248-القلب السليم
248-القلب السليم
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الأحباب: لرُبما شَعرَ أحدُنا يوماً بألمٍ في صدره، أو ضيقٍ في نَفَسِه، أو بتسارع نبضات قلبه، فسارعَ إلى طبيب القلب لإجراء الفحص، وكم تكون سعادته غامرةً عندما تخرُج نتائج الفحوصات فيقول له الطبيب: اطمئن قلبكُ سليم. |
| هل شعرت يوماً بشكٍّ قد تسلَّل إلى قلبك؟ |
| هل أحسَّست يوماً بأنَّ قلبك مُتعلِّقٌ بالأسباب غافلٌ عن مُسبِّب الأسباب وربِّها؟ |
| هل تملَّكَت قلبك شهوةٌ فاستحكَمتْ فيه فصار ينقاد لها ويستسلم لندائها؟ |
| هل تسلَّلت إلى قلبك شُبهةٌ من الشُبهات سَمِعتها في الإعلام حتى كِدّتَ تُصدِّقها؟ |
| هل حملتَ في قلبك يوماً غِلَّاً على أخيك المؤمن؟ |
| إذاً أنت بحاجةٍ إلى طبيبٍ ودواء قبل فوات الأوان. |
أمراض القلب الجسدية تنتهي بالموت لكن أمراض قلب النفس تتسلَّل إلى قلوب الكثيرين:
| أيُّها الإخوة الكرام: أمراض القلب الجسدية، أمراض ذاك القلب، المضخة العجيبة التي خلقها الله في أجسادنا لتُمِدَّنا بالدماء طوال اليوم، هذه الأمراض مهما عظُمَت ومهما كانت خطيرةً، فإنَّ آثارها الصعبة تنتهي بموت الإنسان، لكن أمراض قلب النفس التي تتسلَّل إلى قلوب الكثيرين، وتُصيب الإنسان بالدَّاء، هذه الأمراض تبدأ آثارها في الدنيا ورُبما تمتد إلى أبد الآبدين، بل رُبما تَهوي بذاك المريض إلى نارٍ لا ينفَدُ عذابها. |
| فأيهما أخطر أمراض الجسد أم أمراض قلب النفس؟ الأمراض التي تنتهي بالموت أم الأمراض التي تستمر إلى أبد الآبدين؟ أفيكون اهتمامنا بعلاج مرضٍ مؤقت وهذا مطلوبٌ مهم، لكن أيكون اهتمامنا بعلاج مرضٍ مؤقت أعظم من اهتمامنا بعلاج مرضٍ مُستمر ذي نتائجَ كارثية؟! |
| أيُّها الكرام: ورد ذِكر القلب السليم في القرآن الكريم في موضعين اثنين، وكلاهما عند الحديث عن أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. |
| الموضِع الأول في دعاء إبراهيم: |
وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)(سورة الشعراء)
| والموضِع الثاني في الثناء على إبراهيم عليه السلام: |
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ(83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(84)(سورة الصافات)
صفات القلب السليم:
| ما القلب السليم؟ ما صفات القلب السليم؟ القلب السليم أيُّها الكرام فيه أربع صفاتٍ، كما قال أهل العِلم. |
| الصفة الأولى: أنه سَلِمَ من الآفات التي تُبعده عن خالقه، سَلِم من الأمراض. |
| والصفة الثانية: أنه سَلِمَ من الشهوات التي تُعارِض أمر الله تعالى. |
| والصفة الثالثة: أنه سَلِمَ من الشُبهات التي تتعارَض مع خبر الله تعالى. |
| والصفة الرابعة: أنه سَلِمَ من تحكيم غير شرع الله تعالى. |
| هي أربع صفاتٍ، سلامةٌ من الآفات، سلامةٌ من الشهوات، سلامةٌ من الشُبهات، وسلامةٌ من تحكيم غير شرع الله في حياة الإنسان. |
الصفة الأولى سَلِمَ من الآفات التي تُبعِد عن الله:
| الصفة الأولى: سَلِمَ من الآفات التي تُبعِد عن الله، ما هي الآفات التي تُصيب القلب؟ قلب النفس، لا أقول الذبحة الصدرية، ولا تضيُّق الشريان التاجي، ولا غير ذلك مما يُصيب قلب الجسد، أتحدَّث عن آفاتٍ تُصيب قلوبنا التي تُعرَض على ربِّنا، والتي سنأتي بها ربَّنا يوم القيامة. |
الآفة الأولى: الشِرك
| الآفة الأولى الشِرك، وهي أعظم الآفات، أن يكون في قلب الإنسان شِركٌ ولو كان خفيَّاً، الشِرك آفة، الحِقد، الحَسَد، حُب الدنيا حُبَّاً يُمكِّنُها من القلب، لا أقول حُبَّاً طبيعياً يتحكَّم الإنسان بدنياه، وإنما حُبَّاً يُمكِّن الدنيا في قلب الإنسان، فتستعبده وتقوده وتتحكَّم به وتهوي به في المهاوي، حُب الدنيا بهذا المعنى آفةٌ من آفات القلب، سَلِمَ من الشُح. |
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9)(سورة الحشر)
| سَلِمَ من الكِبر، سَلِمَ من العُجب أن يُعجَب بعمله، سَلِمَ من الرياء، هذه آفاتٌ تدخُل في القلب، والقلب السليم يجب أن يسلَم منها كلها، أعظم آفةٍ تُصيب القلب هي الشِرك بنوعيه الجلي والخفي، الأكبر والأصغر. |
| أمّا الجلي الأكبر، عبادة الأصنام، عبادة غير الله تعالى، وهذا هو المُخرِج من المِلَّة، وهذا قلوبنا سليمةٌ معافاةٌ منه ولله الحمد، لكن الشِرك الخفي كثيراً ما يتسلَّل إلى القلوب، في الحديث الصحيح: |
{ خرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحن نتذاكر المسيحَ الدجَّالَ فقال: ألا أُخبِركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجالِ؟ فقلنا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الشركُ الخفيُّ، أن يقوم الرجُل فيصلي فيزيدُ صلاتَه، لما يرى من نظرِ رجلٍ }
(أخرجه ابن ماجه والحاكم وأحمد)
| هذه الفتنة الخطيرة العظيمة نتذاكرها، (فقال: ألا أُخبِركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجَّالِ؟ فقلنا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الشركُ الخفيُّ) ثم ذَكرَ صلى الله عليه وسلم مثالاً عن ذاك الشِرك الخفي فقال: (أن يقوم الرجُل فيصلي فيزيدُ صلاتَه، لما يرى من نظرِ رجلٍ) يُراقِب الناس، يُريد رضا الناس ويترُك رضا مولاه، هذا شِركٌ خفي حَذَّرَ منه المُصطفى صلى الله عليه وسلم، وخاف على أُمته منه أكثر من خوفه من المسيح الدجَّال. |
القلب السليم سَلِمَ من البغضاء للمؤمنين وسوء الظن بهم
| أيُّها الإخوة الكرام: القلب السليم سَلِمَ من البغضاء للمؤمنين، سَلِمَ من سوء الظنّ بالمؤمنين، كل هذه أمراضٌ تفتِك بالقلب فتُمرضه ثم تُميته، سَلِمَ من الغِلّ والحِقد، فلا يحمِل المؤمن في قلبه غِلّاً أو حِقداً على أحدٍ من المؤمنين، قد يختلف معه، قد يُزعجه تصرفه، لكنه لا يحمِل في قلبه الغِلّ أو الحِقد على مؤمنٍ، وهذا ما يُسمّى سلامة الصدر. |
| قال سفيان بن حسين: <<ذكرتُ رجُلاً بسوءٍ عند إياس - وإياس تابعيٌ جليل، إياس بن معاوية - فذكرته بسوءٍ عند إياس قاضي البصرة، فنظَر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: أفسَلِمَ منك الروم والهند والسند ولم يسلَم منك أخوك المُسلِم! قال سفيان: لم أعُد بعدها>>. |
| أي لم أعُد بعدها للحديث عن مُسلمٍ بسوء، هذه سلامة الصدر، هذا هو القلب السليم الذي ليس فيه آفةٌ تُبعِد عن الله تعالى. |
سلامة صدر النبي صلى الله عليه وسلم:
| يقول ابن مسعود رضي الله عنه: |
{ كَأنِّي أنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحكي نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ ضَرَبَه قَومُه، وهو يَمسَحُ الدَّمَ عن وجهِه، ويقولُ: رَبِّ اغفِرْ لقَومي فإنَّهم لا يَعلَمونَ، وفي روايةٍ: بهذا الإسنادِ، غيرَ أنَّه قال: فهو يَنضِحُ الدَّمَ عن جَبينِه }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| ولعلَّه هو صلى الله عليه وسلم، فقد جرى معه ذلك، (ضَرَبَه قَومُه، وهو يَمسَحُ الدَّمَ عن وجهِه ويقولُ: رَبِّ اغفِرْ لقَومي فإنَّهم لا يَعلَمونَ) هذه سلامة صدره صلى الله عليه وسلم على أعدائه الذين أدموه، وهو يمسَح الدم عن وجهه ثم يقول: (رَبِّ اغفِرْ لقَومي فإنَّهم لا يَعلَمونَ) يدعو الله لهم، ويعتذر عنهم (فإنَّهم لا يَعلَمونَ) ويستعطفهم، (لقَومي) لم يتخلَّ عنهم، فكيف كانت سلامة صدره مع أصحابه؟ في حديثٍ حسَّن إسناده بعض أهل العِلم قال: |
{ لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني أُحِبُّ أن أخرُجَ إليهم، وأنا سليمُ الصدرِ، قال عبدُ اللهِ: فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمالٍ فقَسَّمه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانتَهَيْتُ إلى رَجُلَيْنِ جالِسَيْنِ وهما يقولانِ: واللهِ ما أراد مُحَمَّدٌ بقِسْمَتِهِ التي قَسَمَها وجهَ اللهِ، ولا الدارَ الآخِرةَ، فتَثَبَّتُّ حين سَمِعْتُها، فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأَخْبَرْتُه فاحْمَرَّ وجهُه، وقال: دَعْنِي عنكَ، فقد أُوذِيَ موسى بأكثرَ من هذا فصبر }
(أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد)
| أن يخرُج إلى الناس وليس في قلبه على أحدٍ شيء، لا تُبلِّغُني. |
سلامة صدر أبينا إبراهيم عليه السلام:
| أيُّها الإخوة الكرام: لو نظرنا في سيرة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الذي جاء ربَّه بقلبٍ سليم كما وصفه الله تعالى، وجدنا أنَّ قلبه قد سَلِمَ من الشِرك، وسَلِمَ من الشكّ، فقال عن عقيدةٍ وإيمان: |
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)(سورة الأنعام)
| سَلِمَ قلبه من الشِرك، وسَلِمَ من الشكّ، ولو نظرنا إلى سلامة قلبه من الغِلّ والحِقد، وجدنا أنه كان يدعو لقومه: |
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(36)(سورة إبراهيم)
| هذه سلامة الصدر، هذا هو القلب السليم، حتى إنه كان يدعو لوالده، إلى أن تبيَّن له أنه عدوٌ لله فتبرأ منه، كما أخبر القرآن الكريم: |
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(114)(سورة التوبة)
| هذه سلامة الصدر عند إبراهيم، وهذه سلامة صدره من الغِلّ، من الشِرك، من الحِقد. |
| أيُّها الإخوة الكرام: هذا هو البند الأول، سلامة القلب من الآفات التي تُبعِده عن الله تعالى، جاء إبراهيم ربَّه بقلبٍ سليم، كان يدعو لأُمته، كان يدعو لنا، انظُر إلى سلامة صدر إبراهيم، كان يدعو لنا، دعا لأهل مكَّة، وما تزال حتى الآن تعيش ببركة دعائه: |
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)(سورة البقرة)
| حتى إنَّ نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم قال: |
{ عن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهم قالوا له: أَخبِرْنا عن نفسِك، قال: نعم أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبُشرى عيسى عليهما السلامُ، ورأَتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام، واستُرضِعْتُ في بني سعدِ بنِ بكرٍ فبينا أنا في بَهمٍ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بِيضٌ معهما طَستٌ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجًا فأضجعاني، فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقَّاه فأخرَجا منه علقةً سوداءَ، فألقَياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلجِ حتى إذا أَلقياه ردَّاه كما كان، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْه بعشرةٍ من أمَّتِه، فوزنَني بعشرةٍ فوزنتُهم، ثم قال: زِنْه بمائةٍ من أمَّتِه فوزنني بمائةٍ فوزنتُهم، ثم قال: زِنْه بألفٍ من أمتِه فوزنني بألفٍ فوزنتُهم، فقال: دَعْه عنك فلو وزنتَه بأمَّتِه لوزنَهم }
(أخرجه البيهقي والطبري)
| ما هذا الصدر السليم؟! ما هذا القلب السليم؟! (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). |
الصفة الثانية في القلب السليم أنه سَلِمَ من شهوةٍ تُعارِض أمر الله تعالى:
| الصفة الثانية في القلب السليم أنه سَلِمَ من شهوةٍ تُعارِض أمر الله تعالى. |
{ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
| أنا لا أقول: إنَّ صاحب القلب السليم لا يُذنِب، لا، ولكن لا يتعلَّق بشهوةٍ، يُذنِب، يُخطِئ رُبما، لكنه يتوب لا يُعلِّق قلبه بالشهوات، لا يبقى في قلبه شهوةٌ تستحكِم من قلبه، فلا يستطيع عنها فَكاكاً، يقول لك: أنا لا أستطيع، أنا نقطة ضعفي المرأة مثلاً، أو المال، أو المنصِب، لا أستطيع، تتحكَّم الشهوات به، وليس المُذنِب، المُذنِب شيءٌ آخر، كلنا ذو خطأٍ، لكن لا تتحكَّم الشهوات بقلوبنا، هذا هو القلب السليم. |
إبراهيم عليه السلام لم تتحكَّم به شهوةٌ حتى الشهوة الحلال:
| أيُّها الإخوة الكرام: إبراهيم عليه السلام صاحب القلب السليم، لم تتحكَّم به شهوةٌ، لم تتحكَّم به شهوةٌ حرام هذه مفروغٌ منها، لكن حتى الشهوة الحلال لم تتحكَّم في قلبه، فلمّا أُمِرَ أن يتخلَّى عن زوجه وابنه، وكلٌّ منّا يُحبُّ زوجه وابنه، وكان ابنه رضيعاً، أسكنه وأمه بوادٍ غير ذي زرع. |
| تخلَّى، ترك لله تعالى، هي شهوةٌ، شهوةٌ حلال، كيف نترُك نحن الطعام والشراب في نهار رمضان؟ شهوةٌ حلال لكنها مُحرَّمة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في أيام رمضان، فنتركها وهي حلال. |
| سيدنا إبراهيم أُمِرَ أن يترُك الشهوة الحلال في امتحانٍ صعبٍ قلَّ نظيره، ثم بامتحانٍ أصعب وهو أن يذبح ابنه لكنه فعل، لأنَّ قلبه سليم، هو نموذجٌ للقلب السليم، دعا ربَّه: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فقال تعالى: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: |
{ تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه }
(أخرجه مسلم وأحمد)
| الشهوات والشُبهات (على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها) دخلت إليه الفِتنة، وتمكَّنت من قلبه، وأَسَرته الشهوة (فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها) رفض الشهوة الحرام (نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا) أبيضٌ ناصع لا غِلَّ فيه، ولا حِقد، ولا حسَد، ترَكَ الفِتَن التي جاءته، والآخر الذي أُشرِب الفِتَن (والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا) شديد السواد (كالكُوزِ) الكأس (مُجَخِّيًا) مائلاً أو مقلوباً، إذا وضعت فيه الماء هل يستقر وهو مقلوبٌ أو مائل؟ كل شيءٍ يخرُج منه، قال: (لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه) ما يجده موافقاً لهوى نفسه يقبله، وما يُعارِض هوى نفسه يتركه، دينه هواه: |
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)(سورة الجاثية)
| هذا هو القلب الأسود الذي فسَحَ للشهوات مكانها حتى استقرَّت في داخله فاستعبدته. |
الصفة الثالثة في القلب السليم أنه سَلِمَ من شُبهةٍ تُعارِض خبر الله:
| الصفة الثالثة أيُّها الكرام في القلب السليم: أنه سَلِمَ من شُبهةٍ تُعارِض خبر الله، انظُر إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، كيف بنى عقيدته تحقيقاً ويقيناً، وكيف أبعَد كل شُبهةٍ عن قلبه، إبراهيم عليه السلام نشأ في بيئةٍ تعبُد الأصنام، نشأ وفتح عينيه وقومه يُعظِّمون الأصنام، هل أشدَّ من ذلك؟ تقول لي: اليوم الإعلام ينشُر الشُبهات، لكنك نشأتَ في بيئةٍ فيها مساجد، أيُّها الشاب، أيُّها المؤمن، نشأتَ في بيئةٍ فيها مسجد تسمَع فيها الأذان، حتى لو كنت في أقاصي الدنيا اليوم تسمع كلمة الحقّ، لكن إبراهيم عليه السلام فتح عينيه فإذا والده يعبُد الأصنام، وإذا قومه يسجدون للأصنام، ولا يجرؤ أحدٌ على المساس بها، هل هناك شُبهةٌ أعظم من هذه الشُبهة؟! |
سيدنا إبراهيم لم يسمَح لشُبهةٍ أن تعترضه:
| يقول البعض اليوم: هناك شُبهاتٌ كثيرة، يتحدَّثون أنَّ الإسلام دين إرهابٍ، يتحدَّثون أنَّ الإسلام ظلم المرأة، يتحدَّثون أنَّ هناك تناقُضاً بين السُنَّة والعقل، تناقُضاً بين القرآن والسُنَّة، ويفتح ويقرأ هُنا وهناك، ويسمَع المقاطع، ثم يأتي كمُهتزَّاً بدينه، هل هناك شُبهةٌ أعظم من أن ينشأ الإنسان في بيئةٍ تعبُد الأصنام؟ حارب الشُبهات، لم يسمَح لشُبهةٍ أن تعترضه سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حاربها بالعِلم، وحاجَّه قومه، كان يُحاجِج، تعلَّم: |
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)(سورة الأنعام)
| في حواره مع النمرود: |
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)(سورة البقرة)
| شُبهاتٌ عظيمة واجهَت سيدنا إبراهيم، لكنه كسَّر الأصنام وقام لله تعالى. |
المؤمن الحقّ صاحب القلب السليم لا تهز دينه شُبهةٌ من الشُبهات:
| أيُّها الإخوة الكرام: الدين الحقّ ديننا: |
لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)(سورة فصلت)
| أمّا الشهوات والشُبهات فكلها باطل، فالمؤمن الحقّ صاحب القلب السليم، لا تهز دينه شُبهةٌ من الشُبهات، فهو قد بنى إيمانه بناءً راسخاً، لا تعصِف به هذه الكلمات، ولا الإعلام، ولا ما يُقام فيه. |
الصفة الرابعة من صفات القلب السليم أنه سَلِمَ من تحكيم غير شرع الله:
| الصفة الرابعة من صفات القلب السليم: أنه سَلِمَ من تحكيم غير شرع الله، لا يحتكِم إلا إلى الشريعة، قال تعالى: |
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)(سورة النساء)
| هذا هو القلب السليم، مأخوذٌ من الإسلام، من الاستسلام لله تعالى، مُستسلمٌ لأمر الله، لا يُناقش خبر السماء، لا يُناقش وحيَ السماء، لا يُناقش حديثاً صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدعوى أنه يُناقشه بعقله، وإنما يستسلم لأمر الله تعالى. |
| انظروا إلى إبراهيم، وأتحدَّث عن إبراهيم لأنَّ الله تعالى وصفه بأنه صاحبُ قلبٍ سليم، انظروا إلى إبراهيم عليه السلام كيف استسلم بكُليِّته لله: |
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)(سورة الأنعام)
| لم يحتكِم إلى عادات قومه، ما قال: هكذا اعتدنا، هكذا نشأنا، لم تكن مرجعيته عادةً. |
القلب السليم لا يتعلَّق بأي مرجعيةٍ إلا بالله تعالى وبرسوله:
| بالمناسبة أيُّها الكرام: كل واحدٍ منّا عندما يُريد أن يحتكِم، يحتكِم إلى مرجعيةٍ من حيث يدري أو لا يدري، ينتبه أو لا ينتبه، بعض الناس إذا ناقشتهم في مسألةٍ يصل إلى مكانٍ يقول لك: أنا هكذا ربّاني أبي، نحن هكذا نشأنا، هذه عادة القبيلة، عشيرتنا ترفُض ذلك، عشيرتنا لا تترُك هذا الأمر، عادات. |
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(22)(سورة الزخرف)
| هذه مرجعية. |
| وهناك إنسانٌ مرجعيته القانون، إذا ناقشته في أمرٍ واحتدَّ النقاش يقول لك: لحظة، البلد فيها قانون، المادة رقم كذا، بالفصل رقم كذا، تقول كذا، فأنا أحتكِم إلى القانون. |
| واليوم هناك نساءٌ مُسلمات خرَجنَ في هذه السنوات العشر الأخيرة إلى أوروبا، تأتيني نساءٌ كثيرات أو أزواجٌ يشتكين أنَّ الزوجة تحتكِم إلى القانون، إذا اختلفت مع زوجها تُخبِر الدولة في البلد الذي تعيش فيه، إذا طلَّقها تقول له: هات نصف أملاكك، هكذا يقول القانون، فهي تحتكِم إلى القانون، مرجعيتها القانون، وهناك إنسانٌ مرجعيته شرع الله، يقول لك: ماذا يقول الله ورسوله في المسألة؟ حتى أقول: سمعاً وطاعة، فالقلب السليم لا يتعلَّق بأي مرجعيةٍ إلا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم. |
| سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يحتكِم للعادات، رغم أنها كانت سائدةً في مجتمعه. |
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ(74) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ(75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ(76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)(سورة الشعراء)
| هذا هو الاحتكام، القلب السليم لا يحتكِم إلا إلى مرجعيةٍ واحدة، هي قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، العادات توافق شرع الله على العين والرأس، تُخالف نركلها بأقدامنا، القانون وفق شرع الله عزَّ وجل، أو لا يتعارَض مع شرع الله عزَّ وجل، نحتكِم إليه، يتعارَض مع شرع الله نتركه، لأنَّ المرجعية واحدة. |
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)(سورة فاطر)
كيف نسعى إلى قلبٍ سليم؟
| أيُّها الإخوة الكرام: إذاً هذه أربع صفاتٍ في القلب السليم، سَلِمَ من الآفات التي تُبعِد عن الله، سَلِمَ من الشهوات التي تتعارَض مع أمر الله، سَلِمَ من الشبهات التي تتعارض مع خبر الله، سَلِمَ من تحكيم غير شرع الله، كيف نسعى إلى قلبٍ سليم؟ |
أولاً الدعاء:
| أولاً الدعاء، عليك بباب الدعاء فإنه أهم بابٍ ليُصبِح قلبي وقلبك سليماً، قال تعالى: |
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(10)(سورة الحشر)
| ادعُ الله أن يرزقك قلباً سليماً، أن يُنقّيه من الغِلّ، من الحِقد، من الحَسَد، ادعُ الله والله يُجيبُك، لأنك تدعوه بمطلبٍ عظيم يُريده منك، وهو أن تأتيه بقلبٍ سليم. |
| كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: |
{ كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ ربِّ أعنِّي ولا تعن عليَّ وانصرني ولا تنصر عليَّ وامكر لي ولا تمكر عليَّ واهدني ويسِّرِ الهدى لي وانصرني على من بغى عليَّ ربِّ اجعلني لكَ شاكرًا لكَ ذاكرًا لكَ راهبًا لكَ مطواعًا لكَ مخبتًا إليكَ أوَّاهًا منيبًا ربِّ تقبَّل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبِّت حجَّتي وسدِّد لساني واهدِ قلبي واسلُلْ سَخِيمةَ صدري }
(أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه)
| أي وامحُ إثمي (واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبِّت حجَّتي وسدِّد لساني واهدِ قلبي واسلُلْ سَخِيمةَ صدري). |
| (واسلُلْ سَخِيمةَ صدري) أي غِشَّه، وغِلَّه، وحِقده، وكل ما فيه مما يُمرضه، انزعه يا ربّ، (واسلُلْ سَخِيمةَ صدري) وكان يكثر أن يقول: |
{ قُلتُ لأمِّ سلمةَ: يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ، فتلا معاذٌ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }
(صحيح الترمذي)
| الدُعاء هو أول مفتاحٍ للقلب السليم. |
ثانياً الإقبال على القرآن:
| الثاني الإقبال على القرآن، القرآن هو الشفاء للقلوب أيُّها الكرام، أما قلتُ في بداية الخُطبة، مَن كان يشعُر بمرضٍ في قلب جسده فليذهب إلى الطبيب، ومَن كان يشعُر بمرضٍ في قلب نفسه فليذهب إلى الطبيب، أين الطبيب والعلاج؟ كتاب الله تعالى، حُسنُ تلاوة كتاب الله، لا ينبغي أن يمضي يومٌ دون حِصةٍ مع كتاب الله تعالى، قال تعالى: |
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57)(سورة يونس)
| شفاء القلب في كتاب الله تعالى (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ). |
ثالثاً مُجالسة الصالحين:
| الثالثة والأخيرة: مُجالسة الصالحين، فمُجالسة أهل الصلاح تجعل القلب سليماً، لأنَّ الإنسان يعتاد عادات مَن يُجالسهم، فإذا جالس أهل الكذب والزور والبُهتان، امتلأ قلبه سواداً، وامتلأ قلبه بُعداً عن الخير، أمّا إذا جالس أهل الصلاح والعِلم والخير، فإن قلبه يمتلئ بياضاً ونوراً، يرى به الحقّ حقَّاً والباطل باطلاً. |
| أيُّها الكرام: فلنُراقِب قلوبنا كما نُراقِب قلوب أجسادنا، ولنحرِص على نقائها، ولنحذَر من أن يتسلَّل إليها مرضٌ أو آفةٌ خطيرةٌ تكون نهايتها وخيمةً نسأل الله العافية. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم فارِج الهم كاشِف الغم، مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك. |
| اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المُسلمين فيما جرَت به التقادير ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير. |
| اللهم إنّا نسألك لأهلنا في غزَّة فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين. |
| اللهم إنّا نسألك لأهلنا في كل مكانٍ فرجاً عاجلاً يا كريم. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في كل ذلك عملاً مُتقبَّلاً وسهماً صالحاً يا أكرم الأكرمين، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدهُم في سِرٍّ أو عَلَن. |
| نسألك اللهم لبلادنا أمناً وأماناً ورخاءً، وأن يكون مُستظِلاً بكتابك وبسُنَّة نبيِّك صلى الله عليه وسلم، وأن توفِّق القائمين عليه للعمل بكتابك وبما فيه مرضاتك، والحمد لله ربِّ العالمين. |

