246-حلاوة التَرك
246-حلاوة التَرك
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الأكارم: لرُبما صلَّيت يوماً صلاةً مُتقنةً خاشعةً فذُقتَ حلاوتها في قلبك، ولرُبما دفعت يوماً مالاً تُساعِد به فقيراً فملأ الله قلبك سكينةً. |
| لعلَّك أصلحت يوماً بين مُتخاصِمَين فامتلأ فؤادك رضاً وسروراً بصلاح أمرهما، لكن هل ذُقتَ يوماً حلاوة الترك؟ أن تترُك شيئاً لله، أن تدَع شيئاً تُحبه وتشتهيه نفسُك، تدعه ابتغاء وجه الله وابتغاء رضوانه، تتركه في سبيله، فتجد حلاوة ذلك في قلبك، أن يُعرَض عليك مالٌ من حرامٍ فتتركه لله، أن تترُك علاقةً تُبعِدُك عن الله، أن تترُك كلمةً تكذِبُ بها لتَخرُج من موقفٍ مُحرِجٍ، فتتركها لله وتتحمَّل تَبِعات صِدقِك. |
| هل سألنا أنفسنا يوماً ماذا تركنا لله؟ ما الذي تركناه ابتغاء رضوان الله؟ |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: |
{ ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ }
(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد)
ينبغي عليك أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك مِمَّا سواهما عند التعارُض:
| لو سألت اليوم مليار مُسلمٍ، هل الله ورسوله أحبُّ إليك أم ما سِواهما أحبُّ إليك؟ أم المال أحبُّ إلى قلبك؟ أم الشهوة المُحرَّمة أحبُّ إلى قلبك؟ أم العلو في الأرض أحبُّ إلى قلبك؟ لقال كل مُسلمٍ بلسان مقاله فوراً: بل الله ورسوله أحبُّ إلى قلبي، فهل ذاقَ كل المؤمنين حلاوة الإيمان؟ |
| ليس هذا هو المعنى، المعنى كما قال مُفسِّروا الحديث، أن يكون الله في قرآنه وأن يكون رسوله في سُنَّته أحبَّ إليك مِمَّا سواهما عند التعارُض. |
| لو جاءك مالٌ من رِبا، مالٌ من حرام، رشوة مُحرَّمة، والله تعالى يقول لك: لا تأخُذها، ورسوله يقول لك: لا تأخُذها، فتعارضت مصلحتك المُتوهمة، لأنَّ المصلحة لا تكون إلى في رضا الله، المصلحة كلها في شرع الله، لكن توهمت أنَّ مصلحتك في هذا المال تفُك به كُربتك ثم تركته لوجه الله تعالى، عندها تذوق حلاوة الإيمان، تركتَ لله، لم تقُل بلسانك: الله ورسوله أحبُّ إلي، لكن قُلت بحالك وبعملك، الله ورسوله أحبُّ إلي من المال الحرام، الله ورسوله أحبُّ إلي من الشهوة المُحرَّمة، الله ورسوله أحبُّ إلي من المنصِب، قُلتها بلسان حالك لا بلسان مقالك فقط، عندها تذوق حلاوة الإيمان، هذه حلاوة الترك، أن تترُك شيئاً. |
الكسب يُعطي حلاوةً وإذا كان من حرامٍ يُعطي لذَّةً:
| كل الناس إذا كسبوا شيئاً ذاقوا حلاوته، الكسب يُعطي حلاوةً وإذا كان من حرامٍ يُعطي لذَّةً، لا أقول حلاوةً يُعطي لذَّةً مؤقتةً لأنه أخَذ، لكن هل ذُقتَ حلاوة أن تترُك؟ المال بين يديك وتستطيع أن تأخُذه ولا أحد يُحاسِبُك، لكنه مالٌ حرام فتركته لله، هذه حلاوة الترك، أن يترُك الإنسان شيئاً لله، صحيحٌ أنَّ إعطاء النفس ما تُريده وتركها لما تشتهيه دون ضوابطٍ ولا حدود فيه لذَّةٌ، ولكنها لذَّةٌ مؤقتة لرُبما تعقبها كآبةٌ مُدمِّرة، كم من إنسانٍ لم يترُك، أقبَل على المعصية فذاقَ لذَّتها ثم بعد ذلك أورثته ذُلّاً طويلاً، ألا يا رُبَّ شهوةٍ أورثَت ذُلّاً طويلاً، شهوةٌ مُحرَّمة أورثته ذُلّاً، أورثته انكساراً بين الخلق ثم أورثته عذاباً من الله تعالى. |
كل فعلٍ نفعله في الحقيقة يقابله تركٌ:
| أيُّها الإخوة الكرام: إن كل فعلٍ نفعله في الحقيقة يقابله تركٌ، يقابله شيءٌ تركناه لله، وهذا ما يُكسبه القيمة العظيمة في نفوسنا وعند الله. |
الصلاة فِعلٌ لكن أيضاً فيها معنى الترك:
| الصلاة مثلاً، الصلاة فِعلٌ لكنها أيضاً تركٌ في سبيل الله، فأنت تكون في مجلسٍ والحديث يُدار، وفي المجلس متعةٌ وتُتابِع شيئاً، ثم تترُك وتقوم لتُصلّي، إذاً تركتَ لله، فالصلاة فيها تركٌ، أنت تترُك شيئاً لله، تكون في عملك، تكون في فِراشك عند صلاة الفجر فتترُك فِراشك وتقوم، هذا تركٌ في سبيل الله. |
الصدقة فِعلٌ لكن أيضاً فيها معنى الترك:
| الصدقةُ هي فِعلٌ، هي إعطاء المال للفقير، ولكن هي في حقيقتها أيضاً تركٌ للمال، فأنت لديك مئة تركتَ عشرةً منها وأعطيتها للفقير، فأنت تخلَّيت عن شيءٍ، فلذلك تذوق حلاوة الصدقة، لأنَّ فيها معنى الترك لله، أنك تترُك شيئاً تُرضي به ربَّك، تتخلَّى عنه وأنت تُحبُّه إرضاءً لخالقك، الصيام يتجلى فيه معنى الترك، تترُك الطعام، تترُك الشراب، تترُك الشهوة الحلال، تتركها أيضاً في سبيل الله. |
{ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ }
(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد)
الصيام فِعلٌ لكن أيضاً فيه معنى الترك:
| كثيرٌ من المسلمين يسألون، لماذا الله اختصَّ الصوم من بين العبادات؟ الصلاة لله، والحج لله، والصدقة لله، فلماذا قال: (إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ) التعليل في تتمة الحديث، قال: (إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي) يترُك، هُنا النقطة المفصلية، يترُك لأنَّ معنى الترك واضحٌ في الصيام، ولأنَّ الإخلاص فيه عظيم، لأنَّ الإنسان لا يترُك شيئاً إلا وفي الأعم الأغلب يكون مُخلصاً فيه لوجه الله الكريم، يَدَعُ طعامه، يَدَعُ شرابه، يَدَعُ شهوته، إرضاءً لله تعالى، فقال: (إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ). |
الحج فِعلٌ لكن أيضاً فيه معنى الترك:
| أيُّها الإخوة الكرام: والحجُّ أفعالٌ وأقوال، ووقوفٌ بعرفات، ومبيتٌ ورميٌ للجمرات، وإحرام، لكنه في حقيقته أيضاً تركٌ للأهل، وتركٌ للأوطان، وتركٌ لبعض المال، وكله في سبيل رضا الرحمن، فكل العبادات فيها معنى أن نترُك شيئاً لله تعالى. |
أربعة أمورٍ تزيدُنا مثابرةً على أن نترُك لله:
| أيُّها الإخوة الكرام: السؤال الآن: ما الذي يجعلنا، يحُثُّنا، يزيدُنا مثابرةً على أن نترُك لله؟ أن نعقل أربعة أمور: |
أولاً: اُمِرنا أن نترُك ما نقدِر عليه لا ما نعجز عنه
| الأمر الأول أننا اُمِرنا أن نترُك ما نقدِر عليه لا ما نعجز عنه، هذه الأولى، أننا أُمِرنا أن نترُك شيئاً نقدِر على تركه، ولم نؤمَر أن نترُك شيئاً نعجز عن تركه، سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أُمِرَ أن يترُك ابنه بوادٍ غير ذي زرعٍ مع زوجه ثم يعود، وقَدَرَ على ذلك، ثم أُمِر أن يتخلى تخليَّاً تاماً عن ابنه وأن يذبحه، فقَدِرَ على ذلك، نحن لم نؤمَر بكل ذلك، لم نؤمَر أن نتخلى عن أبنائنا، ولا عن زوجاتنا، لم نؤمَر أن نتخلى عن حلالٍ، لم نؤمَر أن نتخلى عن شيءٍ تُحبُّه أنفسنا فيه طيِّبٌ لها وفيه خيرٌ لها، لم نؤمَر بذلك، لم يأمُرنا الله تعالى بالتخلي عن كل شيءٍ أبداً، لكنه أمَرَنا أن نتخلى وأن نترُك الحرام فقط، فلذلك لم نؤمَر بشيءٍ خارج وسعِنا، قال تعالى: |
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(42)(سورة الأعراف)
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا:
| كثيرون لا يتركون، فإذا سألتهم مثلاً من الشباب، لماذا لا تترُك النظر الحرام؟ يقول لك: لا أقدِر، كيف لا تقدِر وغيرك من الشباب يقدِر؟! إذا قُلت له لماذا لا تترُك الرِشوة؟ يقول لك: لا أستطيع، راتبي لا يكفيني، لكن غيرك يعيش بهذا الراتب، والله يُبارك له فيه، فلماذا تأخُذ الحرام؟ أنت لا تُقدِّر الأشياء التي تستطيعها أو لا تستطيعها، بل الله تعلى هو مَن يُقدِّر الوِسع وحده جلَّ جلاله، وقال لك: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) لم يُكلِّفكَ الله شيئاً خارج وسعِك. |
| أول أمرٍ من أجل أن نُثابر على الترك، أن نُدرِك أننا لم نؤمَر بشيءٍ لا نستطيعه أبداً، أو لم نؤمَر بشيءٍ خارج وِسعنا، وأي إنسانٍ يقول لك لا أستطيع، قُل له: أنت لا تُريد، أنت تستطيع لكنك لا تُريد، فرقٌ كبير بين لا أستطيع ولا أُريد، لكن الناس لا يُحبِّون كلمة لا أُريد أن أفعل، لا أُريد أن أترُك، يقول لك: لا أستطيع أن أترُك الشهوة، لا أستطيع، أنت لا تُريد أن تتركها، المُستحيل ليس هو الشيء الذي لا تستطيع فعله، لكنه الشيء الذي لا تُريد أن تفعله في حقيقة الأمر، فكل تكاليف الله ضمن وِسعنا، كل تركٍ يمكن أن نتركه، يقول لك: عندي إدمانٌ على هذا الأمر لا أستطيع تركه، قُل له: غيرك استطاع لأنَّ الله لا يُكلِّفكَ خارج وِسعكَ، هذه الحقيقة الاولى. |
ثانياً: عندما نترُك شيئاً أمَرَ الله بتركه إنما نتركه ضماناً لسلامتنا لا حدّاً لحريتنا
| الأمر الثاني من الأمور التي تدفعنا إلى المُثابرة والعمل على الترك في سبيل الله تعالى، أننا عندما نترُك شيئاً أمَرَ الله بتركه، إنما نتركه ضماناً لسلامتنا لا حدّاً لحريتنا، نتركه ضماناً لسلامتنا، وليس حدّاً لحريتنا، أرأيت لو أنك تسير بسيارتك في طريقٍ ما، وفوقك جسرٌ قد وضِع عليه رقم أربعة ضمن لوحةٍ مرورية، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنَّ ارتفاع الجسر عن الأرض أربعة أمتار، وأنت تقود شاحنةً ارتفاعها خمسة أمتار، فهل تقف أم تُتابِع؟ تقف فوراً وتأخُذ طريقاً آخر، لماذا؟ لأنك أدركت أنَّ هذه اللوحة وضِعت ضماناً لسلامتك وليست حدّاً لحريتك، فلو أكملت سترتطم بالجسر. |
| عندما نسير في الشارع ونجد محوِّلاً كهربائياً كبيراً قد وضِع عليه لا تقترب، اترُك الاقتراب، خطر الموت، فأنت تترُك، تترُك فتشعُر بأنَّ ذلك يحدُّ من حريتك أم تشعُر أنَّ ذلك يضمن سلامتك؟ كل أوامر الدين، وكل ما أُمِرنا أن نتخلى عنه وأن نتركه من الحرام، إنما أُمِرنا بذلك ضماناً لسلامتنا لا حدّاً لحريتنا، والإنسان يُحبُّ أن يضمن سلامته وأن يضمن سعادته، ولا يكون ذلك إلا بفعل ما أمَرَ الله وترك ما نهى الله تعالى عنه. |
لم يُحرِّم الله عزَّ وجل إلا خبيثاً يُبعدنا عن الجنَّة:
| أيُّها الإخوة الكرام: قال تعالى: |
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)(سورة الأعراف)
| لم يُحرِّم جلَّ جلاله إلا خبيثاً، لم يُحرِّم إلا خبيثاً يُبعدنا عن الجنَّة، ولم يُحلَّ إلا طيباً يُقربنا من الجنَّة، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ، ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ، إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَفَثَ في رَوْعِي : أنَّ نَفْسًا لا تَمُوتُ حتى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فَاتَّقُوا اللهَ و أَجْمِلوا في الطَلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُدْرَكُ ما عندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِه }
(أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم والطبراني)
| أوامر الدين كلها، نواهي الدين كلها، ضمانٌ لسلامتنا وليست حدّاً لحريتنا. |
ثالثاً: لن تترُك شيئاً إلا عوَّضك الله خيراً منه
| الأمر الثالث في الأمور التي تجعلنا أكثر تمسُّكاً بالترك في سبيل الله تعالى، أنه لن تترُك شيئاً إلا عوَّضك الله خيراً منه، مستحيل أن تترُك شيئاً لله ثم لا يُبدِلُكَ الله ما هو خيرٌ لك، في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما، وكفى بالآخرة لو لم تُبدَّل بالدنيا شيئاً ملموساً مادياً، فكفى بما يُبدِلُكَ الله به من ثوابٍ في الآخرة، يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ أنكَ لنْ تدعَ شيئًا اتقاءَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا أعطاكَ اللهُ خيرًا مِنهُ }
(أخرجه أحمد)
| مهما كان صغيراً، قرشٌ من حرامٍ، نظرةٌ من حرامٍ، منصِبٌ في الأرض لا يُرضي الله (أنكَ لنْ تدعَ شيئًا اتقاءَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا أعطاكَ اللهُ خيرًا مِنهُ) سيُبدِلُكَ الله خيراً، رُبما سًكينةً، رُبما رضاً، رُبما يُثيبُكَ على عملك، ما معنى الثواب أيُّها الكرام في اللغة؟ نقول: ثابَ الرجُل إلى رُشده، أي رجِعَ إلى رشده، قال تعالى: |
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)(سورة البقرة)
معنى "مثابةً للناس":
| ما معنى مثابةً للناس؟ يرجعون إليه حيناً بعد حين، المؤمن يذهب إلى العُمرة، يذهب إلى الحج، يعود فتثوب نفسه وتتوق نفسه إلى العودة مرةً أُخرى، يقول له الزائرون: عُقبى للعودة، لا أحد يزور فرنسا ثم يعود فيقول له الناس: عُقبى للعودة، المؤمنون طبعاً، لكن ما من أحدٍ يزور بيت الله الحرام، إلا يرجِع فتتوق نفسه إلى العودة، ويقول له الناس: نسأل الله أن يرزقك العودة، لماذا؟ لأنَّ الله جعل فيه سِرّاً في التقرُّب إليه، والصِلة بين العبد وربِّه (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) والله تعالى يُثيبُك عندما تترُك شيئاً له، ما معنى يُثيبُك؟ يعود عليك هذا العمل بالخير، يرجِع إليك هذا العمل بالخير، فتغضُّ بصركَ عن الحرام فيُثيبُك. |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليسَ من تركَه خوفًا من اللهِ آتاهُ اللهُ إيمانًا يجدُ حلاوتَه في قلبِه }
(أخرجه الحاكم)
| هذه حلاوة الترك، هو تركَ لله، غضَّ بصره عن محارِم الله، لم يُطلِق بصره في أعراض الناس، الآن سيُثيبه الله، سيُرجِع له ثواب عمله، فيجد في قلبه حلاوةً تُغنيه عن هذا النظَر المُحرَّم تفوق سعادتها لذّة النظَر أضعافاً مُضاعفة. |
رابعاً: نترُك لأنَّ الله الخبير أمرنا أن نترُك
| أيُّها الإخوة الكرام: الأمر الرابع وهو الأهم، النقطة الرابعة من الأمور التي تجعلنا أكثر تمسُّكاً بالترك في سبيل الله وهي الأهم، أننا نترُك لأنَّ الله الخبير أمرنا أن نترُك، لمّا يكون الولد بارَّاً بوالده، مُحبِّاً له، مُدرِكاً كم يُحب والده مصلحته، وكم ضحَّى من أجله، وكم يُريد له الخير، وكم يسرّه أن تترُك هذا الأمر من أجله، فيترُك الابن، فتقول له: لماذا تركت وأنت تُحب ذلك؟ لماذا تركت هذا السفر وأنت تُحبُّه؟ لماذا تركت هذا المنصِب وأنت تُحبُّه؟ يقول لك: لا أُريد أن أُحزِن والدي، يكفي أنَّ والدي طلب منّي، فأنا والله عندما أُرضيه أجد حلاوةً في قلبي، لأنه سُرَّ لعملي. |
| ألا يكفي أنَّ الخبير جلَّ جلاله قال لك: اترُك لتترُك؟ فتشعُر بالحلاوة في قلبك، أنَّ الله الذي خلقك، ورزقك، وأعطاك، ووهبك، وأمدَّك بالصحة والعافية، وهداك إلى الإسلام، وهبكَ نِعمة الإيجاد، ونِعمة الإمداد، ونِعمة الهُدى والرشاد، ألا يكفي أن تشعُر بالحلاوة في قلبك لأنك تركت ذلك إرضاءً لمَن تُحب، ولو لم تفهم الحكمة من ذلك؟ لكنك تركت لله، هذه هي النقطة الرابعة وهي نقطةٌ مهمةٌ جداً. |
أمثلة من الحديث الشريف في حلاوة الترك:
| أيُّها الإخوة الكرام: |
{ أن رجُلاً قال: يا رسول الله إنَّ لفلانٍ نخلة، وأنا أُقيم حائطي بها - هو يُريد أن يبني بُستانه فواجهته نخلةٌ لفُلانٍ من الناس - فأمُرْه أن يُعطيني حتى أُقيم حائطي بها - يستغني عن النخلة حتى أستطيع أن أبني بُستاني - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطها إياه بنخلةٍ في الجنَّة - هَب له النخلة، اترُك نخلتك والثواب نخلةٌ بديلةٌ في الجنَّة - فأبَى - رفض الرجُل، والنبي صلى الله عليه وسلم حاشاه أن يتعدَّى على حقوق الخَلق، أعطاه عرضاً، العرض بسيط، قدِّم نخلةً في الدنيا ومقابلها تأخُذ نخلةً في الجنَّة، الرجُل قال: لا أُعطيه نخلتي، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم - فأتاه أبو الدحداح فقال: بِعْنِي نخلتك بحائطي - أعطني النخلة وخُذ بُستاني كله، هذه نخلةٌ غاليةٌ جداً، خُذ البُستان وأعطني النخلة - ففعل الرجُل - أخطأ خطأً جسيماً، يُشبه إنساناً عُرِضَ عليه بيع سلعةٍ بمليون ثم باعها بدرهمٍ، لكن هكذا يُريد باع نخلته ببُستان - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد ابتعتُ النخلة - اشتريت النخلة من الرجُل - بحائطي - قدَّمتُ له بُستاني وأخذت النخلة - قال: فاجعلها له - أعطِها للرجُل الذي يُريد أن يبني بُستانه - فقد أعطيتكها - وهبتك النخلة يا رسول الله فأعطِها للرجُل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم مِن عِذق رداح لأبي الدحداح في الجنَّة - عذقٍ أي غصن النخلة المُثمِر، رداحٍ أي مُثقَل ثقيل - قالها مراراً - جعل يكررها صلى الله عليه وسلم - قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرُجي من الحائط فإني قد بِعته بنخلةٍ في الجنَّة، فقالت: ربح البيع، أو كلمةٌ تُشبِهها }
(رواه أحمد وصحَّحه الألباني)
| ما الذي فعله أبو الدحداح؟ تخلَّى عن بستانٍ لكنه أدرَك أن ذلك في وِسعِه، وأدرَك أنَّ فعله ذلك يضمَن سلامته وسعادته ولا يحدّ حريته، وأدرَك أنَّ الله سيُعوضه خيراً منه في دينه ودنياه وآخرته، وأدرَك أنَّ في ذلك كله إرضاءً لله تعالى ولرسوله وكفى بذلك. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: |
{ أنَّ صُهيباً حين أراد الهجرة إلى المدينة، قال له كفَّار قريش : أتيتنا صعلوكاً، فكثُر مالك عندنا -كنت فقيراً فكثُر مالك عندنا - وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تخرُج بنفسك ومالك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم: أرأيتم إن أعطيتكم مالي أتُخلون سبيلي؟ - انظروا إلى الترك في سبيل الله - فقالوا: نعم، فقال: أشهدكم أني قد جعلت لهم مالي - تخلَّى عن ماله كله ليُهاجر في سبيل الله - فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ربح صُهيب، ربح صُهيب }
(صحيح ابن حبان)
| ربح صُهيب، تخلّى لله لكنه كسِبَ رضا الله تعالى، وصدَقَ فيه قول الله تعالى: |
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207)(سورة البقرة)
مَن ذاقَ حلاوة الترك فإنه لا يعدلها بعد ذلك بشيءٍ من الدنيا:
| ما الذي فعله يوسُف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟ تركَ لله، لمّا عُرِضَت عليه الشهوة المُحرَّمة: |
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)(سورة يوسف)
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ(33)(سورة يوسف)
| فمكَّن الله له في الأرض. |
| أيُّها الكرام: فِعل المُحرَّمات له لذَّة، لكن مَن ذاقَ حلاوة الترك إرضاءً لله، مَن ذاقَ سعادة الانتصار على الذات، مَن ذاقَ شعور التسامي على الشهوات، مَن ذاقَ سكينة التخلُّص من أسر الدنيا، الدنيا تأسِرُنا بشهواتها، مَن ذاقَ سكينة التخلُّص من أسرِها وشهواتها، فإنه لا يعدلها بعد ذلك بشيءٍ من الدنيا مهما كان كبيراً. |
خــلّـي يـدَيَ فـلســتُ مـن أســراكِ أنا يا حياة علوت فوق عُلاكِ لا تـضـربـي قــيـداً عـلى حـريـتـي رحـبٌ أنـا كــمـدارج الأفــلاكِ لا تعجلي فإذا الخلائق في الضُحـى سـألتـكِ مَـن هـذا الذي ناجاكِ فـتبختري صـلفـاً وقـــولـي مُـسـلـمٌ وكفـاكِ فخراً ما سمعـتِ كـفاكِ{ عبدالله عيسى السلامة }
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإسلام والإيمان والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم فارِج الهم كاشِف الغم، مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك. |
| اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المُسلمين فيما جرَت به التقادير ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير. |
| اللهم كُن لأهلنا في فلسطين وفي غزَّة، عوناً ومُعيناً وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً وسهماً صالحاً يا أكرم الأكرمين. |
| اللهم كُن لأهلنا في اليمن، اللهم كُن لأهلنا في السودان، اللهم كُن لأهلنا في كل مكانٍ يُذكر فيه اسمُك يا الله. |
| اللهم ارزقهم الصبر والسكينة والرضا والثبات. |
| اللهم عليك بأعدائهم فإنهم لا يعجزونك. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهُم ومَن وقف معهم في سرٍّ أو عَلَن. |
| اللهم أرِنا فيهم عجائب قدرتك وانصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى نستحق أن تنصرنا عليهم، أنت وليُّ ذلك والقادر عليه. |
| اللهم أصلِح الراعي والرعيَّة، واجعل بلادنا أمناً وسخاءً ورخاءً يا أرحم الراحمين، وصلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

