لا تأكلوا أموالكم بينكم
لا تأكلوا أموالكم بينكم
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
المال قِوام الحياة:
| وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: خُطبتُنا عن المال، والمال قِوام حياتنا، قال تعالى: |
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا(5)(سورة النساء)
| فبالمال تقوم حياة الناس، وتقوم مصالحهم في دينهم، وفي دُنياهم، وفي آخرتهم، لذلك قالوا: المال قِوام الحياة. |
| أيُّها الإخوة الكرام: بادئ ذي بدء أُريد أن أُجيب عن أسئلةٍ ثلاثة، تُلخِّص لمفهوم الإسلام عن المال، كيف ينظُر الإسلام إلى المال؟ من خلال أسئلةٍ ثلاث: |
أسئلةٌ ثلاثة تُلخِّص مفهوم الإسلام عن المال:
السؤال الأول: لمَن المال الذي بين يديك؟
| السؤال الأول: لمَن المال الذي بين يديك؟ هذا المال الذي هو في جيبك الآن، أو في بيتك، أو في حسابك، هو في الحقيقة لمَن؟ المال مال الله، هذه نظرة المُسلم لماله، قال تعالى: |
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(33)(سورة النور)
| فالمُسلم لا ينظُر على أنَّ ما يملِكهُ من مالٍ، سواءً كان مالاً نقدياً أو متاعاً، لا ينظُر على أنه مالكٌ حقيقيٌ للمال، ولكن المال مال الله تعالى، ويدُنا عليه هي يدُ استخلافٍ وأمانة وليست يدُ مُلك، قال تعالى: |
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)(سورة الحديد)
نحن مُستخلفون على المال لا نملِكهُ حقيقةً نملِكهُ مجازاً:
| فنحن مُستخلفون على المال، لا نملِكهُ حقيقةً نملِكهُ مجازاً، لكننا مُستخلفون فيه لنُنفِق منه في طاعة الله تعالى، قيل لأعرابيٍ وانظروا إلى فقه هذا الأعرابي، قيل لأعرابيٍ معه إبل << قالوا له: لمَن هذه الإبل؟ - والإبل مال- قال: هي لله في يدي>> هي لله لكنها الآن في يدي، لماذا نقول عند المُصيبة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؟ |
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)(سورة البقرة)
| لأنَّ المؤمن في لحظة المُصيبة، في أحوَج ما يكون عندما يفقِد بعض ماله، أو بعض صِحَّته، أو قريباً له، أو حبيباً إلى قلبه، هو في هذه اللحظة في أَمسّ الحاجة لأن يستحضِر معنى (إِنَّا لِلَّهِ) أنا لله فليفعل الله بي ما شاء، لأنني مُلكٌ له أنا لستُ مُلكاً لنفسي (إِنَّا لِلَّهِ) أي أنا وكل ما أملِكهُ لله تعالى. |
| أيُّها الإخوة الكرام: لو أنك بِعتَ داراً لرجُلٍ، وسلَّمكَ المال، وسجَّلتُم العقد، وأصبحت الدار التي كانت لك أصبحت له، بعد أيامٍ اتصلت به: يا أبا فُلان أرجوك الغُرفة الثالثة لا تستخدمها ممنوع، كيف لا أستخدمها؟! الدار داري وأنا حُر التصرُّف بها، بعد قليلٍ اتصلت به: يا أبا فُلان الغُرفة الثانية لا تستخدمها إلا للجلوس فقط ممنوع النوم فيها، كيف ذلك؟! فالمؤمن عندما يستحضِر أنه مُلكٌ لله، في لحظات المُصيبة وفي غيرها، إذاً أنا مالِكي هو الله فهو يتصرَّف كيف يشاء، وأنا راضٍ بتصرُّفه جلَّ جلاله، هذا معنى (إِنَّا لِلَّهِ). |
| أيُّها الإخوة الكرام: قالوا في بعض الحِكَم: "إذا أراد الله أن يُظهِر فضله عليك خَلَق ونسَبَ إليك" كيف؟ أنت أحياناً تُنفِق، يقولون: فُلان ما شاء الله مُحسنٌ كبير، يُنفِق في سبيل الله، في الحقيقة مَن الذي أحسَن؟ ومَن الذي أعطى؟ المُعطي جلَّ جلاله، لكنه خَلَق الفضل ونَسَبه إليك، ليُظهِر فضله عليك، فنحن في الحقيقة لا نُعطي، لأننا لا نُعطي من أموالنا وإنما نُعطي من مال الله الذي أعطانا، ثم يتفضَّل الله علينا فيُثيبُنا على هذا العطاء. |
المال لله ويدُنا عليه يدُ أمانةٍ وليست يدُ مُلك:
| أيُّها الإخوة الكرام: إذاً السؤال الأول لمَن المال؟ المال لله ويدُنا عليه يدُ أمانةٍ وليست يدُ مُلك، وفي لحظةٍ واحدة يتوقف القلب عن النبض، فينقُل الله تعالى هذا المال إلى الورثة مباشرة وفق قوانين الميراث، لذلك المؤمن لا يقول قبل موته: والله لا أُحب أن يرِث فُلان سأُسجِّل لفُلان، لأنه يعتقد أنَّ المال ليس له، وأنَّ الله سيوزِّعه كما يريد جلَّ جلاله، فلا يتصرَّف في ماله فيحرِم هذا ويُعطي هذا، لا يقول لا أُعطي البنات، ومَن أنت حتى لا تُعطي البنات؟ وهل هو مالُك حتى تتصرَّف به؟ هذا مال الله وهو قال لك عند وفاتك ينتقل المال: |
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(11)(سورة النساء)
| فليس لك أن تتدخل، فعندما نفقه أنَّ المال مال الله تختلف نظرتنا للمال، هذه النقطة الأولى. |
السؤال الثاني: هل المال نِعمةٌ أم نِقمة؟
| السؤال الثاني: هل المال نِعمةٌ أم نِقمة؟ إذا إنسان ربُّنا أعطاه مالاً هل هذا المال نِعمةٌ أم نِقمةٌ عليه والعياذ بالله، الجواب: |
| المال موقوفٌ على طريقة استخدامه، ابتداءً هو ليس نِعمةً ولا نِقمة، لكن عندما تستخدمه يظهَر إن كان نِعمةً أو نِقمة، إن كسبت من حلالٍ وأنفقت في حلالٍ، فالمال نِعمةٌ من نِعَم الله عليك، لأنك كسبته من الحلال وأنفقته في الحلال، أمّا إن كُسِبَ من حرامٍ أو أُنفِقَ في حرام، فهو من أعظم المصائب، والله من أعظم المصائب، يُصبِح المال عندما يُكسَب من حرامٍ أو يُنفَق في حرام، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه من أين اكتسَبَه؟ وفيمَ أنفَقَه؟ وعن جِسمِه فيمَ أبلاه؟ }
(أخرجه الترمذي والدارمي والبيهقي)
| كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو من أغنياء الصحابة، يقول: <<يا حبَّذا المال أصون به عِرضي وأُرضي به ربّي>> فَهِمَ حقيقة المال، هو نِعمةٌ عندما تصون به عِرضك، تُطعِم أهل بيتك وأولادك وعائلتك، ثم تتقرَّب به إلى الله بالإنفاق في وجوه الخير. |
السؤال الثالث: هل المال دليلٌ على محبة الله تعالى للعبد؟
| السؤال الثالث: هل المال دليلٌ على محبة الله تعالى للعبد؟ العوام لهم بعض الكلمات في هذا القبيل، ويعتقدون أنَّ مَن يُعطيه الله المال فإنه يُحبُّه، ليس كذلك، انظروا إلى قوله تعالى: |
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15)(سورة الفجر)
| هكذا فهمها، ربّي يُكرمُني، ربّي يُحبُّني، قال: |
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)(سورة الفجر)
| ضيَّق عليه في الرزق. |
كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ(17)(سورة الفجر)
| فَهمُكُم ليس صحيحاً، المال ليس العطاء فيه محبةً، وليس المنع منه كرهاً، أبداً، الإعطاء ابتلاء والمنع ابتلاء (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) فهو امتحانٌ في الحالتين، عند العطاء وعند المنع، لو كان الله يُعطي المال لمن يُحب لما أعطاه لمَن لا يُحب، أعطى الله تعالى المال لعبد الرحمن بن عوف وهو يُحبه، فهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه أعطاه لقارون وهو لا يُحبه، إذاً ليس مقياساً، فالمال ليس مقياساً على محبة الله تعالى للعبد أبداً، هذه الأسئلة الثلاث أجوبتها تُلخِّص أهم البنود في نظرة الإسلام للمال، أولاً المال مال الله، ثانياً المال ليس نِعمةً ولا نِقمة وإنما موقوفٌ على طريقة استخدامه، ثالثاً المال ليس مقياساً لمحبة الله لعبده. |
مال أخيك هو مالٌ لك من حيث وجوب المُحافظة عليه:
| الآن الله تعالى مالِك كل شيء كما قلنا، لأنه يملِك الأشياء خَلقاً وتصرُّفاً ومصيراً، أنت تملِك بيتك الآن هل أنت أنشأته؟ وغالباً لا، هل لك أن تتصرَّف به كما تشاء تصرُّفاً مُطلقاً؟ الجواب لا، هل تضمن أن يبقى مصيره إليك دائماً؟ الجواب بالتأكيد لا، في لحظةٍ واحدة يغدو للورثة، أمّا الله تعالى فيملِك الأشياء كلها خَلَقاً وتصرُّفاً ومصيراً، ثم رزقك المال، ثم ملَّككَ إيّاه مُلكاً مؤقتاً وسمّاه مالَكَ، قال هذا مالُكَ لكَ ملَّككَ إيّاه، بل سمّى مال أخيك مالاً لك، مالُ أخيك هو مالُك في المُصطلح القرآني، من زاويةٍ واحدة وهو أنه يجب أن تُحافظ عليه وكأنه مالُك، قال تعالى: |
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(188)(سورة البقرة)
| المُتبادَر إلى الذِهن أن يكون قول الله تعالى: ولا تأكلوا أموال إخوانكم بينكم، قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) لأنَّ مال أخيك هو مالٌ لك، وإضعافه إضعافٌ لك، وقوَّته قوَّةٌ لك، فمال أخيك مالٌ لك من حيث وجوب المُحافظة عليه، كقوله تعالى: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(11)(سورة الحجرات)
| وهل يلمِز الإنسان نفسه؟ يتحدَّث عن نفسه بسوءٍ؟ لكن عندما تلمِزُ أخاك المُسلم وتتحدَّث عنه بسوءٍ، فأنت في الحقيقة تلمِزُ نفسك، الاعتداء على الآخرين اعتداءٌ على ذاتك، يُشبه قوله تعالى: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(29)(سورة النساء)
| قتل الإنسان والعياذ بالله لأخيه كأنه يقتل نفسه. |
أكل المال بالباطل له صورٌ كثيرة:
| أيُّها الإخوة الكرام: أكل المال بالباطل له صورٌ لا يتَّسِع المقام لذكرها، إمّا أن يكون بطريق الغصب، و النَهب، والسرقة، والغش، والخِداع، والظُلم، وقطع الطريق، يظلِم أخاه ويأخُذ ماله عُنوةً، وقد يكون بطريق اللهو كالميسِر، يلعب القِمار والعياذ بالله، أو أُجرة المُغنّي، فهو يأكل مالاً بالباطل، أو يكون بطريق الرِشوة والخيانة والاحتكار، صور أكل المال الباطل كثيرة، أن يأكل الإنسان مال غيره بالباطل، انظروا إلى قوله تعالى: |
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ(36)(سورة محمد)
| الله تعالى مالِك المال، ومالِكُكَ، ومالِكُ كل شيء، يقول لك: أنا لا أسأُلك مالَك، المال لك، لن أسألك إيّاه، هو لك، قال: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ). |
إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ(37)(سورة محمد)
| يمتنِع الإنسان ويتشبَّث بالمال (وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) قال لك: أُريد منك رُبع العُشر والباقي لك، رُبع العُشر للفقراء والمساكين عندما تملِك النِصاب ويحول الحَول والباقي لك، لن أسألك إيّاه إلا أن تتطوَّع، إلا أن تتصدَّق، إلا أن تُحسِن، سأُرغِّبُك بالإنفاق لكن لن أسألك إيّاه إجباراً. |
| انظروا إلى المولى جلَّ جلاله كيف يحترم خصوصيتك في المال، وكأنه يقول لنا: يا عبادي أنا لا أسألك مالَك، فكيف يَحلُّ لكَ أن تأخُذ مال أخيك بغير طِيب نفسٍ منه؟! كيف يَحلُّ لك أن تعتدي على مال أخيك؟! |
ليس لك من مالِكَ إلا ما أكلته:
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول صلى الله عليه وسلم في خُطبة الوداع وهو يودِّع أصحابه، قال: |
{ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقالَ: ألَا تَدْرُونَ أيُّ يَومٍ هذا قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسْمِهِ، فَقالَ: أليسَ بيَومِ النَّحْرِ قُلْنَا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أيُّ بَلَدٍ هذا، أليسَتْ بالبَلْدَةِ الحَرَامِ قُلْنَا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فإنَّ دِمَاءَكُمْ، وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، وأَبْشَارَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألَا هلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّه رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَن هو أوْعَى له فَكانَ كَذلكَ، قالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ حُرِّقَ ابنُ الحَضْرَمِيِّ، حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بنُ قُدَامَةَ، قالَ: أشْرِفُوا علَى أبِي بَكْرَةَ، فَقالوا: هذا أبو بَكْرَةَ يَرَاكَ، قالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي عن أبِي بَكْرَةَ، أنَّه قالَ: لو دَخَلُوا عَلَيَّ ما بَهَشْتُ بقَصَبَةٍ }
(صحيح البخاري)
| لماذا قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم) ولم يقُل: لا تأخذوا أموالكم؟ مع أنَّ الأكل أحد وجوه الانتفاع، يعني الإنسان المال الذي في جيبه يأكل منه، ويُودِع في المصرِف منه، ويشتري جوالاً منه، ويشتري أثاثاً للبيت منه، لماذا ذكر الأكل قال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم) كأنَّ الله تعالى يُشير إلينا، أنه ليس لك من مالِكَ إلا ما أكلته والباقي كله زيادة، وهذا مصداقٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: |
{ أَتَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَهو يَقْرَأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}، قالَ: يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قالَ: وَهلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟! }
(صحيح مسلم)
| رصيدي في البنك، أموالي التي بين يدي (يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قالَ: وَهلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟!) هذه وجوه الانتفاع بالمال، والباقي رصيدٌ ستُحاسَب عليه دون أن تنتفع به، فكيف تقول مالي؟! |
| (وَهلْ لَكَ مِن مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ) هذه للدنيا، والثالثة للآخرة (أَوْ تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟!) يبقى أجرها، ويدوم أجرها إلى أبد الآبدين نعيماً في الجنَّة، والباقي؟ ليس لك، هو مُسجلٌ عليك وستُحاسَب عليه دون أن تنتفع به، فلماذا تُعلي صوتك وتقول: مالي مالي؟ لذلك قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم) المال للأكل، الباقي من مُتطلبات الحياة كلها زيادات. |
سيئات المُعاملات تُذهِب حسنات العبادات:
| أيُّها الإخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلم كان بين أصحابه فقال يوماً: |
{ أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ }
(صحيح مسلم)
| حدَّثوه عن إفلاسٍ مؤقَّت، وحدَّثهم صلى الله عليه وسلم عن إفلاسٍ دائم، حدَّثوه عن مفاليس أهل الدنيا، وحدَّثهم عن مفاليس يوم القيامة، حدَّثوه عن إفلاسٍ قد يأتي بعده غِنى ويستغني صاحبه، وحدَّثهم عن إفلاسٍ لا غِنى بعده، حدَّثوه عن إفلاسٍ رُبما لا يَضِرُّ بدين صاحبه، وحدَّثهم عن إفلاسٍ مصير المُفلِس فيه إلى النار، هذا هو الإفلاس الحقيقي، لذلك: سيئات المُعاملات تُذهِب حسنات العبادات، يأتي بصلاةٍ وزكاةٍ وصيام، وسيئاته في المُعاملات أذهبت حسناته في العبادات، فلينتبه الإنسان إلى مُعاملاته، لاسيما في المال. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: "لا يبيع في سوقنا هذا إلا من تفقَّه". |
| اليوم في الشركات يضعون مستشاراً إدارياً، مستشاراً قانونياً حتى لا يُخطئ في القانون فتذهب أمواله سُدىً، ومستشاراً إدارياً، ومستشاراً لتعيين الموظفين، وكل شيءٍ له مُستشار لكنه ينسى المُستشار الشرعي، أن يسأل من أهل العِلم من يقول له: هل هذا حلالٌ أم حرام؟ فيه رِبا أم ليس فيه رِبا؟ فيه غِشٌّ للمسلمين أم ليس فيه غِشّ؟ لا يُعيِّن مستشاراً شرعياً، يُعيِّن مستشاراً لكل شيء إلا أن يستشير الشرع في أمر دينه، وهو الأخطر والأهم، وهو الذي سيُدخِل صاحبه الجنَّة والنار شرع الله تعالى، ولا يسأل عنه للأسف. |
حُرمة المال العام:
| أيُّها الإخوة الكرام: ومن حُرمة المال حُرمة المال العام، التي لا ينتبه لها كثيرٌ من الناس، يقول لك: أنا لم أسرِق من فُلان، ما أخذت مال أحد، أنا أخذت من مال الدولة، أي أخذت من المال العام، عندما أخذت من فُلانٍ من الناس سيُحاجِجُكَ فلانٌ من الناس يوم القيامة، لكن عندما أخذت من المال العام الذي هو لجميع الناس، سيقف جميع الناس ليُحاجوك يوم القيامة، فالمال العام ليس مُباحاً، وليس ليأكل منه مَن شاء ما شاء، ويقول أنا لا آخُذ من مال الناس أنا أخذت من المال العام، المال العام لجميع الناس. |
| لذلك أيُّها الإخوة الكرام: شدَّد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسالة فقال: |
{ منِ استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رِزقًا فما أخذَ بعدَ ذلكَ فهوَ غُلولٌ }
(أخرجه أبو داوود)
| استعملناه وأعطيناه راتباً، ثم أصبح يأخذ بعد ذلك وفوقه من الناس فهو غلول. |
{ اسْتَعْمَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا مِنَ الأسْدِ، يُقَالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ، قالَ عَمْرٌو: وَابنُ أَبِي عُمَرَ، علَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: هذا لَكُمْ، وَهذا لِي، أُهْدِيَ لِي، قالَ: فَقَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، وَقالَ: ما بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فيَقولُ: هذا لَكُمْ، وَهذا أُهْدِيَ لِي، أَفلا قَعَدَ في بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ في بَيْتِ أُمِّهِ، حتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم منها شيئًا إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ، هلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ }
(صحيح مسلم)
| لو كنت في بيت أبيك وأمك هل كان الناس أهدَوك؟! أهدَوك لأنك عاملٌ على الصدقة، أهدَوك لأنهم يريدون منك شيئاً، أنت لم تفقه الحقيقة ظننت أنَّ المال لك (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم منها شيئًا) من أموال الزكاة والصدقات (إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ). |
| أهمية المال العام لا تقِلُّ عن أهمية المال الخاص يا كرام، فالمؤمن ينبغي أن ينتبه إلى أن لا يأكل من مال أخيه، ولا من مال إخوته، لا رِشوةً ولا بمُسمَّىً آخر أو هدية، واليوم أرجوكم من على هذا المنبر، أن نُعين الناس على العودة إلى ترك الرِشوة وترك المال الحرام، لأنَّ المواطن اليوم هو من يُعلِّم الموظف. |
عوِّدوا الناس على ترك الحرام:
| يعني كثيرٌ من شعبنا اعتاد أنه يريد أن يدفع المال، فالموظف إذا جاء طاهراً نظيفاً يريد أن يكتفي براتبه على قِلَّته، وأن يكتفي بالحلال عن الحرام، نحن من نُعلِّمه أن خُذ الحرام يجب أن تأخذ، وعندي نماذج من ذلك، شيءٌ منها والله مُضحِكٌ وطريف، لأنه لا بُدَّ أن يدفع، وكأنه لو لم يدفع يشعُر أنَّ شيئاً في داخله يُحركه ليدفع المال لأنه تعوَّد، عوِّدوا الناس اليوم على ترك الحرام، المال الحرام مرفوض، فليأخُذ من الحلال ما شاء، لكن الحرام مرفوض، حتى نُعين دولتنا بعد هذه العقول التي كان الفساد فيها مُمنهجاً، وكنّا نقول للناس أنت مُضطر الناس كلها هكذا، لن تمشي معاملتك من غير أن تدفع، ماذا أقول لك؟ الإثم عليه وليس عليك، كنّا نُبرِّر لأنه ما عندنا حلول، اليوم لم تنتهِ الرِشوة، موجودة، لكن اليوم أصبح لك صوتٌ أن تقول له لن أدفع، ورُبما أذهب إلى المدير وأشتكي، لن أدفع بهذه السهولة، حتى تستطيع أن تُعوِّد الناس على كسب المال الحلال وترك المال الحرام. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
قصة وعبرة:
| أيُّها الإخوة الكرام: لمّا حضرَت عمر بن عبد العزيز الوفاة، دخل عليه مَسلَمةُ بن عبد الملك وقال: <<إنك يا أمير المؤمنين قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال، فحبَّذا لو أوصيت بهم إليَّ أو إلى من تُفضِّله من أهل بيتك، قال عمر أجلسوني وكان على فراش الموت، فلمّا أجلسوه قال: قد سمعت مقالتك يا مَسلَمة، أمّا قولك قد فطمت أولادي عن هذا المال، فإني والله لم أمنعهم حقَّاً هو لهم، ولم أكُن لأُعطيهم شيئاً ليس لهم، أمّا قولك: لو أوصيت بهم إليَّ أو إلى مَن تُفضِّله من أهل بيتك، فإنَّ وصيِّي ووليِّي فيهم الله، الذي نزَّل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين، واعلَم يا مَسلَمة أنَّ أبنائي أحد رَجُلَين: إمّا صالحٌ فسيُغنِه الله من فضله، وإمّا طالحٌ مُكبٌ على المعاصي، فلن أكون أول من يُعينه على المعصية بالمال. |
| ثم قال: ادعوا لي أبنائي، فدعوهم فجلس بينهم وقال: بأبي فتيةٌ تركتهم عالةً لا مال لهم، والله إني تركت لكم ما هو خيرٌ لكم، إنكم لن تمرّوا بأحدٍ من المسلمين أو أهل ذمتهم، إلا رأوا لكم عليهم حقَّاً- الذِكر الحسَن والسُمعة الطيِّبة، هؤلاء أولاد عمر بن عبد العزيز- ثم قال: قوموا رحمكم الله، قوموا عصمكم الله، وترقّرَقَت عيناه بالدموع. |
| الآن جاءه مَسلَمة بما يُسمّى حيلةٌ شرعية، قال له: عندي ما هو خير، قال وما هو؟ قال أُعطيك ثلاثمئة ألف درهم من مالي، خُذها وفرِّقها بينهم قبل الموت، لا تتركهم بلا شيء، فقال له: أَوَلكَ خيرٌ من ذلك، قال وما هو؟ قال أن ترُدَّها إلى بيت مال المسلمين، مالٌ فيه شُبهةٌ لا آخذه فإنها لم تأتِكَ بحقّ، فبكى مَسلَمة وقال: رحمك الله يا عُمر، رحمك الله حيَّاً وميّتاً، فقد ألَنتَ منّا قلوباً قاسية، وذكّرتها وقد كانت ناسية، ثم أسلَم عُمر الروحَ إلى بارئه>>. |
| يقول كُتَّاب التاريخ: ثم تتبَّع الناس أخبار أبناء عُمر من بعده، فرأوا أنه ما احتاج أحدٌ منهم ولا افتقر، وصدَق الله تعالى جلَّ جلاله في كل ما يقوله جلَّ جلاله، قال تعالى: |
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(9)(سورة النساء)
الدعاء:
| اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطك والنار. |
| اللهم ارزقنا مالاً حلالاً طيِّباً يُعينُنا على طاعتك، اللهم اصرِف عنّا مالاً حراماً يُعينُنا على معصيتك. |
| اللهم إنّا نسألك من المال حلاله ونعوذ بك من حرامه يا أرحم الراحمين. |
| اللهم اغنِنا بفضلك عمَّن سواك، اللهم اغنِنا بالعِلم وجمِّلنا بالحِلم وأكرمنا بالتقوى، واجعل خير أعمالنا ما فيه رضاك، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا أنت حسبُنا عليك اتكالنا. |
| اللهم كُن لأهلنا في كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك، في غزَّة وفي فلسطين وفي السودان، في كل مكانٍ، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا. |
| ابسُط أمنك وأمانك في ربوع بلادنا، واصرِف عنها كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحسَد الحاسدين، ووفِّق القائمين على بلادنا لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيَّك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

