253- الأمة المسلمة من الركود إلى الشهود
253- الأمة المسلمة من الركود إلى الشهود
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الأحباب: منذ مئة عامٍ تقريباً، وأُمة الإسلام قد دخلت مع غيرها من الأُمم، ضمن مشروعٍ كبير اصطُلِحَ على تسميته العولمة، وبِغضِّ النظر عن تعريفات العولمة المُتعددة، وهذا المُصطلَح برزَ في بداية القرن العشرين، من تعريفاتها مثلاً: أنها جعل الشيء عالمياً أو دولياً، الشيء المحلي يُصبِح عالمياً عولمة، أو دولياً في الانتشار في مداه أو في تطبيقه، مع إزاحة الأسوار بين الدوَل، عولمة، هذا ما يُعرِّفونه بها. |
التعريف الحقيقي للعولمة:
| لكن بِغضِّ النظر عن التعريفات المُتعددة للعولمة، فإن التعريف الحقيقي على أرض الواقع وليس النظري لهذا المُصطلَح، فإنَّ العولمة تعني: أن تذوب جميع الهويات والثقافات للشعوب، وعلى رأسها الشعوب المُسلمة، أن تذوب جميع الهويات والثقافات في بوتقةٍ واحدة، لصالح النموذج الغربي المُهيمِن، فالعولمة تعني نموذجاً واحداً يقتدي به الجميع، ويتأثر به الجميع في الفكر، في السياسة، في الاقتصاد، في السلوك، حتى في القِيَم، القِيَم التي هي جوهَر الحياة تُصاب بلوثة العولمة. |
| فما يرتضيه الغرب يرتضيه الآخرون، وما يعيش عليه الغرب يعيش عليه الآخرون، هذه هي العولمة في حقيقتها، أن نُفكِّر جميعاً، كل الشعوب بما فيها المُسلمون الذين يملكون وحي السماء، أن يُفكِّر الجميع ضمن قالبٍ واحد، ومساحةٍ واحدة، لا يخرجون عنها، حتى إذا أردت اليوم أن تُنشِئ نظاماً سياسياً -ديمقراطية إسلامية، اقتصاد إسلامي- فهي محاولاتٌ مُستمرة لتقليد الغرب، ومُحاولة مُواءَمته مع الإسلام، هذه مُصيبة العولمة. |
أُمة الإسلام وقعت في فَخ العولمة بدافع الانبهار أو الاضطرار:
| أيُّها الإخوة الكرام: أُمة الإسلام وقعَت في هذا الفَخ، في الدخول في العولمة، بدافع الانبهار أو الاضطرار. |
دافع الانبهار:
| الانبهار لأنَّ الغرب - ولا نُنكِر ذلك - طرَحَ قِيَماً في العدالة، في حقوق الإنسان، في الحُريَّات، جذبَت أعيُن الناس لاسيما الشباب، طرَحَ قيَماً جديدة، يُحقِّق العدالة، حقوق الإنسان، حتى حقوق الحيوان، فأصبح هناك انبهارٌ، العالَم مُتَّجِهٌ إلى هذا النموذج، باعتباره خلاصاً بعد أن أُصيبَت الأُمة بنكباتٍ مُتعددة، فوجدوا فيه الخلاص، انبهروا. |
دافع الاضطرار:
| أمّا الاضطرار فبحُكم الإكراهات السياسية والواقعية، لأنَّ القوي دائماً يفرض شروطه على الضعيف، بالإكراه، بحُكم المال الذي يمتلكه، بحُكم السُلطة التي يُديرها، بحُكم النفوذ الذي أصبح له، إذاً بالانبهار حيناً وبالاضطرار حيناً آخر، وقعَت الأُمة الإسلامية في هذا الفَخ، لا أقول الأفراد فهناك أفرادٌ كُثرٌ واعون، لم يتأثروا، حافظوا على دينهم، على قيَمِهم، حافظوا على اعتزازهم بهويتهم، لكن الأُمة بالعموم وقعَت في هذا الفَخ، ولا نُنكِر ذلك. |
اليوم خَفَتَ بريق الغرب لتوحشهم وعجزهم عن حلّ المُشكلات:
| اليوم ولله الحمد قد خَفَتَ بريق هذا النموذج، وأعتقد أنكم جميعاً تلاحظون ذلك، خَفَتَ بريق هذا النموذج الغربي لسببين: |
| أولاً: لظهور عجزه عن حل المُشكلات، اليوم الغرب لا يستطيع تقديم حلٍّ للمُشكلات، فهو غارقٌ في مُشكلاته، أنت تطرَح قيَماً في الحُريَّات، في العدالة، أين الحُريَّات والعدالة؟! العالَم يزداد يوماً بعد يومٍ ظُلماً ومآسٍ، ولا يستطيع أحدٌ أن يحُلَّ هذه المُشكلات، إذاً قيَمكَ في واد وواقعكَ في وادٍ آخر. |
| والسبب الثاني: هو ما ظهر من التوحُّش غير المسبوق لهذا النموذج الغربي، ضد كل مَن يقول لمشروعه لا، وليست الحرب الأخيرة في غزَّة بخافيةٍ عليكم، حرب إبادةٍ بكل معنى الكلمة، لأنَّ هناك ثُلَّةً مُرابطةً قالت لمشروعهم لا، لن نستسلم. |
| توحشهم من جهة، وعجزهُم عن حلّ المُشكلات من جهةٍ أُخرى، خَفَتَ بريق هذا النموذج، لا أقول أُلغي، العبارة دقيقة، خَفَتَ هذا البريق، إذاً الفُرصة مواتيةٌ لأُمة الإسلام، لأنها تحمِل قيَماً حضاريةً حقيقيةً قادرةً على حلّ المُشكلات، ولأنَّ أُمة الإسلام بعيدةٌ عن التوحُّش والظُلم، يحكمها في ذلك القيَم الأصيلة التي هي وحيُ السماء. |
أُمة الإسلام جاهزةٌ الآن لتنتقل من حالة الركود إلى حالة الشهود:
| إذاً أُمة الإسلام جاهزةٌ الآن لتنتقل من حالة الركود إلى حالة الشهود، قال تعالى: |
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(143)(سورة البقرة)
| نحن الأُمة الشاهدة، سنشهد على الناس يوم القيامة، بأنَّ الله بلَّغ الرسالة إلى الأقوام، وبأنَّ الأنبياء بلَّغوا الرسالة إلى الأقوام، لكن كيف نشهَد هذا الشهود إن لم نكُن نحن اليوم على قدر المسؤولية؟ إن لم نكُن أُمةً شاهدةً على الخَلق، بالعدل، بالإنصاف، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المُنكَر، بإحقاق الحقّ، بإبطال الباطل (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا). |
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)(سورة آل عمران)
| أيُّها الإخوة الكرام: لماذا الوقت الآن مناسبٌ جداً؟ وكيف ننتقل من الركود إلى الشهود؟ وماذا لو لم نفعل؟ ماذا لو بقينا في أماكننا ولم نتحرك؟ أسئلةٌ ثلاثة: لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو؟ |
لماذا الآن الوقت مناسب لتنتقل أمة الإسلام من الركود إلى الشهود؟
| لماذا الوقت مناسب؟ لأنَّ الساحة لا تقبَل الفراغ، والغرب كما أسلفتْ بدأ يتراجَع قيميَّاً وحضارياً، مِصداقاً لقوله تعالى: |
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)(سورة الإسراء)
| ألفُ باطلٍ يَزهَق، وباطلٌ مهما بلغَ مداه يَزهَق (زَهُوقًا) مبالغة اسم فاعل، مهما تعدَّدت أنواع الباطل فهي زائلة، ومهما انتفش باطلٌ في الأرض فهو زائل، رُبما يقول أحدكم: هذا تفاؤلٌ مُفرِط! فالوضع مأساوي، والعالَم يزداد شراسةً في الحرب علينا، وفي الهجمة على أُمتنا، وفي الهمجية في التعامُل معنا. |
| أقول: إنَّ أشدَّ ساعات الليل حُلكةً، هي تلك التي تسبِق بزوغ الفجر، وهذه سُنَّةٌ من سُنَن الله تعالى في الخَلق، ألم تقرؤوا قوله تعالى: |
حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(110)(سورة يوسف)
| ألم تقرؤوا قوله تعالى: |
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)(سورة البقرة)
| (أَلَا) مؤكِّد، أداة استفتاح للتوكيد، (إِنَّ) مؤكِّد، الجملة الاسمية مؤكِّد (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). |
النموذج الغربي المُهيمِن يترنَّح اليوم باعتراف مُنظّريه ومُفكّريه:
| أيُّها الإخوة الأحباب: النموذج الغربي المُهيمِن يترنَّح اليوم باعتراف مُنظّريه ومُفكّريه. |
| في كتاب "موت الغرب" الذي صَدَرَ عام ألفين وواحد، لسياسيٍ ومُفكِّرٍ أمريكيٍ كبير، مؤلِّف لعشرات الكتُب، يقول: "قرَّر الإنسان الغربي، أنه يستطيع عصيان الله دون عواقب، وأن يُصبِح إلهاً يدور الكون حوله"، جعل نفسه مركز الكون، وكأنه جعل نفسه آلهةً، ويقول: "يبدو أنَّ مذهب المُتعة الجديد غير قادرٍ على إعطاء الناس سبباً للاستمرار في العيش"، مذهب المُتعة الجديد، أن تُمتِّع الإنسان، أن تستهدف المُتعة له، غير قادرٍ على أن يمنَح الإنسان أسباباً ليستمر في عيشه، ويتحدَّث في كتابه عن الموت الأخلاقي، يتحدَّث عن أنواعٍ من موت الغرب، لكن يتحدَّث عن الموت الأخلاقي بإسهابٍ، المُتعلِّق بانهيار الأُسرة، وانحسار الأعراف، والأخلاق الدينية، وعن العلاقات الآثمة خارج الزواج، وعن تشجيع الشذوذ، وعن الإجهاض، وعن غير ذلك كثير لا يتَّسِع المقام لذِكره. |
لا يمكن المُقارنة بين ما نُعانيه من مُشكلات الموت الأخلاقي وما يُعانيه الغرب:
| وقد تقول لي: ونحن نُعاني من هذه المُشكلات، أقول: أولاً لا يمكن المُقارنة بين ما نُعانيه من مُشكلات الموت الأخلاقي وما يُعانونه، فنحن مازال لدينا دينٌ نعتز به، ومازالت لنا قيَمٌ نُفاخِر بها، صحيحٌ أنَّ هناك مُشكلاتٌ لا يُنكرها عاقلٌ، لكن فرقٌ بين أن تكون المُشكلة عندك والحل بين يديك، أو أن تكون المُشكلة عندك والحل غائبٌ عنك، فنحن عندنا مُشكلات، لكن لا تُقارَن بما عندهم. |
| مَثَلٌ بسيطٌ جداً مُنتَزعٌ من واقعنا السوري، وأنا لا أُحب الإفراط في التفاؤل، ويعرف ذلك مَن يعرفني، لكن مَثَلٌ مُنتَزعٌ من الواقع: سقط النظام المُجرم، وبقيَت سورية في مُعظم أرجائها أياماً دون دولةٍ تقوم على شؤونها، ودون مراكز شرطة، ودون مراكز أمنيةٍ، والحالات التي حصلَ فيها سرقةً للبيوت، بعد زوال المُجرمين طبعاً، كانت قليلةً جداً، إن لم تكن نادرةً، حافظنا على مُجتمعنا، بتآلفنا، بتماسكنا، كل أهل حيٍّ حافظوا على حيِّهم، ورأيتم بأُمِّ أعينكم قبل أسبوعين، ما جرى من عمليات نهبٍ وسلبٍ تُقدَّر بمليارات اليوروهات في فرنسا، رغم وجود الدولة القوية التي لا تُقارَن قوَّتها بدولتنا، فمجتمعاتنا تُعاني ما تعاني، لكن أن يُقال إنَّ الإسلام لم يؤثِّر فيها، وإنَّ الإسلام لم يُقوِّم سلوكها، وأنَّ هذه المساجد التي تُخرِّج رجالاً وشباباً ونساءً وأطفالاً على مدار سنواتٍ لم تفعل شيئاً، فهذا ظُلمٌ وإجحاف، نُعاني مُشكلاتٍ نعم، لكن الحلَّ بأيدينا ونستطيع أن نتجاوز المُشكلة، هذه هي ميزتنا إن شاء لله. |
كيف ننتقل من الركود إلى الشهود؟
| أيُّها الإخوة الكرام: السؤال الثاني كيف؟ السؤال الأول لماذا؟ الثاني كيف؟ وهو الأهم، دائماً في أي موضوعٍ أهمُّ سؤالٍ هو كيف؟ ماذا أفعل؟ كيف ننتقل من الركود إلى الشهود؟ نحن في حالة ركودٍ الآن، لسنا أُمةً شاهدة، وهذا واقعٌ مرير، والحقيقة المُرَّة خيرٌ ألف مرَّةٍ من الوهم المريح، لكن كيف ننتقل من الركود إلى الشهود؟ الشهود الحضاري، الشهود القيَمي، الشهود الأخلاقي. |
| أراد الله لأُمتنا أن تكون فاعلةً لا مُنفعلةً، شاهدةً مُهيمنةً تنشُر الخير لا مُهيمناً عليها (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). |
أُمتنا فيها أربعة خصائصٍ أساسية إن أحسنّا استخدامها كُنّا شهوداً على الأمم من جديد:
| أُمتنا أيُّها الكرام فيها أربعة خصائصٍ أساسية، إن أحسنّا استخدامها واستعمالها، كُنّا شهوداً على الأمم من جديد. |
الخصيصة الأولى أنها أُمةٌ ربّانية:
| الأول أنها أُمةٌ ربّانية. |
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)(سورة المائدة)
| هل نُدرِك عَظَمة أننا من أُمة الوحي؟ أننا أُمةٌ لها منهجٌ لا يحتاج لا إلى تعديلٍ ولا إلى تطوير، منهجٌ من خالق الكون، نحن ربّانيون. |
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79)(سورة آل عمران)
| هل نُدرِك عَظَمة ما بين أيدينا؟ هذه هي الخصيصة الأولى، ربّانية المَصدَر، هذه الآية يهود فهموا عَظَمتها، فقالوا لسيدنا عمر كما في الصحيح: |
{ جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهودِ إلى عُمَرَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، آيةٌ في كِتابِكُم تَقرَؤونَها، لو علينا نَزَلَت - مَعشَرَ اليَهودِ - لاتَّخَذنا ذلك اليومَ عيدًا، قال: وأيُّ آيةٍ؟ قال: {اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم وأتمَمتُ علَيكُم نِعمَتي ورَضيتُ لَكُمُ الإسلامَ دينًا}، فقال عُمَرُ: إنِّي لأعلَمُ اليومَ الذي نَزَلَت فيه، والمَكانَ الذي نَزَلَت فيه، نَزَلَت على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَرَفاتٍ في يَومِ جُمُعةٍ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| يهود فهموا عَظَمتها، ومُفكِّرون مُسلمون اليوم - بين قوسين - لم يفهموا عَظَمتها، فيُحاولون أن يُطوِّعوا النصوص، وأن يُؤوِلوها، وأن يتلاعبوا فيها، وأن يلووا عُنقها لصالح الغرب، يُحاولون أن يُلغوا منها ما يستطيعون إلغاؤه، وأن يعبثوا بما يستطيعون العبَث به، ويهود فهموا أنها آيةٌ عظيمةٌ لأُمة الإسلام، (فقال عُمَرُ: إنِّي لأعلَمُ اليومَ الذي نَزَلَت فيه، والمَكانَ الذي نَزَلَت فيه، نَزَلَت على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَرَفاتٍ في يَومِ جُمُعةٍ) فأول صفةٍ لهذه الأُمة أنها ربّانية. |
الخصيصة الثانية أنها وسطيّة:
| الصفة الثانية أنها وسطيّة: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) والوسط هو العدل، وسطٌ في الاعتقاد والتصوُّر بين عالَم الشهادة وعالَم الغيب، وسطٌ في الأفكار والمشاعر، وسطٌ في الشعائر والتعبُّد، وسطٌ في النظُم والتشريع، وسطٌ في الأخلاق والسلوك، وهذا موضوعٌ طويل يمكن أن نتحدَّث عنه في خُطبةٍ خاصة، نحن أُمة الوسط. |
الخصيصة الثالثة أننا أُمة دعوة:
| والثالثة أننا أُمة دعوة: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ما عِلَّة الخيرية؟ (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) بينما وصف الله أقواماً آخرين: |
كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)(سورة المائدة)
| لا يتناهون، نحن نتناهى عن مُنكرٍ فعلناه، نقول: هذا لا يصحّ، هذا لا يجوز، هذا حرام، نُعزِّز الحلال ونوهِّن الحرام، هذه الأُمة أمة دعوة، ندعو إلى الله: |
قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(108)(سورة يوسف)
الخصيصة الرابعة أننا أُمة الجسد الواحد:
| والرابعة: أننا أُمةٌ واحدة، أُمة الجسد الواحد: |
إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(92)(سورة الأنبياء)
| فهل نُحقِّق ذلك في واقعنا، أُمةٌ واحدة على اختلاف مدارسنا ومشاربنا، لكننا أُمةٌ واحدة. |
| أيُّها الإخوة الكرام: هذه الأمور الأربعة: الربّانيّة، والوسطيّة، وأُمة الدعوة، وأُمة الجسد الواحد، هي أربع خصائص لهذه الأُمة المُحمدية، لو فهمنا أننا ربّانيون: |
إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)(سورة الإسراء)
هل نحن موقنون بأنَّ قرآننا يهدي للتي هي أقوَم؟
| بربِّكم أيُّها الكرام: على المستوى النظري، وعلى المستوى التطبيقي، هل نحن موقنون بأنَّ قرآننا يهدي للتي هي أقوَم؟ أم مازالت قلوبنا مُتعلقةً بمناهج الأرض؟ يقول لك: يا أخي عندهم القانون قوي، يا أخي استطاعوا أن يفعلوا، يا أخي الديمقراطية الغربية حالةٌ فريدة، يا أخي النظام الاقتصادي الذي بنوه حقَّق الرفاه لشعوبهم، على المستوى النظري هل نحن موقنون أنَّ القرآن هو الذي يهدي للتي هي أقوَم؟ أقوَم في الاقتصاد، أقوَم في السياسة، أقوَم في السلوك، أقوَم في الأفكار، أقوَم في المشاعر، ثم على مستوى التطبيق، إذا وقعت في مُشكلةٍ، في ورطةٍ، أين تتجه؟ أين تقصد؟ مَن تسأل؟ هل تسأل القرآن أم تسأل المناهج الوضعية؟ هذه الربّانية، أن نؤمن اعتزازاً وتطبيقاً. |
الربّانية أن نؤمن اعتزازاً وتطبيقاً:
| الاعتزاز: هذا لا ينبغي أن يكون فيه قيد أُنمُلةٍ حيادٌ عن المبدأ أبداً. |
| التطبيق: قد تقول لي: أنا لا أستطيع اليوم أن أُطبِّق نظاماً اقتصادياً إسلامياً، لكنني مؤمنٌ بأقوَميَّته بأنه الأقوَم، في التطبيق كلٌّ يُطبِّق وفقَ ما يستطيع، لكن في الفِكر يجب أن نؤمن بأنَّ القرآن يهدي للتي هي أقوَم. |
| والأُمةُ وسطيةٌ، طبعاً الوسطية بالمعنى بأنها وسطٌ كما قلنا في أفكارها، في اعتقاداتها، في مشاعرها، في نُظمها، لكن ليست الوسطية التي تُطرَح اليوم، اليوم الوسطية هي وسطيةٌ بين الكُفر والإيمان، هذا الذي يُطرَح، بين النموذج الغربي والنموذج الإسلامي، هذا ما يُطرَح في الإعلام، هذه ليست وسطيةٌ هذا تطرُّفٌ. |
الأُمة الإسلامية حورِبَت بثلاثة أنواعٍ:
| أحبابنا الكرام: الأُمة الإسلامية حورِبَت بثلاثة أنواعٍ، كل الحروب التي جرت على الأُمة الإسلامية كانت ثلاثة أنواعٍ. |
| النوع الأول: هو القوة العسكرية الاحتلال، أيام الاستدمار الفرنسي تعرفونه، في سورية وفي الجزائر وفي غيرها، هذه قوةٌ عسكرية دخلت واحتلَّت الأرض، هذه تقريباً إلى حدٍّ ما انقضى عهدها، وإن كان اليوم الصهاينة يُريدون أن يُعيدوا ذلك العهد. |
| تعرَّضَت لحربٍ أُخرى قويةٍ وهي الحرب الثقافية، وهذه التي سمَّيناها العولمة، أن ينشروا ثقافتهم وانحلالهم وكل ما عندهم في بلادنا. |
| لكن الحرب الثالثة التي يفعلونها اليوم هي الأخطر، وهي تفجير الدين من الداخل، العبَث بالدين، اليوم الغرب ويُعاونه مَن يُسمَّون المُفكِّرون في الشرق، ويُرفَعون في الإعلام على تفجير الدين من الداخل، وهذه أعظمُ مُصيبةٍ، لكن لم يبقَ أمامهم ورقةٌ، الحروب العسكرية فشِلت وخرجوا صاغرين، العولمة والثقافة استطاعت أن تفعل شيئاً، لكن على الرغم من كل هذه السنوات، ما نزال نحن في المسجد اليوم، في مساجدنا ما نزال حتى الآن، ما نزال نُرسل أبناءنا إلى المساجد، ما نزال قائمين بديننا، لم تُفلِح معنا المُحاولات لثَنّينا عن ديننا. |
لم يبقَ عند أعدائنا إلا الورقة الثالثة وهي العبَث بالدين من الداخل:
| وكنت أقول وقلتها وأُعيدها: ليس العَجَب من شِدّة الهجمة، العَجَب من أننا مازلنا موجودين حتى الآن رغم كل هذا التآمُر، بقيَ عندهم الورقة الثالثة، وهي العبَث بالدين من الداخل، التأويل، لَيّ عنُق النصوص، نُريد ديناً جديداً يجمَع الجميع، نُريد باسم التعايُش، باسم السلام، باسم، باسم.. بأسماءٍ برَّاقةٍ كثيرة، أن يُقنعونا بأنَّ ديننا ليس قادراً على أن يكون أقوَم لحياتنا، وسيفشلون، ليس تفاؤلاً نابعاً منّي شخصياً، ولكنه من القرآن الكريم، لأنَّ الله تعالى قال: |
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)(سورة الحجر)
يجب أن نقوم بواجب الدعوة كلٌّ في موقعه:
| فلن يُفلحوا، لكن أين موقعنا نحن؟ فالأُمة ربّانيةٌ، وسطيةٌ، والأُمة أُمة دعوةٍ، ويجب أن نقوم بواجب الدعوة كلٌّ في موقعه، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ بلِّغوا عنِّي ولو آيةً وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَهُ من النَّارِ }
(أخرجه البخاري)
| (بلِّغوا) تكليف، نحن مُكلَّفون بالتبليغ أيُّها الكرام، فمَن تركَ التبليغ تركَ تكليفاً. |
| (عنِّي) تشريف، فنحن مُشرَّفون بأننا نُبلِّغ عن رسول الله، وشرَف المُبلِّغ من شرف المُبلَّغ عنه. |
| (ولو آيةً) تخفيف، فخفَّف عنّا، قد لا تستطيع أن تكون داعيةً وتُفرِّغ وقتك للدعوة إلى الله، لكنك تستطيع أن تُبلِّغ آيةً، (بلِّغوا) تكليف، (عنِّي) تشريف، (ولو آيةً) تخفيف. |
| ونحن أُمةٌ واحدة، لكن واقعنا اليوم في هذه المسألة، يُشير إلى أننا لا نرتضي هذه التسمية العظيمة من أبي الأنبياء إبراهيم: |
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)(سورة الحج)
| أو من الله كما في بعض التفاسير (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) وإنما نحاول أن نتقوقَع دائماً حول أفكارنا، وجماعتنا، ومشايخنا، ومدارسنا، بدلاً من أن ننتمي لمجموع المُسلمين. |
نحن بحاجةٍ إلى نفير الدعوة اليوم حتى يُهيّأ لنا نفير الجهاد:
| أيُّها الإخوة الكرام: نحن بحاجةٍ اليوم إلى نفرةٍ، أن ننفِر، في الجهاد قال تعالى: |
انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(41)(سورة التوبة)
| وفي الدعوة، النفير في الجهاد وفي الدعوة، نحن بحاجةٍ إلى نفير الدعوة اليوم، حتى يُهيّأ لنا نفير الجهاد إن شاء الله. |
| وقال في الدعوة: |
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)(سورة التوبة)
| ننفِر لنتفقَّه في ديننا، ليس الفقه هو فقط يجوز ولا يجوز، ليس الفقه هو الأحكام التفصيلية فقط، هذا نوعٌ من أنواع الفقه مُهمٌ، لكن أن نفقَه حقيقة ديننا، أن نفقَه الدين على حقيقته، التاجر يفهَم الدين على حقيقته، يفهمه إحسانٌ إلى الناس، يفهمه بَذل الخير، يفهمه النُصح للمسلمين، المحامي يفهَم الدين إحقاقاً للحقّ وإبطالاً للباطل، المُعلِّم يفهَم الدين أمانةً في رقبته لتربية هذا الجيل، الأب يفهَم الدين أنه مسؤوليةٌ تَلزَمه تُجاه أولاده، والأم تفهَم الدين أنها مسؤوليةٌ تُجاه أولادها وبناتها، عِفَّتهُم، وطهارتهُم، وحِجابهُم، (لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) لنفقَه حقيقة الدين أنه يرفعنا (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). |
ماذا لو لم نفعل لنقل حالتنا من الركود إلى الشهود؟
| باختصارٍ السؤال الثالث: ماذا لو لم نفعل؟ لو أننا تركنا اليوم حالتنا في الركود دون أن نسعى لنقلها إلى الشهود، القافلة ستسير، والله تعالى سينصُر دينه، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، لكن نحن نكون قد تخلَّفنا عن الركوب فيها، نحن نكون قد حرمنا أنفسنا خيراً، أن نكون جُزءاً من نهضة الأُمة القادمة، التي نستشرفها اليوم، قد نُدركها وقد يُدركها أولادنا، لكننا موقنون بأنها قادمة، وحسبُنا أن نكون في الطريق، فلو لم نفعل فحاشا لله ألّا يفعل، فهو ناصرٌ دينه بنا أو بغيرنا، لكن نحن نكون قد تَخلَّفنا عن الركب وأضررنا بأنفسنا. |
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130)(سورة البقرة)
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
نحن أُمة الجسد الواحد نتألم لألم بعضنا ونفرح لفرح بعضنا:
| أيُّها الإخوة الأحباب: آلَمنا أشدَّ الألم ما جرى في درعا، من قصفٍ أودى بحياة مجموعةٍ من أهلنا، ونحن كما قلت في الخُطبة الأولى، أُمة الجسد الواحد، نتألم لألم بعضنا، ونفرح لفرح بعضنا، نسأل الله أن يرحم مَن فَقدْنا، وأن يُلهِم أهلهم وأحبابهم الصبر، وأن يجعل الأطفال فرطاً وذُخراً لوالديهم عند الحوض. |
| أيُّها الإخوة الكرام: كانت التبرُّعات اليوم في مساجد دمشق، لصيانة وترميم المساجد ضمن مدينة دمشق، أمس زارَ وفدٌ من أوقاف دمشق منطقة اللجاة في درعا، وقرية الطفّ تحديداً، التي صار فيها ما حدث، فشكا أهلها، وانظروا كما قلت في الخُطبة الأولى، أننا أُمةٌ تغفو لكنها لا تنام، وأنها أُمةٌ لا يمكن أن تنام نوماً مُستمِرّاً، نحن أُمةٌ لا تموت. |
| فما كان من أهل اللجاة إلا أن طلبوا طلباً واحداً، قال: مساجدنا دمَّرتها العصابة المُجرمة كلها، ليس هناك مسجدٌ في منطقة اللجاة كلها، فلو تُرمِّمون لنا مسجداً واحداً نُقيم فيه صلواتنا، هذا ما نُريده، وهُم في فاجعتهم، وهُم في ألمهم، ما الذي تُريدونه؟ ديَّات؟ قالوا: نُريد مسجداً واحداً نُقيم فيه صلواتنا، حتى لا نُحرَم هذا الخير العظيم، هذه أُمة الإسلام، تُقيم مساجدها قبل أن تُرمِّم بيوتها. |
| فأيُّها الإخوة الكرام: تحوَّلت التبرُّعات من أن نُرمِّم مساجد دمشق العامرة بفضل الله ورحمته، إلى أن تكون التبرُّعات اليوم في مساجد دمشق، الأولوية فيها لبناء مسجدٍ في منطقة اللجاة يُسمّى مسجد أهل الشام، فأرجو الله تعالى أن يُلهمنا جميعاً التبرُّع بسخاءٍ اليوم، لإعمار مسجدٍ في اللجاة يُسمّى مسجد أهل الشام. |
الدعاء:
| اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلك الحمدُ على ما قضيت، ولك الشُكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك. |
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك. |
| اللهم أهلنا في غزَّة، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم يا أرحم الراحمين اجبُر كسرهم، واجبُر ضعفهم، وأطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا. |
| اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين في كل مكانٍ عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم ارحم شُهداءنا واشفِ جرحانا وعافِ مُبتلانا. |
| اللهم اجعل بلادنا وبلاد المسلمين أمناً سخاءً رخاءً، ووفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

