وكونوا مع الصادقين

  • خطبة جمعة
  • 2026-04-03
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

وكونوا مع الصادقين

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ:
وبعد أيُّها الإخوة الأكارم: دخل مؤمنٌ مُدخَل صدق، ثابتاً على الحقّ، مُلتزماً كتاب ربِّه وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، مُخلصاً لله تعالى في جميع أعماله، داوَم على هذه الحال، لم تستخِفَّه شهوة ولا شُبهة، ولم يعبَث بمبادئه دُعاة الفِتَن، ولم تغرُّه دُنيا زائلة، حتى خرَج من كل عملٍ، صادقاً ثابتاً كما دخل، مُستعيناً بربِّه ولسان حاله:

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا(80)
(سورة الإسراء)

خلَّد المولى ذِكره على ألسنة الخلق، على ألسنة شُهدائه في الأرض، وجعل له لسان صدقٍ في الآخرين.

وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(84)
(سورة الشعراء)

قدَّم عمله أمامه فسرَّهُ أن يقدُمَ على ربِّه.

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ(2)
(سورة يونس)

فكان أن استحقَّ جنَّة الخُلد

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ(55)
(سورة القمر)


خمسةٌ في كتاب الله:
ولن يستحق لسان صدقٍ، ولا قدَمَ صدقٍ، ولا مقعَد صدق، إلا مَن دخل مُدخَل صدقٍ وخرَج مُخرَج صدقٍ، هي خمسةٌ في كتاب الله، تدخُل مُدخَل صدقٍ، وتخرُج مُخرَج صدقٍ، فيكون لك لسان صدقٍ، ويكون لك قدَمُ صدقٍ، تَقدُم به على ربِّك، ثم يكون لك مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر.

أعظم الصدق أن تصدُق مع الله:
أيُّها الإخوة الكرام: كم دخل أُناسٌ في أقوالهم أو في أعمالهم، أو في مناصبهم أو في أحوالهم، دخلوا مُدخَل صدقٍ والنيَّةُ طيَّبة، والنيَّةُ ابتغاء وجه الله، والنيَّةُ خدمة عباد الله، ثم خرجوا بغير النيَّة التي دخلوا بها، أغرتهم الأموال والمناصب، أغراهم ثناء الناس عليهم، أغرتهم الدنيا بما فيها، فخرجوا كاذبين بعد أن دخلوا صادقين (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ).

{ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُكثرُ أن يقولَ: يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك فقلت يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بك وبما جئتَ به فهل تخافُ علينا؟ قال نعم إن القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ }

(أخرجه الترمذي وأحمد ابن ماجه)

أعظم الصدق أيُّها الكرام أن تصدُق مع الله، أعظم صدقٍ أن تكون صادقاً مع ربِّك، وكل ما بعده من أنواع الصدق تَبَعٌ له، فمن كان صادقاً مع ربِّه كان صادقاً مع نفسه، وصادقاً مع عباد الله تعالى، أعظم الصدق الصدق مع الله.

مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)
(سورة الأحزاب)

صادقون مع ربِّهم، صادقون في عهدهم مع الله، صادقون في الأمانة التي أوكلهم الله إيّاها، فلا ينقِضون ميثاق الله، ولا يتَّبِعون المعاصي والآثام والشهوات، صادقون مع الله، وهذا أعظم صدق الصدق مع الله.

قانونٌ لكل مؤمنٍ (إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ):

{ أنَّ رجلًا مِنَ الأعرابِ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فآمَنَ بِهِ واتَّبعَهُ وقالَ: أُهاجرُ معَكَ فأوصى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعضَ أصحابِهِ فلمَّا كانَت غزوةٌ، غنِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فيها أشياءَ، فقَسمَ وقسمَ لَهُ فأعطَى أصحابَهُ ما قَسَمَ لَهُ وَكانَ يرعى ظَهْرَهُم، فلمَّا جاءَ دفَعوا إليهِ فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسمَهُ لَكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخذَهُ فجاءَ بِهِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا مُحمَّدُ، ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما على هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أُرمَى هاهُنا وأشارَ إلى حلقِهِ بسَهْمٍ فأموتَ وأدخلَ الجنَّةَ، فقالَ: إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ فلبثوا قليلًا، ثمَّ نَهَضوا إلى العدوِّ، فأتى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُحمَلُ، قد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أَهوَ هوَ؟ قالوا: نعَم قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ وَكَفَّنَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في جُبَّةٍ، ثمَّ قدَّمَهُ فصلَّى عليهِ، فَكانَ مِمَّا ظَهَرَ مِن صلاتِهِ عليهِ: اللَّهمَّ إنَّ هذا عَبدُكَ، خرجَ مُهاجرًا في سبيلِكَ، فقُتلَ شَهيدًا، أَنا شَهيدٌ علَيهِ }

(أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بلفظه والنسائي والحاكم)

أعطاه شيئاً من الغنيمة، لم يكن حاضراً، فأعطى أصحابه شيئاً من الغنيمة هذه لفُلان الذي أوصيتكم به (وَكانَ يرعى ظَهْرَهُم) كان هذا الرجُل راعياً أخذ أغنامهم وخرَج بها، فلم يكن موجوداً، فأعطى حِصته لأصحابه اعطوا هذه لفُلان (فلمَّا جاءَ دفَعوا إليهِ فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسمَهُ لَكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) هذه حصتك (فأخذَهُ فجاءَ بِهِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا مُحمَّدُ، ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما على هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أُرمَى هاهُنا وأشارَ إلى حلقِهِ بسَهْمٍ فأموتَ وأدخلَ الجنَّةَ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ فلبثوا قليلًا، ثمَّ نَهَضوا إلى العدوِّ، فأتى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُحمَلُ، قد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أَهوَ هوَ؟) هذا الرجُل نفسه؟ (قالوا: نعَم قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ وَكَفَّنَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في جُبَّةٍ، ثمَّ قدَّمَهُ فصلَّى عليهِ، فَكانَ مِمَّا ظَهَرَ مِن صلاتِهِ عليهِ: اللَّهمَّ إنَّ هذا عَبدُكَ، خرجَ مُهاجرًا في سبيلِكَ، فقُتلَ شَهيدًا، أَنا شَهيدٌ علَيهِ).
قانونٌ لكل مؤمنٍ: (إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ).
عندما يقول لك شابٌّ: لا أستطيع أن أغُضَّ بصري عن الحرام، قُل له: (إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ) إن تكن صادقاً في إرادة الحلال، يَصدُقْكَ الله تعالى، عندما يقول لك عاصٍ: الفِتن مُستعرة ولا أستطيع، كيف أذهب بنفسي ضمن هذا المُجتمع السيّئ، قُل له: (إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ) مستحيل..
عندما يقول لك مُتكاسلٌ: صلاة الفجر صعبة، عملي مُتأخِّرٌ في الليل، أُحاول فلا أستطيع النهوض للصلاة، قُل له: (إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ) عندما تكون صادقاً مع الله في طلبٍ تُريده، في طاعته جلَّ جلاله، فإن الله يَصدُقْكَ ويُعينُك عليه.
أيُّها الإخوة الكرام:
قال تعالى:

قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(119)
(سورة المائدة)


بعد الصدق مع الله يأتي الصدق مع النفس:
بعد الصدق مع الله يأتي الصدق مع النفس، أن يصدُق الإنسان مع نفسه، فلا يُبرر لنفسه الأخطاء، ولا يُبرر التقصير، ولا يتعذَّر بالمُجتمع من حوله، ولا يخدع نفسه فتزيد في الآثام، يمكن للإنسان أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت، أو أن يخدع بعض الناس لكل الوقت، أو أن يخدع كل الناس لبعض الوقت، لكن أن يخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل، أمّا أن يخدع نفسه فهذا من سابع المُستحيلات.

بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ(15)
(سورة القيامة)

وجِّه أصابع اللوم دائماً إلى الداخل، قُل هذا من خطئي، أقول: هذا من نفسي، هذا من تقصيري، هذا من خطأٍ وقعت به، وجِّه أصابع اللوم إلى الداخل.

أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)
(سورة آل عمران)


كُن صادقاً الخطأ يبدأ من عند الإنسان:
كُن صادقاً (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ) الخطأ يبدأ من عند الإنسان، لا يُبرِّر الإنسان تقصيره، ولا يُبرِّر معصيته، وإنما يعترف بخطئه، فأول الإصلاح أن يكون الإنسان صادقاً مع ذاته، وبعد الصدق مع الذات يكون الصدق مع الناس، في الأقوال، وفي الأفعال، وفي النيَّات، الصدق يكون في القول، فيتحدَّث فلا يقول إلا صِدقاً، ويكون في الأفعال فيُتقِن عمله، ويأتي بعمله على الوجه الذي يرضي الله تعالى، يكون صادقاً في صلاته فيُتقِنُها، وصادقاً في صيامه فيُتقِنُه، فيحفظ لسانه ويحفظ عينه، الصدق في الأفعال، والصدق في النيَّات، فينوي النيَّة الطيَّبة والنيَّة الخيِّرَة في كل عملٍ يعمله، ويأتي الإنسان فيكون صادقاً مع أخيه الإنسان، في بيعه، في شرائه، في تعامله، قال صلى الله عليه وسلم عن البائع والمُشتري:

{ البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما }

(أخرجه البخاري ومسلم)

(فإن صَدَقا وبَيَّنا) لم يكتُم العيب، وضَّح له العيب الذي في البضاعة، فيكون صادقاً في بيعه وفي شرائه وفي تعامله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)
(سورة التوبة)


مَن يكون مع الصادقين يكون صادقاً ومَن يكون مع الكاذبين يُضحي بعد حينٍ كاذباً:
نحن اليوم أيُّها الكرام بحاجةٍ أن نكون مع الصادقين، لأنَّ مَن يكون مع الصادقين يكون صادقاً، ومَن يكون مع الكاذبين يُضحي بعد حينٍ كاذباً، فالمرء يتأثر بما حوله، نحن بحاجةٍ إلى حاضنةٍ إيمانية، إن قال لي شابٌ اليوم: لا أستطيع، أقول له: مَن حولك؟ مَن الشباب الذين حولك؟ مع مَن تسهر؟ مع مَن تجلس؟ أين تَسمُر؟ ما الحديث الذي تُديره؟ فبحسب مَن حولك تكون، لأنَّ الصاحب ساحب (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)
(سورة الكهف)

فأن تكون صادقاً فهذه ثمرةُ أنك جالسٌ مع صادقين مثلك، لا تجلس مع الكاذبين، ولا في مجلسٍ فيه زور، ولا في مجلسٍ فيه كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو بُهتان، فإنَّ الإنسان يتأثر بما حوله.

من صدق الإيمان أن يصدُق الإنسان في مشاعره:
أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ من صدق الإيمان أن يصدُق الإنسان في مشاعره، وأن يصدُق في علاقته مع الناس مِن حوله، بل في أي مكانٍ كانوا، إنَّ من صدق المشاعر والإيمان، ألّا تُنسينا جراحاتُنا، جِراح أسرانا في سجون الاحتلال الغاشِم، أكثر من عشرة آلاف أسير في سجون الصهاينة المُحتلين.

وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8)
(سورة البروج)

وقبل أيامٍ فقط، أقرَّ ما يُسمّى الكنيست الإسرائيلي، قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مع إعطاء الحصانة المُطلقة المدنية والجزائية لمُنفّذي هذا الحُكم، مع حظر إلغاء الحُكم أو تخفيفه، إعدامٌ بلا استئناف، إضافةً إلى عزل المحكومين في زنازين انفراديةٍ تحت الأرض، دون أي زياراتٍ حتى لحظة الصعود إلى حبل المشنقة، ليدوس العالَم المُتحضِّر الحُرّ كما يُسمّي نفسه، بحوافره على كذبة حقوق الإنسان، التي صدَّع رؤوسنا بها، وعلى كذبة اتفاقية جنيف لحقوق الأسرى، وليدوس بحوافره على كذبةٍ مسجلةٍ في ميثاق أُممه المُتحدة، بمشروعية أصحاب الأرض في الدفاع عن أرضهم، وفي مواجهة الغاصِب المُحتل لها.
وأمّا الأقصى مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، وأولى قِبلَتَينا، وثالث حَرمَينا، فما يزال مُغلقاً منذ أكثر من شهرٍ، لا يُسمح بدخوله أو بالصلاة فيه، ولسان حال أعدائنا:

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(15)
(سورة فصلت)


آن الأوان لأُمتنا أن تَعي حجم المخاطر التي تتهدَّدُها:
وقد غاب عنهم أنَّ الله تعالى أشدُّ منهم قوة، آن الأوان لأُمتنا أن تَعي حجم المخاطر التي تتهدَّدُها، وأن تُدرِك أنَّ المعارك الجانبية والخلافات البينية، إن كانت خطأً في الماضي فهي اليوم جريمةٌ لا تُغتفَر، وأنَّ الانشغال بغير أمر الأُمة وبغير رضا الله تعالى، وبغير توحيد الصف، وبغير توعية الجيل أنَّ أي انشغالٍ بعيدٍ عن هذا، فهو خطيئةٌ لا تُغتفَر
أيُّها الإخوة الكرام: أكثر ما يُطلَب منّا اليوم، الوعي بما حولنا وبما يُراد بنا، فإنَّ المعركة قادمةٌ مهما طال الوقت، ومنذ الأسبوع الأول بعد تحرير سورية من النظام البائد، قلت على هذا المنبر: لمّا تنتهي المعركة، لا تضعوا أسلحتكم، قصدت لا تضعوا أسلحتكم سلاح وحدة الصف، سلاح مواجهة العدو، سلاح الإعلام، سلاح العِلم، سلاح الدُعاء، سلاح البَذل، سلاح الصدقة، كلها أسلحة، فإنَّ المعركة قادمةٌ لا محالة، مهما طال الوقت.

الوعي أن نُدرِك الخطر الذي يتهدَّدُنا وأن لا ننجرَّ وراء العواطف:
أقصد بالوعي هُنا شيئين اثنين، الأول أن نُدرِك وأن يُدرِك أبناؤنا الخطر الذي يتهدَّدُنا، لأنَّ الوعي أساسٌ في نهضة الأُمم، والوعي الثاني أن لا ننجرَّ وراء العواطف، وراء الفوضى والعشوائيات عندما نُريد أن نتحرَّك، وإنما يكون التحرُّك مُنتظمَاً ليُحقِّق هدفه، فكم من حركةٍ طائشةٍ وعاطفية أعادت الأُمة إلى الوراء وإلى الوراء، فليس المقصود بالوعي هُنا، أن يعلَم الإنسان ما يُحاك له فيتحرَّك حركةً فرديةً عشوائيةً، والجميع يتربَّص بنا وبدولتنا الناشئة.

وعد الله قادمٌ لا محالة:
أيُّها الإخوة الكرام: نعلَم يقيناً أنَّ أكثر ما يستطيعون فعله مع الأسرى، أن يمنحوهم شرف الشهادة الذي عاشوا حياتهم من أجله، هذا أقصى ما يستطيعونه، فهُم عاشوا حياتهم ليموتوا في سبيل الله، وهذا ما يستطيع العدو أن يُقدِّمه لهُم فقط، ونعلَم أيضاً ويقيناً أنَّ وعد الله قادمٌ لا محالة، لأنَّ الله لا يُخلِف وعده، وأنَّ القدس ستعود إلى أهلها كما عادت دمشق إلى أهلها، ووعد الله لا ينقُضه ولا يُبطله شيء، وأهل القدس ليسوا المُرابطين في أكناف المسجد الأقصى فحسب، وإنما أهل القدس هو كل مسلمٍ، لأنَّ قضية القدس ليست قضيةً هامشيةً، وليست قضيةً ثانوية، وإنما هي قضية كل مسلمٍ، ولكن أخشى ما نخشاه أن نكون على حالٍ من الفُرقة والتنازُع لا يرضي ربَّنا، وأخشى ما نخشاه أن نقضي إليه جلَّ جلاله، وقد بدَّلنا أو غيَّرنا، ولم نثبُت على الطريق الذي ارتضاه لنا ديننا، فاللهم إنّا نسألك ثباتاً على الحقِّ حتى الممات، وشهادةً على أعتاب الأقصى فاتحين مُحرِّرين.
صمتاً أصِيخي واسمعي يا أَمّتي ما عُدت أصبر أن يموتَ بياني ما عـاد يحْوِيني سُكوتـي والبُكـا أنـا لسـتُ مَجْبُولاً على الـخُذلانِ أنـا مُسْلمٌ والمَـجدُ يقْـطُرُ كالنَّـدى والـعِــزُّ كُـلّ الـعــزِّ فـي إيـمـانـي أيــن الـذيـن تـشـدّقـوا بـعـروبــةٍ وجـنيـن تصفـعُ وجـهَ كـل جـبـانِ أيـن الـحـقـوق وقـد أُبـيـدتْ أمـةٌ وأنـا الـملامُ إذا صــرختُ كـفـانـي سَـل مـدّعِـي حـفظ الحـقـوق لهرَّةٍ هـــلْ هــرةٌ أولــى مــن الإنــسـان فـي كــل يــومٍ تُـستــبـاحُ مـديـنـةٌ أيــن الــذيــن تـهــزّهــم أحــزانــي كـلُّ الحـقـوقِ مُـصـانةٌ فـي عُـرْفِهِـم إلا حُـــقـــوقَــــكِ أمّــــةَ الـــقـــرآن إنــي وإن يـكـن الــبـكـاء نـقـيــصـةً أبـكــي لــحــالــك ســائــر الأزمــان
{ الدكتور يوسف القرضاوي }
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت أرحم الراحمين، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير.
اللهم إنّا نسألك لإخواننا فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم إنّا نسألك لإخواننا الأسرى في سجون الظالمين فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم أنزل السكينة والصبر على قلوبهم وثبِّتهم يا أكرم الأكرمين.
اللهم ثبِّت أُسرهم وعائلاتهم يا أرحم الراحمين، اللهم ثبِّتهم يا ربَّ العالمين.
اللهم إنّا نسألك أن تُفرِّج عن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن تُعلي راية الحقِّ والدين، وأن تنصُر الإسلام وتُعز المسلمين، وأن تُهيئ لهذه الأُمة أمر رُشد يُعَز فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل عصيانك، ويؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المُنكَر، وأن تجعل بلادنا وبلاد المسلمين أمناً سخاءً رخاءً وأن توفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة رسولك صلى الله عليه وسلم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله، والحمد لله ربِّ العالمين.