248-القلب السليم
248-القلب السليم
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الأحباب: لرُبما شَعرَ أحدُنا يوماً بألمٍ في صدره، أو ضيقٍ في نَفَسِه، أو بتسارع نبضات قلبه، فسارعَ إلى طبيب القلب لإجراء الفحص، وكم تكون سعادته غامرةً عندما تخرُج نتائج الفحوصات فيقول له الطبيب: اطمئن قلبكُ سليم. |
| هل شعرت يوماً بشكٍّ قد تسلَّل إلى قلبك؟ |
| هل أحسَّست يوماً بأنَّ قلبك مُتعلِّقٌ بالأسباب غافلٌ عن مُسبِّب الأسباب وربِّها؟ |
| هل تملَّكَت قلبك شهوةٌ فاستحكَمتْ فيه فصار ينقاد لها ويستسلم لندائها؟ |
| هل تسلَّلت إلى قلبك شُبهةٌ من الشُبهات سَمِعتها في الإعلام حتى كِدّتَ تُصدِّقها؟ |
| هل حملتَ في قلبك يوماً غِلَّاً على أخيك المؤمن؟ |
| إذاً أنت بحاجةٍ إلى طبيبٍ ودواء قبل فوات الأوان. |
أمراض القلب الجسدية تنتهي بالموت لكن أمراض قلب النفس تتسلَّل إلى قلوب الكثيرين:
| أيُّها الإخوة الكرام: أمراض القلب الجسدية، أمراض ذاك القلب، المضخة العجيبة التي خلقها الله في أجسادنا لتُمِدَّنا بالدماء طوال اليوم، هذه الأمراض مهما عظُمَت ومهما كانت خطيرةً، فإنَّ آثارها الصعبة تنتهي بموت الإنسان، لكن أمراض قلب النفس التي تتسلَّل إلى قلوب الكثيرين، وتُصيب الإنسان بالدَّاء، هذه الأمراض تبدأ آثارها في الدنيا ورُبما تمتد إلى أبد الآبدين، بل رُبما تَهوي بذاك المريض إلى نارٍ لا ينفَدُ عذابها. |
| فأيهما أخطر أمراض الجسد أم أمراض قلب النفس؟ الأمراض التي تنتهي بالموت أم الأمراض التي تستمر إلى أبد الآبدين؟ أفيكون اهتمامنا بعلاج مرضٍ مؤقت وهذا مطلوبٌ مهم، لكن أيكون اهتمامنا بعلاج مرضٍ مؤقت أعظم من اهتمامنا بعلاج مرضٍ مُستمر ذي نتائجَ كارثية؟! |
| أيُّها الكرام: ورد ذِكر القلب السليم في القرآن الكريم في موضعين اثنين، وكلاهما عند الحديث عن أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. |
| الموضِع الأول في دعاء إبراهيم: |
وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)(سورة الشعراء)
| والموضِع الثاني في الثناء على إبراهيم عليه السلام: |
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ(83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(84)(سورة الصافات)
صفات القلب السليم:
| ما القلب السليم؟ ما صفات القلب السليم؟ القلب السليم أيُّها الكرام فيه أربع صفاتٍ، كما قال أهل العِلم. |
| الصفة الأولى: أنه سَلِمَ من الآفات التي تُبعده عن خالقه، سَلِم من الأمراض. |
| والصفة الثانية: أنه سَلِمَ من الشهوات التي تُعارِض أمر الله تعالى. |
| والصفة الثالثة: أنه سَلِمَ من الشُبهات التي تتعارَض مع خبر الله تعالى. |
| والصفة الرابعة: أنه سَلِمَ من تحكيم غير شرع الله تعالى. |
| هي أربع صفاتٍ، سلامةٌ من الآفات، سلامةٌ من الشهوات، سلامةٌ من الشُبهات، وسلامةٌ من تحكيم غير شرع الله في حياة الإنسان. |
الصفة الأولى سَلِمَ من الآفات التي تُبعِد عن الله:
| الصفة الأولى: سَلِمَ من الآفات التي تُبعِد عن الله، ما هي الآفات التي تُصيب القلب؟ قلب النفس، لا أقول الذبحة الصدرية، ولا تضيُّق الشريان التاجي، ولا غير ذلك مما يُصيب قلب الجسد، أتحدَّث عن آفاتٍ تُصيب قلوبنا التي تُعرَض على ربِّنا، والتي سنأتي بها ربَّنا يوم القيامة. |
الآفة الأولى: الشِرك
| الآفة الأولى الشِرك، وهي أعظم الآفات، أن يكون في قلب الإنسان شِركٌ ولو كان خفيَّاً، الشِرك آفة، الحِقد، الحَسَد، حُب الدنيا حُبَّاً يُمكِّنُها من القلب، لا أقول حُبَّاً طبيعياً يتحكَّم الإنسان بدنياه، وإنما حُبَّاً يُمكِّن الدنيا في قلب الإنسان، فتستعبده وتقوده وتتحكَّم به وتهوي به في المهاوي، حُب الدنيا بهذا المعنى آفةٌ من آفات القلب، سَلِمَ من الشُح. |
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9)(سورة الحشر)
| سَلِمَ من الكِبر، سَلِمَ من العُجب أن يُعجَب بعمله، سَلِمَ من الرياء، هذه آفاتٌ تدخُل في القلب، والقلب السليم يجب أن يسلَم منها كلها، أعظم آفةٍ تُصيب القلب هي الشِرك بنوعيه الجلي والخفي، الأكبر والأصغر. |
| أمّا الجلي الأكبر، عبادة الأصنام، عبادة غير الله تعالى، وهذا هو المُخرِج من المِلَّة، وهذا قلوبنا سليمةٌ معافاةٌ منه ولله الحمد، لكن الشِرك الخفي كثيراً ما يتسلَّل إلى القلوب، في الحديث الصحيح: |
{ خرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحن نتذاكر المسيحَ الدجَّالَ فقال: ألا أُخبِركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجالِ؟ فقلنا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الشركُ الخفيُّ، أن يقوم الرجُل فيصلي فيزيدُ صلاتَه، لما يرى من نظرِ رجلٍ }
(أخرجه ابن ماجه والحاكم وأحمد)
| هذه الفتنة الخطيرة العظيمة نتذاكرها، (فقال: ألا أُخبِركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجَّالِ؟ فقلنا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الشركُ الخفيُّ) ثم ذَكرَ صلى الله عليه وسلم مثالاً عن ذاك الشِرك الخفي فقال: (أن يقوم الرجُل فيصلي فيزيدُ صلاتَه، لما يرى من نظرِ رجلٍ) يُراقِب الناس، يُريد رضا الناس ويترُك رضا مولاه، هذا شِركٌ خفي حَذَّرَ منه المُصطفى صلى الله عليه وسلم، وخاف على أُمته منه أكثر من خوفه من المسيح الدجَّال. |
القلب السليم سَلِمَ من البغضاء للمؤمنين وسوء الظن بهم
| أيُّها الإخوة الكرام: القلب السليم سَلِمَ من البغضاء للمؤمنين، سَلِمَ من سوء الظنّ بالمؤمنين، كل هذه أمراضٌ تفتِك بالقلب فتُمرضه ثم تُميته، سَلِمَ من الغِلّ والحِقد، فلا يحمِل المؤمن في قلبه غِلّاً أو حِقداً على أحدٍ من المؤمنين، قد يختلف معه، قد يُزعجه تصرفه، لكنه لا يحمِل في قلبه الغِلّ أو الحِقد على مؤمنٍ، وهذا ما يُسمّى سلامة الصدر. |
| قال سفيان بن حسين: <<ذكرتُ رجُلاً بسوءٍ عند إياس - وإياس تابعيٌ جليل، إياس بن معاوية - فذكرته بسوءٍ عند إياس قاضي البصرة، فنظَر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: أفسَلِمَ منك الروم والهند والسند ولم يسلَم منك أخوك المُسلِم! قال سفيان: لم أعُد بعدها>>. |
| أي لم أعُد بعدها للحديث عن مُسلمٍ بسوء، هذه سلامة الصدر، هذا هو القلب السليم الذي ليس فيه آفةٌ تُبعِد عن الله تعالى. |

