• محاضرة بعنوان
  • 2025-02-17
  • سورية - دمشق

الحب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وأُصلِّي وأُسلِّم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الأحباب: كلمةٌ تدور حولها الحياة، مؤلفةٌ من حرفين، ولكن هذه الكلمة على صِغَر حروفها، لها أهميةٌ كُبرى في ديننا وفي حياتنا، إلا أنَّ بعض المُتخلِّفين في العصور المُتخلِّفة، اقتصروها على جانبٍ مُعيَّن فأفسدوها، الكلمة هي كلمة الحُب.
الحُبُّ ميلٌ قلبي، يميل الإنسان إلى الشيء فيُحبه، يُحبُّ الله يميل إليه، المَيل هو الحُبّ، مَيل النفس إلى الشيء يُسمّى حُبَّاً، والحُبّ فيه صفاء، وفيه رُقيّ، مِن حَبَب الأسنان أي صفاؤها، فالحُبّ في الأصل فيه صفاء الروح، وفيه نقاء السريرة، لكن بعض الناس نقلوه من هذا المعنى الجميل، إلى معنى الإثم، في أن يتجه الإنسان إلى الشهوة المُحرَّمة، خارج إطار الزواج، فيُحب دون زواج، أو يجعل الحُبَّ في زعمه أساساً للزواج، أو يقع في المُحرَّمات بدعوى الحُب، وهذه مشكلة، ولا بُدَّ بين الحين والآخر، أن نؤصِّل لهذه المصطلحات، حتى يبقى الناس على بينةٍ من أمرهم، ما هو الحُب في حقيقته؟ وكيف يُفلسِف الإسلام الحُبَّ؟ وكيف يرعاه؟ وكيف يحضُّ عليه ويحثُّ عليه.

ما هو الحُبّ في الإسلام؟
كما قلت الحُب هو المَيل، والوداد والودّ هو الفعل، والله تعالى عندما ذكر العلاقة بين الزوجين قال:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)
(سورة الروم)

ولمّا جاء رجُلٌ إلى سيدنا عمر يشكو زوجته أو يريد تطليقها، فقال له: لا أُحبُها، فقال له: ويحَك أَوَكل البيوت تُبنى على الحُب؟!
يعني أحياناً قد لا يكون الحُبُّ موجوداً، لكن الله تعالى جعل بين الزوجين الرحمة، فليست كل علاقةٍ بين زوجين تستمر، بأنه يُحبُّها وهي تُحبُّه، وإن كان الحُب أصلاً ومطلوباً، لكن البيوت أُنشئت لتبقى، وأُنشئت لتستمر، وليكون منها الخير الطيِّب الكثير، فقد تُبنى بالمودة أو الرحمة.
المودة أو الودّ هو التعبير عن الحُب، يعني عندما يمتلئ قلب الإنسان بالحُب، يُعبِّر للآخرين عن حُبِّه بالمودة، الحُبُّ لا يُرى، لكن تُرى آثاره، آثاره هي المودة، يعني أحياناً تنظر إلى إنسانٍ ينظر إلى صديقه، فتقول نظراته تَشعُ حُبَّاً، هذه المودة، ينظر إليه بمودة، أو جاء له بهديةٍ، فتقول: هناك محبَّةٌ حتى جاء له بالهدية، أو ابتسم في وجهه، الابتسامة والهدية وكلمة أُحبُك، والتعبير بالعيون عن الحُب، هذا يُسمّى الودّ، أو الوداد، قال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا(96)
(سورة مريم)

قال علماء التفسير: سيجعل لهم ودّاً فيما بينهم وبينه أولاً، يعني في مودة بينه وبين الله، يُعبِّر عنها بالدعاء، بالمناجاة، بالذِكر، بالعمل الصالح، بالصدقة، الصدقة هي ودٌّ من العبد إلى الله، والسكينة هي ودٌّ من الله إلى العبد، أنت رأيت فقيراً، والفقير عبدٌ لله، فأعطيته مبلغاً من المال كفيته حاجته، هذا ودادٌ منك لله تعالى، لأنَّ هذه الصدقة دفعتها لوجه الله، حُبّاً في الله، الآن ربنا عزَّ وجل يتجلى على قلبك بالسكينة، هذا ودُّ الله لك، يحفظ لك أولادك هذا ودُّ الله لك، يُيسِّر لك رزقاً في عملك هذا ودُّ الله لك، فأنت تتودد إليه بالعمل الصالح، وهو يتودد إليك بالحفظ، والتأييد، والتوفيق، والرعاية وما إلى هنالك، فهذا وداد بين العبد وربّه.
ثم قال: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) فيما بينهم، فأنا أُحبك، أُعبِّر عن هذا الحُب بالمودة، أبتسم في وجهك، أَسأل عنك، أَتصِل بك، أقول كيف الحال، إن شاء الله الأمور بخير، أنا اليوم دخلت، وقد كنت الأسبوع الماضي في وعكةٍ بسيطة ولله الحمد، عبّرتم عن ودادكم لي بالسؤال، جزاكم الله خيراً، هل تحسنت الصحة إن شاء الله؟ هذا وداد، أبو عوني جزاه الله خيراً جاء بضيافةٍ، الضيافة وداد، فقال: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) أي فيما بينهم، يُعبِّرون عن هذه المودة بهديةٍ، بضيافةٍ، بكلمةٍ طيبة.

الإعلان عن الحُب وداد والوداد مطلوب شرعاً:
فالحُب هو المَيل، والودّ هو ما يُعبِّر به الإنسان عن مَيله، لذلك ما يُقبَل في الإسلام أن تُبقي الحُب حبيساً في داخلك، هناك زوج يقول لك والله أنا أُحبُّ زوجتي، فتسأله: هل أخبرتها؟ فيقول لك: والله هذه القصص أجدها تمسّ برجولتي! ما هذه أحبك؟! وهدية! وعلى عيد الفطر يُحضِر لها وردة! والله لا أجدها مناسبة، الرجُل يُعبِّر عن حُبّه بطريقته هو، الحُب عنده أنه إذا أكل طعاماً فاشتهى عائلته، فأتى لهم به، يقول لك حُب، الحُب أنه عندما مرض ابنه هو لم ينم، طبعاً هذا حُب، لكن المرأة تريد التعبير عن الحُب بلغتها هي لا بلُغتك أنت، تريد أن تترجمها لها بكلمة، أُحبك، طعامك طيب، ما شاء الله لباسك جميل، دخلت وقد أحضرت معك هدية، فالوداد هو التعبير عن الحُب، وهذا ما نفتقده كثيراً، هو الحُب الصامت أنا أُسمّيه، لذلك انظروا إلى قول النبي صلى الله عليه سلم:

{ إذا أحبَّ أحدُكمْ صاحِبَه فلْيأْتِه في مَنزِلِه، فلْيُخبِرْه أنَّهُ يُحِبُّه للهِ }

(أخرجه أحمد)

تتصل به بالهاتف، والأفضل تزوره بمنزله، إذا زرته في العيد تقول له أنا أُحبك في الله، يعني التعبير عن الحُب سُنَّة، وقال صلى الله عليه وسلم:

{ إذا أحب أحدكُم أخاهُ في اللهِ فليبيّنْ لهُ، فإنه خيرٌ في الألفةِ، وأبْقَى في المودّةِ }

(الألباني السلسلة الصحيحة)

يعني أبقى للوداد أن تُخبر أخاك أنك تُحبّه، تُبيِّن له، فتبقى المودة بينكم وتدوم الأُلفة، التآلف، هذه سُنَّة يفتقدها اليوم كثيرٌ من الأزواج أو من الأصدقاء، فينشأ بعض الجفاء رغم أنَّ الحُبَّ موجود، فالإعلام عن الحُب وداد، والوداد مطلوب، والله تعالى من أسمائه الحُسنى الودود، ربنا ودود، قال تعالى:

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180)
(سورة الأعراف)

ومن دعاء الله بأسمائه الحُسنى، أن تشتق من هذا الاسم نصيباً لك، فإذا كان الله ودوداً فكن ودوداً، هذا من معاني (فَادْعُوهُ بِهَا) وهناك معنىً بسيط لكلمة (فَادْعُوهُ بِهَا) موجود بالكتب كثيراً، يعني يا رحيم ارحمني، يا غفور اغفر لي، هذا صحيح طبعاً، ندعوا الله بأسمائه الحُسنى، لكن هناك معنىً عميق، وهو أنه (فَادْعُوهُ بِهَا) بمعنى أنك إذا أردت أن تتقرب إلى الله، فخذ نصيبك من هذا الاسم، فالغفور يغفر لك إذا غفرت للناس، أمّا أنت تريد من الله أن يغفر لك ذنوبك، وأنت لا تسامح أبداً، مشكلة! أنت تريد من الله أن يكون ودوداً معك، يرزقك، يُعطيك، يمنحك الأمن، السكينة، الزوجة، الولد الصالح، الطعام، الشراب، وأنت لا تتودد إلى خلقه بشيء، هذا (فَادْعُوهُ بِهَا) من معانيها.
فأحبابنا الكرام الحُب هو المَيل والودّ هو التعبير عن الحُب بالسلوك، وهو مطلوبٌ شرعاً.

الفرق بين الحُب في الله والحُب مع الله:
أيضاً من الآيات التي ورد فيها الحُب، قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)
(سورة البقرة)

بمعنى أنَّ بعض الناس يجعلون الحُبَّ مع الله وليس في الله، ما الفرق بين الحُب في الله والحُب مع الله؟ الحُب مع الله أن تُحب الله وتُحب فلاناً، فتُطيعه وتُطيع الله، بمعنى أنه أنا أُحب شريكي كثيراً، وأنا لا أُريد أن تفسُد العلاقة بيني وبينه، وهو ارتأى أن يأتي بشحنةٍ من المشروبات المُحرَّمة الخمور، وأنا لا أُريد أن تفسُد العلاقة، أُحبُّه، فسكتت له عنها وأنا شريكه، أنا الآن لا أُحبُّه في الله، أنا أُحبُّه مع الله، لأنني أُطيع الله في الصلاة مثلاً فأُصلّي، وأُطيعه في الخمر فأشتريها، ثم يقول لك هذه سأُخرِج أرباحها وحدها، لن آخذ من أرباحها شيئاً، هذا لا يصحّ! أنت شريك، لو أخرجت أرباحها:

{ يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقالَ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ قالَ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك }

(أخرجه مسلم والترمذي)

هذه لحالاتٍ نادرة، وليست لإنسانٍ يفعل الحرام ثم يقول لك: أتخلص منه، لا ينبغي أن تفعله، تقول له شركتي معك متوقفة على هذه الصفقة، إذا كنت مُصرّ على هذه الصفقة فلا شراكة بيننا، أنا لا آتي على اسمي بمادةٍ مُحرَّمة تضر بالناس، أو مادة مُحرَّمة شرعاً.
وهناك إنسان يُحب زوجته مع الله، يعني هي لها نمط في الحياة لا يُرضي الله تعالى، وهو يسكت لها، يقول لك لا أُريد أن أُخرِب العلاقة، لا، يجب أن تقول لها هذا لا يُرضي الله، لا أقبل به، قد يعصي الله من أجلها، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(14)
(سورة التغابن)


الحُب في الله عين التوحيد والحُب مع الله عين الشرك:
يعني قد يعصي الله من أجل ولده أو زوجته، فيأخذ قرض رِبوي ليُرضيها، ليُغيِّر لها البيت، فيُرابي ويقع في الرِبا، ويأخذ الفوائد، أو يدفع الفوائد ليُرضيها، فالحُب مع الله هو أن تطيع إنساناً فيما حرَّمه الله، هذا ليس حُبّاً في الله، هذا مع الله، لكن الحُب في الله، يعني أنك تُحبُني وأُحبك ما دُمنا على منهج الله، لكن إذا وقعت فيما يُسخط الله، تمسك بيدي وتقول لا يا أخي أنا أُحبك في الله، وهذا لا أقبله لك لأنه يُغضِب الله، أنا لا أقبل أن أجلس معك في سهرة تستمر إلى الليل، ثم تفوتنا صلاة المغرب، ثم نُصلّي المغرب قضاءً، والعشاء بعد منتصف الليل، لا أقبل أن نسهر على أساس أننا نُحب بعضنا، ولا نتواصى بالصلاة على وقتها مثلاً، وكما يقول ابن القيِّم "الحُب في الله عين التوحيد، والحُب مع الله عين الشرك"، مع الله شرك، في الله توحيد، في الله لأنني أُحب الله، فكل شيء يُقربني منه أُحبه، زوجتي في الله، ووالديَّ في الله

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)
(سورة لقمان)

لأنه الحُب في الله، الزوجة، الأولاد، العلماء، الصالحون، رسول الله نُحبُّه في الله، لكن لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم، لأنه رسول الله نُحبُّه، لكن أصل الحُب، فلسفة الحُب أنه رسول الله، إذاً الحُب في الله، كل الحُب الذي يُحبُّه المؤمن يُحبُّه في الله، فما كان لله فهو المتصل.
وقال تعالى:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9)
(سورة الحشر)

فامتدحهم المولى جلَّ جلاله فقال: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) يعني الأنصار مديحهم، صفتهم الأولى في مدح الله لهم، أنهم (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ).

من علامة الإيمان أن تُحب المؤمنين ومن علامة النفاق بغض المؤمنين:
ومن الأحاديث الواردة في الحُب أيُّها الكرام، قوله صلى الله عليه وسلم:

{ آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ }

(أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد)

يعني علامة إيمانك أنك تُحب المؤمنين، وعلامة نفاق المنافقين أنهم يُبغضون المؤمنين، هؤلاء الأنصار الذين نصروا رسول الله ووقفوا معه، واستقبلوا المهاجرين وأعطوهم نصف ما يملكون، ثم يُبغضهم؟! فقال: (آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ).
ويقول صلى الله عليه وسلم:

{ ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ. }

(أخرجه البخاري ومسلم)


بقدر إيمانك تستشعر حلاوة الإيمان:
أحبابنا الكرام: هناك حلاوة وهناك حقائق، حلاوة حقيقية يعني طعم حلو، وهناك حقائق للإيمان، الحقائق يعني (1 + 1 = 2) هذه حقيقة، لا يوجد إنسان يتذوق هذه المعلومة، لكن إذا كانت المسألة رياضية معقدة، طالب رياضيات والمسألة معقدة جداً، يعني ثلاثين أربعين طالب في الصف، ما استطاعوا أن يحلّوها، وجلس مساءً وحلّها، على الورق حقائق، لكن بعد أن ينتهي يشعر في قلبه بلذة بسعادة هذه حلاوة، يقول لك صار لي يومين سعيد لأني حللت المسألة، فالحقيقة شيء، والحلاوة هي شعورٌ يرافق هذه الحقيقة، فاليوم أنت تقول لي الله واحد هذه حقيقة، لكن بقدر إيمانك تستشعرها أحياناً بالواقع، ترى كيف ربنا هو الناصر، هو المُعين، هو المؤيِّد، فتراها بعينك فتشعر بحلاوتها.
يعني أحدهم يفتح على الفيس بوك، فيظهر له سيارة مرسيدس موديل 2025 رآها شيء مذهل، لكن هذه صور على الفيس بوك ليست واقع، ثم خرج وركب سيارته القديمة، لم يستمتع، لكن في أحد المرات ركب بها وأصبحت مِلكٌ له، هنا يركب ويشعر بحلاوتها وليس بحقائقها، ففرقٌ كبير بين الحقائق والحلاوة.
الإيمان له حقائق ونحفظ كثيراً منها، يعني اليوم المؤمنون لهم في حقائق الإيمان معلومات، كل إنسان بحسب دراسته، لكن كلٌّ منّا عنده هذه الحقائق، لكن من الذي يذوق حلاوة الإيمان؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ) كل الثلاثة مرتبطة بالحُب، وليس بالمعلومات.

عندما يمتلئ القلب بحُب الله ورسوله يذوق حلاوة الإيمان:
(أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِواهُما) يعني عندما يمتلئ قلبك حُبّاً لله ولرسوله، بحيث تُحبهما أكثر من الدنيا، فإذا جاءك شيءٌ يُسخط الله ورسوله، تركته إرضاءً لله، تذوق حلاوة الإيمان، وهذه يذوقها من يعرفها، يعني رجُلٌ جالس خلف الطاولة على كرسي المنصب والمسؤولية، وجاءه مبلغ ألف دينار من أجل أن يوقِّع، المبلغ له حلاوة أنا لا أُنكر، يعني إذا أخذه ووضعه في جيبه سيحل به مشكلة، لكن هناك حلاوة أكثر منها يستشعرها المؤمن، عندما ينتصر على نفسه ويقول له: تفضل أنا لا أوقع توقيعاً ولا أرتشِ، بعد ذلك يُلقي الله في قلبه حلاوة النصر على النفس، أشدّ من حلاوة الألف، يذوقها من عرفها.
(أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِواهُما) أنا لا أُغضِب الله ورسوله من أجل مال أو من أجل امرأة، إذا جاءته امرأة ذات منصب وجمال، ووقع معها في المعصية، قد يقال لها حلاوة، مُتعة، لذّة، لكن متعة التخلّي وأن أشعر أني حرّ، أستطيع أن أركُل بقدمي وأترفَّع عن المعصية، أشدّ من متعة الوقوع بالحرام، أن يشعر أنه يملك نفسه، لذلك سيدنا يوسف قال:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)
(سورة يوسف)

من اللطائف أنه قال بعض المفسّرين (مِنَ الْمُلْكِ) من مُلك النفس.
لمّا قالت له امرأة العزيز:

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)
(سورة يوسف)

ملَك نفسه فأصبح ملِكاً، أمّا لو في هذه اللحظة زلَّت قدمه، لما كان يوسف الصدِّيق، ولم يكن عزيز مصر، فأعظم المُلك أن يملِك الإنسان نفسه.

الإيمان مرتبط بالحُب فيما بيننا:
(أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ) العلاقة الأولى عمودية مع الله، الثانية أفقية، الحُب في الله مع الخلق، لكن لا تُحبُّه إلا لله، تطمئن عنه لله، تزوره لله، تتفقده على صلاة الفجر لله، أن يُحب المرء لا يُحب إلا لله، الثالثة عكس الحُب (وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ) الحُب في الله والبغض في الله.
يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فيَقولُ: إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضْهُ، قالَ فيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضُوهُ، قالَ: فيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضاءُ في الأرْضِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

أصل القبول في الأرض، إذا الناس أحبّتك، أقبلت عليك، وثقت بتجارتك، وثقت بك، استشارتك في أمورها، أصله محبّة الله، أصل العملية كلها حُب، حُب يؤدّي إلى القَبول، القَبول بفتح القاف وليس بضمها، لأنَّ القُبول بالضم هي جمع قُبُل:

قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26)
(سورة يوسف)

فالقُبُل جمعه قُبول، أمّا القَبول أن يَقبَلك الناس.

{ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. }

(أخرجه البخاري ومسلم)

{ والَّذي نفسي بيدِه لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا أولا أدلُّكم علَى شيءٍ إذا فعلتُموهُ تحاببتُم أفشوا السَّلامَ بينَكم }

(أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجه وأحمد)

يعني الإيمان الكامل مرتبط بالحُب فيما بيننا.

السلام يؤدي إلى الحُب والودّ بين الناس:
(أولا أدلُّكم علَى شيءٍ إذا فعلتُموهُ تحاببتُم أفشوا السَّلامَ بينَكم) فعلاً السلام يؤلِّف القلوب، إذا دخلت على بيت، دخلت على دكان، دخلت على حافلة نقل عامة، "السلام عليكم" هذا بداية الحُب ( أفشوا السَّلامَ) أفشوا يعني دائرة واسعة، وسِّع دائرة السلام، انشره بأوسع دائرة، وليس فقط عندما أدخُل على بيتي، أو أدخُل على جلسة أهل العِلم، لا (أفشوا السَّلامَ بينَكم) يعني إذا دخلت على حارس البناء "السلام عليكم"، السلام يؤدّي إلى الودّ والحُب بين الناس.

{ عن أبي إدريسَ الَخْولانيِّ، قال: دخلتُ مسجدَ دمشقَ، فإذا أنا بمعاذِ بنِ جبلٍ، فسلَّمتُ عليه، فقلتُ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّك في اللهِ ، فقال: آللهِ؟ فقلتُ: آللهِ، فقال: آللهِ؟ فقلتُ: آللهِ، فأخذ بحَبوةِ ردائي فجذبني إليه، وقال: أبشِرْ، فإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : قال اللهُ: وجبتْ محبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، وجبت محبَّتي للمُتجالسين فيَّ، وجبت محبَّتي للمُتباذلين فيَّ، وجبت محبَّتي للمُتزاورين فيَّ. }

(أخرجه أحمد ومالك)

(وجبتْ محبَّتي للمُتحابِّين فيَّ) يعني أنت عندما تُحب أخاك في الله، يُحبُك الله ويُحبُه.
(وجبت محبَّتي للمُتزاورين فيَّ) أزورك وتزورني في الله.
(للمُتباذلين فيَّ) أبذِل لك وتبذِل لي إرضاءً لله.
(للمُتجالسين فيَّ) كهذه الجلسة جلسة لله، ما اجتمعنا إلا لله إن شاء الله.
ويقول صلى الله عليه وسلم :

{ قال اللهُ تعالى : المتحابُّونَ في جلالِي لهمْ مَنابِرُ من نورٍ، يَغبطُهمُ النَّبيُّونَ والشهداءُ }

(أخرجه أحمد والترمذي)

يعني منابر النور، حتى إنَّ الشهداء والنبيين يغبطون المتحابين في الله.

مَن أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان:
زار رجلٌ أخاً له في قريةٍ، فأرصد الله على مدرجته مَلَكَاً على طريقه، فقال أين تريد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمةٍ ترُبُّها؟ أي هل هناك مصالح دنيوية، يعني ذاهب مكافأة له، أو تريد منه شيئاً من الدنيا؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك لأُخبرك أنَّ الله يُحبُّك كما أحببته فيه.

{ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ }

(رواه أحمد وحسنه الألباني في صحيح الترغيب)

مَن أحبَّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، حُبٌ في الله وبغضٌ في الله، عطاءٌ لله ومنعٌ لله.
الحُب في الله: كما قلنا، أن تُحب شخصاً يقرِّبك من الله في طاعة الله، وليس لمصالح الدنيا، ولا تعصِ الله من أجله.
البُغض في الله: أنا أُبغض في الله ولا لشيءٍ آخر، أو لعدم قربه منّي أو لجنسيته، وإنما أُبغضه لأنه والعياذ بالله يعصي الله جهاراً نهاراً، يُجاهر بالمعصية فأُبغضه في الله، مجرم قاتل أُبغضه في الله، فإذا ترك ما هو عليه من الكفر والعناد أصبح أخاً لي في الله.
عمر رضي الله عنه، لمّا دخل عُمير بن وهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الباب أمسك به من تلابيبه وربطه، وأدخله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: << هذا عدو الله ما جاء يريد إلا شراً، يُبغضه عُمير بن وهب مَن هو في عداء المسلمين، أطلقه يا عمر فأطلقه، ادنُ يا عُمير فدنا، عمت صباحاً يا محمد، فقال له: قل السلام عليكم، قال له: ما أنت ببعيد عهدٍ من تحيتنا، قال له صلى الله عليه وسلم: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت لأفتدي ابني من الأسر، الذي أُسر في معركة بدر، قال وهذه السيف التي في عنقك؟ قال: قبَّحها الله من سيوفٍ، وهل أغنت عنّا شيئاً يوم بدر، قال: ألم تجلس مع صفوان بن أمية في فناء الكعبة، تتذاكرون القتلى في بدر، وقلت له لولا ديونٌ ركبتني وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فتحمَّل صفوان ديونك وعيالك، فسقيت سيفك سُمَّاً وجئت لتقتلني؟ قال أشهد أنك رسول الله، فإن الذي وقع بيني وبين صفوان، لا يعلمه أحدٌ إلا الله، وهو الذي أخبرك>>.
موطن الشاهد: قال عمر: "دخل عُميرٌ إلى رسول الله ووجه الخنزير أحبُّ إليَّ من وجهه، وخرج من عند رسول الله وهو أحبّ إليَّ من بعض أولادي".
هذا الحُب في الله والبُغض في الله، ليس هناك موقف شخصي، هناك ميزان، هناك بعض الناس يُعيبوا علينا، يقول لك أنتم الولاء والبراء عندكم مبنيٌ على ماذا؟ هل هناك إنسان يُحب الكل أو يُبغض الكل؟! كل إنسان عنده ميزان، يُحب ويُبغض عليه، نحن جعلنا أعظم ميزان، هو ميزان الحق، فكل ما كنت مع الحق أنت أخي في الله، وإذا ابتعدت، فأنا أُبغضُك في الله، طبعاً لا يعني ذلك أنني أُبغض شخص مسالم، لكنه ليس على ديني، أو عنده بعض المعاصي، أو ما عنده إجرام، لا يعني أنه مطلوب منّي أن أُبغضه، يعني قد أُبغض فعله أو عمله، ليس المطلوب، لكن عندما يكون عدوّاً لله، يعادي الله جهاراً نهاراً، لا والله هو عدوّي، أمّا إذا كان إنسان مسالم لا يعاديني، قال تعالى:

لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)
(سورة الممتحنة)


لا بُدَّ من ميزانٍ تُحب فيه وتُبغض فيه:
هو عدوٌ لله، يُجاهر جهاراً نهاراً بعداوته للدين، وأنت تبره وتحسن إليه؟ لا، فلا بُدَّ من ميزانٍ تُحب فيه وتُبغض فيه، نحن عندنا ميزاننا، الحُب في الله والبُغض في الله، فقال: من أحبَّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله.
كيف أعطى لله ومنع لله؟ أي إذا تصدقت في سبيل الله، وإذا يوماً ما منعت العطاء، منعته أيضاً لله، لأن هذا الشخص ربما يأخذ هذا المال، فيتقوى به مثلاً على حرب المسلمين، هذا لا تعطيه، اليوم هناك أُمم تُعطي للشيطان وتمنع للشيطان، هُم حربٌ على ديننا

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)
(سورة الأنفال)

نسأل الله السلامة.
فأحبابنا الكرام: طبعاً كما تعلمون سبب استحضار هذا الموضوع المهم، هو ما يُسمّى عيد الحُب، الذي يستشرفه الناس كل عام، ويقيمون فيه علاقاتٍ آثمة في كثيرٍ من الأحيان، ويكثُر فيه بيع الدبب، وحمراء حصراً، ويصبح هناك علاقات آثمة ومُحرَّمة تحت غطاء الحُب، فهو تشويهٌ للكلمة.
نحن ديننا أصله الحُب، وديننا بلا حُب شجرةٌ بلا ثمر، فنحن نُحب، والمؤمن يُحب زوجته، ويُحب أولاده، ويُحب بناته، ويتقرَّب إلى الله بالحُب، يتقرَّب إلى الله بحُب أم زوجته، وبحُب أمه، وبحُب أخته، وعمَّته وخالته، يتقرَّب إلى الله بحُب من يحل له، أن يحبهم من النساء، ويتقرَّب إلى الله بحُب المؤمنين الصالحين، والأتقياء، والأولياء ويتقرَّب إلى الله بحُب المجاهدين، وحُب الثابتين والصامدين، يجعل حُبه لهم قربة إلى الله تعالى، فليس ديننا بعيداً عن الحُب، ولكنه الحُب الذي يسمو بنا، وليست الشهوات المُحرَّمة التي تجعل الإنسان يثور، تثور شهوته ويرضي نزوته، و يُسمّيها حُبَّاً، وإنما الحُب هو الذي يسمو بنا ويرتفع بنا.
فالله تعالى جعل للإنسان عقلاً يدرك، وجعل منه قلباً يُحب، وجعل منه جسماً يتحرك، وينبغي عليه أن يُغذّي عقله بالعِلم النافع الصحيح، سواءً كان من علوم الدين أو الدنيا، كلاهما مطلوب، وأن يُغذّي قلبه بالحُب الذي يسمو به، وأن يُغذّي جسمه بالطعام والشراب، فإذا غذَّى الثلاثة معاً وفق منهج الله، تفوَّق وكان له شأنٌ كبير، وإذا اكتفى بواحدة، فتعلَّم دون أن يُحب، أو أحب دون أن يتعلم، فإنه يتطرف، لا بُدّ من الثلاثة معاً، أن يُغذّي عقله وقلبه وجسمه، فأسأل الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:

{ وعن أَبي الدَّرداءِ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: كانَ مِن دُعاءِ دَاوُدَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعمَل الَّذِي يُبَلِّغُني حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن نَفسي، وأَهْلي، ومِن الماءِ البارِدِ }

(روَاهُ الترمذيُّ)

وأن يجعل حُبنا لجميع خلقه فيه، وأنا أُحبكم في الله فرداً فرداً، دون استثناء، أُحبكم جميعاً في الله، وأعلم أنكم تحبونني.
اللهم اجعل رحماتك وبركاتك وصلواتك، تُصبُّ على أهل هذا البيت صباً صباً، ولا تجعل عيشنا ولا عيشهم كداً كداً، اللهم أطعم من أطعمنا، واسقِ من سقانا، وأكرم من أكرمنا.
اللهم أهلنا في غزَّة كن لهم عوناً ومُعيناً وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تولّي علينا شرارنا، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً، وردّ عنه كيد الكائدين، وتآمُر المتآمرين، ومكر الماكرين، واحفظه بحفظك، وأيّده بتأييدك، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.