد أن يدخُل علينا رمضان، إلا ونحن سليمو الصدر تُجاه إخواننا المسلمين، لا أقول: أبناء مدرستنا، ولا أبناء مسجدنا، ولا أبناء حيِّنا، وإنما يكون صدرُنا سليماً تُجاه كل مسلمٍ، عاهدوا الله قبل رمضان، أن نُقلع عن كتابة التعليقات على وسائل التواصل، التي تُشعِل الخلاف، وتؤدّي إلى السُباب والشتم، والغيبة والنميمة، اعرِض الحقّ وتكلم به، وانصَح دون أن تُكفِّر المسلمين، ودون أن تُبدِّعهم، ودون أن تُفسِّقهم، دون أن تُسيء الظنَّ بهم، دون أن تُهدِر أعمالهم السابقة، دون أن تغتال شخصياتهم، كُن مُنصِفاً فيما تقول، دعونا نترُك مُتعة الاستفزاز إرضاءً لله، ثم نستمتِع بسلامة الصدر، فهي والله أعظم مُتعةً، وأعظم سعادةً، ولنعقِد العزم جميعاً على التوبة قبل رمضان، حتى إذا دخل رمضان، كُنّا مع الله تعالى في حالٍ آخر، فتلقَّينا فيوضات هذا الشهر الكريم من أول يومٍ فيه.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
ربَّنا لا تجعل في قلوبنا غِلاً للذين آمنوا، إنك غفور رحيم، ربَّنا تجاوز عنّا وعن إخواننا واغفِر لنا ولهم يا أرحم الراحمين.
اللهم لا يأتي رمضان علينا إلا وقد سَلِمت صدورنا، اللهم لا تجعل في قلوبنا غِشاً لأحدٍ من المسلمين يا أرحم الراحمين.
اللهم بلِّغنا رمضان وأنت راضٍ عنّا يا أكرم الأكرمين.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة، ونعوذ بك من سخطِك والنار، يا عزيز ويا غفَّار.
اللهم برحمتك نستغيث، أصلِح لنا شأننا كله يا أرحم الراحمين، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك.
اللهم إنّا نسألك لبلادنا أمناً وأماناً، ونسألك للقائمين عليها أن يعملوا بكتابك وبُسنَّة نبيَّك صلى الله عليه وسلم.
اللهم أبرِم لهذه الأُمة أمر رُشد، يُعز فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل عصيانك، ويؤمَر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المُنكر.
اللهم أهلنا في غزَّة وفي كل مكانٍ يُذكر فيه اسمُك يا الله، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
وصلِّ إلهي وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.