تحمُّل المسؤولية - اللقاء الثاني

  • محاضرة بعنوان
  • 2025-12-22
  • الأردن - عمان

تحمُّل المسؤولية - اللقاء الثاني

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيُّها الإخوة الكرام: في اللقاء السابق تحدَّثنا عن قيمةٍ من القيَم المهمة في حياة الإنسان، وهي قيمة تحمُّل المسؤولية، لأنَّ كثيراً من المشكلات في القيَم تنبُع من عدم تحمُّل المسؤولية، بينما تحمُّل المسؤولية يؤدّي إلى الكثير من مكارم الأخلاق، وقلنا مثلاً إنَّ الصادق هو رجُلٌ يتحمَّل المسؤولية، الأمين هو رجُلٌ يتحمَّل المسؤولية، الوفي هو رجُلٌ يتحمَّل المسؤولية، فالأصل في معظم المكارم هو تحمُّل المسؤولية، أن يتحمَّل الإنسان مسؤولية كلمته، أن يتحمَّل مسؤولية فعله، أن يتحمَّل مسؤولية نفسه، أن يتحمَّل مسؤولية الآخرين إلى غير ذلك، لكن وصلنا إلى نقطةٍ مهمة وهي كيف نتحمَّل المسؤولية، أو كيف نُربّي جيلاً يتحمَّل المسؤولية، هذه النقطة المهمة في الموضوع.

عدم تحمُّل المسؤولية ينبُع من شيئين:
وقلنا إنَّ عدم تحمُّل المسؤولية ينبُع من شيئين اثنين:
الشيء الأول: أنا ضعيفٌ فأنا لا أتحمَّل المسؤولية، الشعور الدائم بالضَعف الموجود عند الجيل يجعله لا يتحمَّل المسؤولية، يقول لك: أنا سأقوم بهذا الموضوع؟ أنا وحدي سأفعل؟ّ! أنا أستطيع أن أعمل شيئاً لهذه الأُمة؟! أنا أستطيع أن أُغيِّر شيئاً؟ أنا لا أستطيع فهو ضعيف.
والحالة الثانية: التي تدفع الإنسان إلى عدم تحمُّل المسؤولية هي عكس هذه وهي تضخُّم الذات، الكِبر، يعني أنا لا أُخطئ، أنا بمرتبةٍ عليّة بحيث لا أُخطئ، فبالتالي أنا لا أتحمَّل مسؤولية عملٍ لأن كل أعمالي صحيحة، فهو لا يعترف بخطئه فلا يتحمَّل مسؤولية أي عملٍ يعمله، وفي الحالتين النتيجة واحدة وهي عدم تحمُّل المسؤولية.
وضربنا مثالاً مُهمِّاً وهو أول معصيتين عُصيَّ الله تعالى بهما في الأرض، معصية آدم وزوجه ومعصية إبليس.
معصية آدم وزوجه: سارعا إلى تحمُّل المسؤولية:

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)
(سورة الأعراف)

ما قال آدم ولا قالت زوجه نحن كنّا مُكرهين، كنّا تحت ضغط الإغراء، إبليس هو الذي وسوس، نحن أول مخلوقَين في الأرض لا عِلم لنا بمسالك إبليس، نحن لنا قصدٌ إيجابيٌ كبير وهو أن نكون مَلَكين، أو نكون من الخالدين، ففعلنا ذلك بقصدٍ إيجابي يُخفِّف عنّا الجريمة، أبداً (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا).
بينما إبليس لم يتحمَّل المسؤولية ألقى بها مباشرةً على آدم قال:

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12)
(سورة الأعراف)

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62)
(سورة الإسراء)

المشكلة عنده وليست عندي (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) ثم زاد الطين بِلَّةً لمّا حمَّل المسؤولية لربِّه قال:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)
(سورة الحجر)

أنت أغويتني يا ربّ، أنا لست غاوياً، كما يفعل اليوم بعض الناس تقول له: لماذا لا تُصلّي؟ فبدلاً من أن يتحمَّل المسؤولية ويقول لك: أنا مُقصِّرٌ ويجب أن أسعى، ويجب أن أُغيِّر، يقول لك: الله لم يأذَن لي بالصلاة، عندما يأذَن أُصلّي، فهو لا يريد أن يتحمَّل مسؤولية ترك الصلاة.
فاليوم عندما نتحدث عن المسؤولية وكيف نتحمَّل المسؤولية أولاً المسؤولية على أنواع، المسؤولية ثلاث أنواع:

أنواع المسؤولية:
مسؤوليةٌ ذاتية تتعلق بداخل الإنسان، ومسؤوليةٌ مع الله، ومسؤوليةٌ مع الآخرين، هذه الأنواع الثلاثة.

أولاً مسؤولية الإنسان تجاه نفسه أن يُزكيّها ويحملها على الطاعة:
المسؤولية الذاتية يُمثِّلها قوله تعالى:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)
(سورة الأحزاب)

ما هي الأمانة التي عَرَضَها الله على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها؟ يعني بأرجح التفاسير هي نفسه التي بين جَنبَيه، يعني ملَّكه الله تعالى إدارة نفسه، قال له: تحمَّل مسؤوليتك، الملائكة لا يتحمَّلون مسؤولية أعمالهم، لأنهم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)
(سورة التحريم)

فبالتالي هُم مبرمجون على الطاعة.
المخلوقات الأُخرى غير الإنس والجن من الحيوان وغيره، لا تتحمَّل مسؤولية أعمالها، ولن تقف للحساب يوم القيامة إلا بقدر ما ورد في الأحاديث:

{ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّ الأديمُ وحُشِرَ الدَّوابُّ والبهائمُ والوحشُ ثم يحصلُ القِصاصُ بين الدوابِّ يُقتصُّ للشاةِ الجمَّاء من الشاةِ القرناءِ نطحَتْها فإذا فُرِغَ من القِصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تُرابًا قال فعند ذلك يقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَابًا }

(أخرجه الطبري وابن أبي الدنيا في الأهوال والحاكم)

لأنها بالأصل لم تُعطَ أداة التكليف، فلا تتحمَّل مسؤولية أعمالها، لا يُقال للنمر لماذا قتلت الحَمَل؟! هو يتغذى عليه، هي لها طبيعةٌ أُخرى، لكن الإنسان حُمِّل إدارة نفسه، يعني أنت زكِّها أو دسِّها.

قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(10)
(سورة الشمس)

فقيل له أنت تصرَّف، أنت تحمَّل المسؤولية (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا) نحن لا نستطيع حملها (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) حمل مسؤولية إدارة نفسه، أنا آخُذ الأسباب المقومات من عقلٍ، من فطرةٍ سليمة، من واقعٍ، من شرعٍ، من كتابٍ، من سُنَّةٍ، من وقتٍ، يُعطيني الله من شهوةٍ أستطيع التحكُّم بها، إلى غير ذلك وأتحمَّل نتيجة أعمالي، تكليفٌ يقتضي المسؤولية.

لماذا كان الإنسان ظلوماً جهولاً؟
فقال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) لماذا كان ظلوماً جهولاً؟ كان ظلوماً لنفسه لأنه حمَّلها شيئاً لا تُطيقه، وكان جهولاً لأنه جهِل حجم الأمانة، ظنّها شيئاً يسيراً، هذا الإنسان وليس المؤمن، الإنسان في القرآن إذا ورد لا يُمدَح، هو قبل الإيمان، لكن المؤمن يُمدَح، لأنه لمّا حملها لم يكن ظلوماً جهولاً، بالعكس كان عادلاً عليماً، يعرف ماذا يفعل.
إذا قال أبٌ لأبنائه: عندي لكم عرض، أنتم عشرة أولاد، العرض الذي عندي أن من يأتيني بشهادة دكتوراه في الاختصاص المُعيَّن هذا، من أجل إدارة المعمل في المستقبل، فهذا أتحمَّل كافة تكاليفه من سفرٍ، وإقامةٍ في فرنسا، وعودةٍ إلى الديار، ومصروف شهري كبير جداً، كل شيء أُعطيه إيّاه، لكن بشرط أن يتحمَّل المسؤولية، تسعة أولاد قالوا لا نريدها، نحن لا نستطيع حملها، قام العاشر قال: أنا لها يا أبي، وفعلاً ذهب وأمضى ست سنوات يدرس ليلاً ونهاراً، ورجع بشهادةٍ مهمة ليُدير معمل أبيه، فهو هل كان ظلوماً جهولاً؟ لا والله، لكن لو أنه قال: أنا لها ثم ذهب وجعل يتنزَّه في متنزَّهات باريس، ويَسمُر بعد العشاء ولم يدرُس، ورجع بخُفي حُنين فعاقبه والده وجعله مستخدماً في المعمل، كان ظلوماً جهولاً، فالظلوم الجهول لأنه لم يُدرك حجم الأمانة.
قلت له: هذه الحقيبة فيها مئة كيلو غرام هل تستطيع أن تحملها؟ فقال لك: طبعاً أنا من أحملها، فحملها وتألَّم ظهره وقال: لا أستطيع، قُل له: أنت ظلومٌ جهول، ظلومٌ لأنك ظلمت نفسك وأذيتها أنت لا تستطيع حملها، وجهولٌ لأنك لا تعرف ما معنى مئة كيلو وظننتها سهلة، فكان ظلوماً جهولاً لأنه لم يدرك حجم الأمانة، الإنسان الذي لم يدرك أمّا المؤمن شيءٌ آخر.
قال تعالى عمَّن حُمِّلوا المسؤولية ثم لم يحملوها، قال:

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)
(سورة الجمعة)

وصفٌ عجيبٌ ومُحكَم، أنت الآن ائتِ بحمارٍ - أجلَّكم الله - وضَع فوقه كتاباً من ألف صفحةٍ، فيه خلاصة ما توصل إليه العِلم الحديث في الفَلَك، ودعه يمشي هل يستفيد منه شيئاً؟ لن يستفيد لأنه حُمِّل لكن لم يحمِل، فمَن قال لهم الله: هل تحملوا أمانة التوراة؟ قالوا: نحن نحملها، يعني نأخذها بقوةٍ، ونذكُر ما فيها، ونُعِدُّ أنفسنا لأجلها، ونُحارب من أجلها، وندافع عنها، ثم لمّا حُمِّلوا الأمانة لم يحملوها، قال: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا).
فمسؤولية الإنسان تُجاه نفسه، تُجاه ذاته أن يُزكّيها، أن يحملها على الطاعة، أن يملأها بمكارم الأقوال والأفعال، تزكية النفس مسؤولية، أمّا أن يتركها هملاً، تتنسَّى النفس، أي تتدنَّس بالشُبهات، والشهوات، فيكون عديم المسؤولية لأنه لم يحمل مسؤولية نفسه.

ثانياً المسؤولية تجاه الخالق هي أن تؤدّي واجب العبودية:
المسؤولية تجاه الخالق جلَّ جلاله هي أن نؤدّي واجب العبودية لله، هناك واجبٌ علينا هو واجب العبودية.
انظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يتحمَّل المسؤولية تُجاه ربّه، تقول عائشة رضي الله عنها:

{ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ }

(صحيح البخاري)

انظروا كيف حمل المسؤولية صلى الله عليه وسلم، أنا مسؤول، عندي مسؤولية أمام خالقي، مغفرة الذنوب شيءٌ آخر، نحن نقف بين يدي الله نرجوه أن يغفر ذنبنا، وأن يتجاوز عنّا، النبي صلى الله عليه وسلم لماذا يقف بين يدي الله وقد غفر الله له؟ قال: (أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا) أُحب أن أكون عبد، أن أؤدّي واجب العبودية بين يدي الله تعالى، هذه مسؤولية، تحمُّل المسؤولية.

ثالثاً المسؤولية تُجاه الآخرين:
المسؤولية تُجاه الآخرين تبدأ من الوالدَين، الإنسان عنده مسؤوليةٌ تُجاه والده ووالدته، في حياتهما بالبِر، وبعد موتهما بالدعاء والاستغفار لهما، والصدقة عنهما، وطلب المغفرة لهما، تمتد مسؤوليته مع والديه.
ثم تأتي إلى الأُسرة الصغيرة الزوجة والأولاد هناك مسؤولية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) يعظهم، يُذكِّرهم بالله، ينهاهُم عن المُنكر، يأمرهم بالمعروف (قُوا أَنفُسَكُمْ) المسؤولية الذاتية (وَأَهْلِيكُمْ) المسؤولية تُجاه الآخرين، ثم تمتد إلى كل شيء، هناك مسؤوليةٌ تُجاه صديقك، تُجاه شريكك في العمل، تُجاه الناس جميعاً، تُجاه أهلك، إلى آخره...
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في المسؤولية الجماعية:

{ كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ. }

(أخرجه البخاري ومسلم)

لا يوجد إنسانٌ ليس لديه رعيّة (كُلُّكُمْ) يعني أقل رعيّة إذا عاش وحده فإن رعيَّته هي نفسه التي بين جنبيه، فإذا كان له والدٌ ووالدة فهو رعيَّته والده ووالدته، إذا له أُسرة امتدت رعيَّته، إذا كان مُعلِّماً أصبحت رعيَّته الطلاب، محامٍ أصبحت رعيَّته المراجعين، طبيب أصبحت رعيَّته المرضى الذين يأتون إليه (كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ) امرأة رعيَّتها بيتها، زوجها، أولادها، أن تتبعل لزوجها وأن تُحسِن تربية أولادها وهكذا، فهذه المسؤولية المُجتمعية تُجاه الآخرين.

نماذج لتحمُّل المسؤولية عند الصحابة رضي الله عنهم:
الآن كيف نتحمَّل هذه المسؤوليات؟ انظروا أولاً إلى نماذجٍ لأنَّ القصص والنماذج توضِّح كيف تحمَّل بعض الصحب والسلف المسؤولية.
هذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، منذ اللحظة الأولى لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف ليتحمَّل المسؤولية، الناس في هرجٍ ومرج، سيدنا عُمر أمسك سيفه: "من قال إنَّ محمداَ قد مات قطعت رأسه".
سيدنا أبو بكر في هذه اللحظة وقف ليتحمَّل المسؤولية:

{ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مات وأبو بكرٍ بِالسُّنْحِ، فجاء أبو بكرٍ، فكشف عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقَبَّلَهُ قال: بأبي أنتَ وأمي، طِبْتَ حيًّا وميتًا، ثم خرج، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، وقال: ألا من كان يعبدُ محمدًا، فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ اللهَ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ، وقال:{ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قولِهِ {الشَّاكِرِينَ} قال: فنشجَ الناسُ يبكونَ، قال: واجتمعتِ الأنصارُ إلى سعدِ بنِ عبادةَ في سقيفةِ بني ساعدةَ، فقالوا: مِنَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، فذهب إليهم أبو بكرٍ، وعمرُ بنُ الخطابِ، وأبو عبيدةَ بنُ الجراحِ، فذهب عمرُ يتكلَّمُ، فأسكتَهُ أبو بكرٍ، ثم تكلَّمَ أبو بكرٍ فتكلَّمَ أبلغُ الناسِ، فقال في كلامِهِ: نحنُ الأمراءُ وأنتمُ الوزراءُ، فبَايِعُوا عمرَ وأبا عبيدةَ، فقال عمرُ: بل نُبَايِعُكَ أنتَ، فأنتَ سيدنا وخيرنا وأَحَبُّنَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخذ عمرُ بيدِهِ، فبايَعَهُ، وبايَعَهُ الناسُ }

(أخرجه البخاري والبيهقي في الاعتقاد وابن سعد في الطبقات الكبرى)

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144)
(سورة أل عمران)

فهدأ الناس، قال عُمر رضي الله عنه: "والله كأني أسمع هذه الآية للمرة الأولى"، هدأ الناس، جهَّز للدفن، تولَّى الخلافة، نهض بالأُمة، تحمَّل المسؤولية من اللحظة الأولى.
لمّا امتنع بعض العرب عن دفع الزكاة، فيما يُعرَف تاريخياً باسم حروب الردَّة، وأنا أُسمّيها امتناعٌ عن دفع مستحقات الدولة أكثر منها حروب ردَّة، أكثرهم قال: لا ندفع الزكاة، الزكاة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله مات ونحن لن ندفع، أي تمرُّدٌ على حقوق بيت المال، هذا الذي حصل، سيدنا أبو بكر الذي نعرفه كان يقف في الصلاة فيبكي فلا يستبين الناس كلامه من شدّة بكائه وهو يُصلّي، هذا الذي نعرفه، الرجُل الأسيف، الرقيق، هذا أبو بكر، لكن مواقفه تُبيِّن شخصيته المتوازنة العجيبة.
أنت قد تقول: هو الآن الذي سيقف ويقاتلهم من أجل الزكاة؟! لا يدفعوا وانتهى، الآن نفاوضهم لكي يُصلّوا فقط، لكنه وقف وقال:

{ عن عمر ذُكرَ عندَهُ أبو بَكرٍ فبَكى، وقالَ : وددتُ أنَّ عمَلي كلَّهُ مثلُ عملِهِ يومًا واحدًا من أيَّامِهِ وليلةً واحدةً مِن لياليهِ أم ليلتُهُ فليلةٌ سارَ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ إلى الغار فلمَّا انتهَيا إليْهِ قالَ: واللَّهِ لا تدخلُهُ حتَّى أدخلَ قبلَكَ فإن كانَ فيهِ شيءٌ أصابَني دونَكَ فدخلَ فَكسحَهُ ووجدَ في جانبِهِ ثقبًا فشقَّ إزاره وسدَّها بِهِ وبقي منْها اثنان فألقَمهُما رجليْهِ ثمَّ قالَ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ادخُل فدخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ووضعَ رأسه في حِجرِهِ ونامَ فلُدِغَ أبو بَكرٍ في رجلِهِ منَ الجحر ولم يتحرَّك مخافةَ أن ينتبِهَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فسقَطت دموعُهُ على وجْهُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: مالك يا أبا بَكرٍ؟ قالَ: لُدِغتُ فداكَ أبي وأمِّي فتفلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فذَهبَ ما يجدُهُ ثمَّ انتقضَ عليْهِ وَكانَ سببَ موتِهِ وأمَّا يومُهُ فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ارتدَّتِ العربُ وقالوا: لا نؤدِّي زَكاةً، فقالَ: لو مَنعوني عقالًا لجاهدتُهم عليْهِ، فقلتُ: يا خَليفةُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ تألَّفِ النَّاسَ وارفُق بِهم، فقالَ لي:أجبَّارٌ في الجاهليَّةِ وخوَّارٌ في الإسلام؟ إنَّهُ قدِ انقطعَ الوحيُ وتمَّ الدِّينُ أينقصُ وأنا حيٌّ؟ }

(أخرجه البيهقي في دلائل النبوة واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد وابن بشران في فوائده)

انظُر للمسؤولية، انظُر لسيدنا أبو بكر كيف يحمل المسؤولية، سينقص الدين بعد أن اكتمل الوحي وصلاة وزكاة:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)
(سورة المائدة)

هل سأرجع إلى الوراء وأنا حيّ؟ لا والله، قاتَل المُرتدّين، أعاد وبسَط ما يُسمّى اليوم بهيبة الدولة الإسلامية على جميع المناطق، وتأدية حقوق الدولة، وبيت مال المسلمين، إذاً تحمَّل المسؤولية.

أنت على ثُغرةٍ من ثُغر هذا الدين فلا يؤتيَنَّ من قِبَلك:
كلمة (أينقص وأنا حيٌّ؟) تُذكِّرنا بقول السَلَف: "أنت على ثُغرةٍ من ثُغر هذا الدين فلا يؤتيَنَّ من قِبَلك"، يا حاج أبو فُلان أنت على ثُغرةٍ من ثُغر الدين، تُصلّي في الصف الأول في المسجد وتخرج لتغُشّ الناس بالسوق! الثُغرة التي أنت مرابطٌ عليها قد فتحت فيها ثلمٌ عريض، لأنه سيأتي الناس وتقول لأحدهم لِمَ لا تُصلّي؟ فيقول لك: رأينا الذين يُصلّوا، رأينا الحاج أبو فلان كيف يُصلّي في الصف الأول ثم يغُشّ الناس، خرقت الثُلمة التي أنت عليها، فهذا ليس مبرراً لمن يقول، ولا يُعفيه من المسؤولية أمام الله، لكن أنت خرقت ثُغرةً في الدين.
المرأة المُحجَّبة المُلتزمة التي تغتاب المسلمات وتتحدَّث في الأعراض هي ثُلمةٌ في الدين، لأنَّ غير المُحجَّبة ستتخذها حُجَّةً في أنه انظُري كيف المرأة المُحجَّبة تفعل! فكلنا على ثُغرةٍ من ثُغر هذا الدين، أنت بمحلك التجاري، الطبيب في الطِب، لا ينبغي أن يؤتى الدين من قِبَلِك، أنت حارس تقف وممسكٌ بسيفك، لا أحد يتكلم عن دين الله وأنا موجود، لا أترُك لأحدٍ فرصةً أن ينال من دين الله، بسبب تصرُّفٍ سيءٍ منّي أنا (أينقص وأنا حيٌّ؟).
الآن نأتي إلى سيدنا عُمر الذي كان يقول له: ارفِق بالناس، لمّا جاء عام المجاعة كيف تحمَّل المسؤولية سيدنا عُمر رضي الله عنه؟ أكل الزيت، ثم أكل الشعير، تأتيه الهدايا فيوزعها، ثم يقول لبطنه: <<والله ليس لك عندنا أيُّها البطن غير هذا حتى يوسِّع الله على المسلمين>> صار بطنه يُصدِر أصواتاً من الجوع والشعير، ويقول: لن آكل الطعام والناس جوعى، تحمَّل المسؤولية، كان يقول: <<لو أنَّ جملاً هلك بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه>> مُتحملٌ للمسؤولية، أنا بموقع مسؤولية.
سيدنا ربعي بن عامر، لمّا أُرسل إلى رستُم قائد الفُرس قال له: <<نحن قومٌ ابتعثنا الله لنُخرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة>> تحمَّل المسؤولية.
سيدنا عُمر كان يقول: << والله لأن نِمتُ نهاري لأُضيعنَّ رعيَّتي، ولأن نِمتُ ليلي كله لأُضيعنَّ نفسي أمام ربّي>> عندي مسؤولية أمام نفسي، مسؤولية لربّي أن أقوم الليل، وعندي مسؤولية للرعيَّة في النهار، فأنا لا أستطيع أن أنام لا النهار كله ولا الليل كله، فكان ينام قليلاً رضي الله عنه، يشعُر بالمسؤولية.

{ وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: بعَثني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ أُحُدٍ أطلُبُ سعدَ بنَ الرَّبيعِ، فقال لي: إن رأَيْتَهُ فأقرِئْهُ منِّي السلامَ، وقُلْ له: يقولُ لك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كيف تجِدُك؟ قال: فجعَلْتُ أطوفُ بين القتلى، فأتَيْتُهُ وهو بآخِرِ رمَقٍ، وفيه سبعون ضَرْبةً، ما بين طَعْنةٍ برُمْحٍ، وضَرْبةٍ بسَيْفٍ، ورَمْيةٍ بسَهْمٍ، فقلتُ: يا سعدُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقرأُ عليك السلامَ، ويقولُ لك: أخبِرْني كيف تجِدُك؟ فقال: وعلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السلامُ، قُلْ له: يا رسولَ اللهِ، أجِدُ ريحَ الجنَّةِ، وقُلْ لقومي الأنصارِ: لا عُذْرَ لكم عند اللهِ إن خُلِص إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وفيكم عينٌ تَطرِفُ، وفاضت نفسُهُ مِن وقتِهِ }

(شعيب الأرناؤوط تخريج زاد المعاد)

حامل مسؤولية الدين، يشعُر أنه مسؤولٌ عن دين الله عزَّ وجل، وليست قضية أنه أنا واحدٌ من الناس لماذا تريد أن تُحمّلني ألا يوجد غيري؟ نعم لا يوجد غيرك، عند المسؤولية لا يوجد غيري، المسؤولية عندما تتعين عليَّ أنا، أقول: لا يوجد غيري، أنا الذي سأُعالج الموضوع، لأن المسؤولية تعيَّنت عليَّ.

أول ما يُتحمَّل به المسؤولية مُراقبة الله تعالى:
أحبابنا الكرام: أول ما يُتحمَّل به المسؤولية مُراقبة الله تعالى، أول بند في تحمُّل المسؤولية مراقبة الله، لن يتحمل المسؤولية شخصٌ لا يُراقب الله، قد يتحمَّل مسؤولية محدودة، أنت تمشي بسيارتك والإشارة حمراء تتحمَّل المسؤولية وتقف، لأنه يوجد كاميرا والمخالفة خمسون ديناراً، وسحب رُخصة، فتتحمَّل المسؤولية لأنه يوجد مراقبة، هذه مسؤولية قوانين السير يتحمَّلها الإنسان بقوانينٍ وضعية ومطلوبٌ ذلك، المسؤولية الكبرى أنَّ الإنسان يؤدِّب نفسه، يتعلَّق بخالقه، يُحسِن للناس بوجود الكاميرا وعدم وجودها، هذه المسؤولية لا تتحقق إلا برقابةٍ أعظم من رقابة القوانين، وأعظم من رقابة شرطي السير، تحتاج لتحمُّلٍ مختلفٍ للمسؤولية، وتحتاج لرقابةٍ مختلفة، هذه الرقابة الوحيدة التي يتحمَّل بها الإنسان كل مسؤولياته هي رقابة الله تعالى.
كان سهل بن عبد الله التستُري يقول: <<كنت أقوم في الليل فأنظُر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، فتُعجبني صلاته - يُصلّي في الليل يتحمَّل مسؤولية - فالتفت إليَّ يوماً وقال: يا سهل إذا تقلَّبت في الليل عند النوم فقُل في قلبك ثلاثاً: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، قال: فأصبحت أقولها، فلمّا كبرت قليلاً قال: قُلها سبع مراتٍ، ثم قال: قُلها إحدى عشرة مرة، الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، قال: فوجدت حلاوتها في قلبي، ثم قال: يا سهل، من كان الله معه، ناظراً إليه، شاهداً عليه، أيعصيه؟ قلت: لا، قال: إيّاك والمعصية>>، الرقابة، الشعور بالمراقبة هو أكثر ما يجعل الإنسان يتحمَّل المسؤولية.

ليس في ديننا دنيا ودين:
الأمر الثاني المهم جداً في قضية تحمُّل المسؤولية: أن لا نفصل بين دنيا ودين، اليوم هناك برامجٌ في التلفزيونات دنيا ودين، وكأنهما شيئان متقابلان، لم يرِد لا بالكتاب ولا بالسُنَّة ولا بالسَلَف أنَّ الأمر دينٌ ودنيا، لا يوجد دين ودنيا إنما هو دين، الدنيا دين، والدين دين، الدين هو الدنيا، يعني أنا عندما أُريد أن أُلقي القمامة بمكانها المُخصَّص وألّا أرميها على الأرض هذا دين، هذا ليس دنيا، إذا أردت أن أُفهِم الجيل أو أفهَم أنا بأنَّ هذا دنيا، هذا يعني أنَّ الدنيا ممكن أن نَخرِق قوانينها لا يوجد مشكلة، لا هذا دين.
لمّا أُريد أن أقول للطفل لا تفعل ذلك أقول له هذا حرام، إمّا حرامٌ أو حلال، لمّا أُكثر من أنه عيب فالعيب ليس دين، العيب يفهمه الطفل أنه دنيا، هو إمّا حلالٌ أو حرام، إمّا يُرضي ربُّنا أو لا يُرضي ربُّنا، طبعاً أحياناً يضطر الإنسان أن يقول هذا لسنا مُعتادين عليه، هذا من العيب أن نفعله، لا يتجرأ أن يقول عليه حرام، لكن ثقافة أنَّ العيب يُترَك، لا ليس العيب يُترَك بل الحرام يُترَك، يعني الفصل بين الدنيا والدين أورث حالة من عدم تحمُّل المسؤولية، وكأنَّ الدنيا لا أتحمَّل مسؤوليتها، أنا أتحمَّل مسؤولية الآخرة، لا الدنيا هي تحمُّل المسؤولية، يعني ابني عندما يُرتِّب سريره صباحاً هذا من الدين، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يُمشِّط شعره هذا من الدين.

{ أتانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم زائرًا في منزلِنا فرأى رجلًا شَعِثًا قد تفرَّقَ شعرُه فقال أما كان يَجِدُ هذا ما يُسَكِّنُ به شعرَه و رأى رجلًا آخرَ وعليه ثيابٌ وَسِخَةٌ فقال أما كان هذا يجدُ ماءً يغسلُ به ثوبَه }

(أخرجه النسائي وأحمد وأبو داوود)

يعني الأناقة من الدين، والرِقَّة من الدين، واللطف من الدين، والذوق من الدين، وأن لا أُطلِق بوق السيارة الساعة الثانية عشرة ليلاً وأوقظ الناس دين، هو كله دين، حركة الحياة هي حركة الدين، التديُّن الصحيح، فهذا أيضاً أمرٌ مهمٌ جداً.

إذا أردت أن يحمل ابنك المسؤولية فعليك أنت أن تُحمّله المسؤولية:
الأمر الآخر يقولون: إذا أردت أن يتحمَّل ابنك أو طالبك أو أي أحد مسؤوليةً فحمِّله المسؤولية، يقول لك: أنا ابني لا يتحمَّل المسؤولية، فتسأله أنت متى حمَّلته مسؤولية؟ فيقول لك: والله أخاف عليه، إذاً لن يتحمَّل المسؤولية، يعني أنت ولا مرة قلت له: هذا الأمر عندك يا بُنَي افعله من أوله لآخره، يقول لك: أنا لا أقدر أن أترك ابني وحده يفعل ذلك، يجب أن أكون معه، فإذاً لن يتحمَّل، يجب أن تُحمِّله ويغلَط وتُصحِّح له فيتحمَّل مسؤولية فقط، هذا باختصار.
تكليف، متابعة، تعزيز، أُكلِّفه بمهمة، ثم أُتابع تنفيذها إلى أين وصلت؟ وليس تدخُّلاً فقط إلى أين وصلت؟ ثم أُعزِّزه في النهاية أحسنت، هذا العمل الصحيح، ممتاز لكن لو فعلت هكذا لكان أفضل، ضمن الحدود المعقولة لشخصيته أنت أدرى، لكن لا تقول لا أُريد أن أُحمِّله مسؤولية، ثم بعد ذلك تلومه لماذا لم يحمِل المسؤولية؟ أنت لم تُحمِّله فهو لن يحمِل.
لأنَّ الإنسان دائماً يميل إلى منطقة الراحة، المنطقة المنزوعة الجُهد، لماذا لا يقوم إلى صلاة الفجر؟ لأنَّ منطقة الراحة سريره، حتى بعلوم النفس الحديثة يقولون: هو بمنطقة الراحة يتذكر الحالة الرحيمية عندما كان كل شيءٍ واصلٌ لعنده، الطفل إذا لم تفطمه أمه لا يُفطَم، سيبقى يرضع لأربع أو خمس سنوات لأنه مرتاح لا يمضَغ، ولا يهضم، ولا يأكل، الحليب شرابٌ سائغ، وهو سعيدٌ بذلك، فإذا لم تُحمِّله المسؤولية لن يحمِلها.
سيدنا أسامة بن زيد كان عمره سبع عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثةً إلى أرض الشام إلى البلقاء يُرعِب الروم، والجيش فيه سيدنا أبو بكر وسيدنا عُمر، وسيدنا أبو بكر تحمَّل المسؤولية وقال: لا أوقف بعثاً بعثه رسول الله، وأنفَذ البعث، وسيدنا أسامة كان على قدر المسؤولية كما يُقال، وذهب وأدّى المهمة وعاد، سيدنا أسامة إذا تتبَّعنا سيرته فنجد أنها ليست طفرةً تحمُّل المسؤولية، بل هي حالة لأنه كان يحمل المسؤولية فيحملها، فعندما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمَّل المسؤولية وكَّله بها، سيدنا رسول الله كان عنده خبرة بالرجال، لم يكن ليوكِّله لو لم يعرف أنه يتحمَّل المسؤولية، فحمَّله مسؤولية وأدَّاها.

دائرة الممكن تتسِّع بالأعمال لا بالآمال:
الأمر الآخر في تحمُّل المسؤولية يا كرام: دائرة الممكن تتسِّع بالأعمال لا بالآمال، يعني أن نتحرك ضمن دائرة الممكن، اليوم عندنا مشكلة من تلبيس إبليس على الناس، أنه يُزهِّد في دائرة الممكن، أنت تقول: ماذا أستطيع أن أفعل اليوم؟ مثلاً أستطيع أن أدفع صدقةً ديناراً لهذا الفقير، ممكن أن أُتقِن صلاتي، ممكن عندي بر الوالدين والدي موجود ممكن أن أذهب إليه كل يومٍ وأتفقده، عندي أُسرتي ممكن أن أُصلح علاقتي مع زوجتي وأكسب ودَّها إلى آخره.. فيعُدَّهم ويقول: كل ذلك ماذا يساوي؟ ولا شيء، هذا ضمن دائرة الممكن.
إذاً ماذا تريد أن تفعل؟ يقول لك: أُريد أن أُحرر الأقصى، طموحٌ جميل، لكن أنت اليوم ما هي دائرة الممكن عندك، التحرك ضمن الدائرة التي أنت قادرٌ عليها اليوم أو غداً، أمّا تلك تحرير الأقصى فتحتاج إلى إعدادٍ وعمل، وتحتاج إلى جيش، أمّا اليوم أنت ضمن دائرة الممكن هل تستطيع أن تتحرك؟ فيلبِّس عليه إبليس ويقول له: أنت لن تستطيع فعل شيء، ماذا ستفعل؟ مع أنه ممكن أن يكون ابنه الذي يُربّيه هو الذي سيُحرر الأقصى ولكنه لا يدري، لكن لا يريد أن يتحرك، ما عنده فكرة:

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(164)
(سورة الأعراف)

أي أنا سأقف بين يدي ربُّنا وسأقول له: أنا أدَّيت الذي عليّ يا ربّ، وتحركت ضمن دائرة الممكن، فلمّا تحرك ضمن دائرة الممكن توسَّعت دائرة الممكن بالأعمال وليس بالآمال، أمّا إذا بقي يقول بالآمال الدائرة تضيق لن تتوسَّع.
لذلك الشاب الذي يسألك متى اللحظة المناسبة لأبدأ؟ قُل له: اللحظة المناسبة لن تأتي، لا تعذب نفسك، يقول لك: أنا مُنتظرٌ اللحظة المناسبة، قُل له: اللحظة المثالية لن تأتي، الحياة ليس فيها لحظةٌ مثالية، فيها إنسان قرر يعمل وإنسان قرر ألّا يعمل، فأي شخص يقول لك: أنا انتظر اللحظة المثالية، بشِّره بأنها لن تأتي فلا تُرهِق نفسك بها، يجب أن تتحرك ضمن اللحظة غير المثالية.
حتى أنَّ هناك بعض الأمراض عند بعض الشباب يقول لك: أنا عاصٍ، أنا لا أستطيع أن أتحرك، هل سيقبَل الله منّي؟! أيضاً هذه من مداخل إبليس، أنا لا أستطيع ضبط بصري فماذا سأفعل للأُمة؟! لا تستطيع ضبط بصرك وإن شاء الله ستستطيع لكن لماذا لا تتحرك؟ هل يمنعك ذلك من حركةٍ؟ فما علاقة أن تتصدق بصدقةٍ إذا كنت لا تستطيع ضبط بصرك؟ فأيضاً المعصية أحياناً تُقعِد الإنسان عن العمل، فينتظر اللحظة المثالية يقول لك: عندما أتوب وتتحسن أموري سأتحرك، أمّا أنا الآن خجلٌ من ربّنا، هذا مثال، فاللحظة المثالية لا تأتي إلا أن نتحرك نحن من أجل أن نصل إليها، ودائرة الممكن تتسِّع بالأعمال لا بالآمال.
ربما تكون هذه ملامحٌ على طريق تحمُّل المسؤولية، هذا والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.