حالنا مع القرآن
حالنا مع القرآن
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الكرام: ذات يومٍ أو ذات ليلة، كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع صاحبه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فالتفَت إليه وقال له: |
{ قالَ لي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيرِي، فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ، حتَّى بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] قالَ: أمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا(41)(سورة النساء)
| سمع الشهيد صلى الله عليه وسلم الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) سمعها الشهيد صلى الله عليه وسلم فذرفَت عيناه، فماذا فعلت في نفسك أيُّها المشهود عليه؟ وأيُّ أثرٍ أحدثته في سلوكك؟ تأمَّل معي وقد اجتمعت الخلائق للحساب، ووقفنا بين يدي العظيم جلَّ جلاله، ثم جاء الرسول ليشهد علينا، فما تكون شهادته؟ اللهم اجعلنا أهلاً لشهادةٍ ننجو بها يوم العرض عليك. |
{ لَمَّا اشْتَدَّ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجَعُهُ قيلَ له في الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: مُرُوهُ فيُصَلِّي فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: مُرُوهُ فيُصَلِّي، إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ }
(صحيح البخاري)
| يقول عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب، وإني في آخر الصفوف يقرأ قوله تعالى: |
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(86)(سورة يوسف)
| أيُّها الإخوة الكرام: هذا غيضٌ من فيض، من حال نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وسلَفِنا الصالح مع القرآن الكريم، فكيف حالنا مع كتاب ربِّنا؟ |
قواعد التعامل مع كتاب الله:
| أيُّها الكرام: هذه أربع قواعد في التعامل مع كتاب الله، لعلَّها تُغيِّر حالنا مع كتاب ربِّنا. |
القاعدة الأولى: طهِّر قلبك حتى تنتفع بكلام ربك:
| القاعدة الأولى: طهِّر قلبك حتى تنتفع بكلام ربِّك، يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: "لو طَهُرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربِّكم". |
| قال تعالى: |
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37)(سورة ق)
شروط الانتفاع بكلام الله:
| هي أربعة أمور، حتى ننتفع بكلام الله، وحتى تطهُر القلوب لتلقّي أنوار الوحي، أربعة أمور: |
| الأول: المؤثِّر، والثاني: المحل القابل لهذا الأثر، والثالث: لا بُدَّ من شرطٍ لحصول الأثر، والرابع: لا بُدَّ من انتفاء الموانع التي تمنع من حصول الأثر، كيف ذلك؟ سأضرب مثلاً ثم أنقل الموضوع إلى كتاب الله تعالى. |
| الكهرباء حتى نستفيد منها وننتفع بها، لا بُدَّ من هذه الشروط الأربعة: |
| أولاً المؤثِّر: لا بُدَّ من التيار الكهربائي أن يكون سارياً في الأشرطة المُعدَّة له، لا بُدَّ من التيار هذا هو المؤثِّر. |
| المحل القابل للأثر: المصباح، حتى نُضيء الغرفة لا بُدَّ من مؤثِّرٍ ومحلٍ يقبله، المحل هو المصباح والمؤثِّر هو التيار. |
| ولا بُدَّ من شيءٍ ثالثٍ وهو الشرط: وما هو الشرط؟ أن تضغط الزِر الذي يجعل المصباح يُضيء، هذا هو الشرط. |
| ولا بُدَّ من انتفاء الموانع: أن يكون هناك عطلٌ أو خللٌ يمنع وصول التيار، فإذا تحقَّقت الشروط الأربعة انتفعت بالتيار الكهربائي، نُطبِّق هذا الكلام كمثالٍ على كتاب الله تعالى. |
| المؤثِّر هو القرآن كلام الله تعالى، وهذا المؤثِّر فعل في نفوس سلَفِنا الصالح فعلاً عظيماً، حتى أصبحوا فرسان النهار رهبان الليل، فتحوا به البلاد وفتحوا به القلوب قبل البلاد، وهذا القرآن بين أيدينا، نقرأه كما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يتغيَّر منه حرفٌ ولا سكنةٌ ولا حركة، كما هو، فالمؤثِّر موجود، والمؤثِّر فعّال. |
| ما المحل القابل للأثر؟ القلب (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي قلبٌ حيّ، ينبِض بالحياة، ليس قلباً ميتاً، ليس قلباً لا يعرف معروفاً ولا يُنكِر مُنكراً، قلبٌ حيّ قابل للاستفادة، مصباحٌ قابلٌ للتألُّق، قلبٌ حيّ، طاهرٌ من الذنوب، من التعلُّق بالمعاصي، لا أقول إنه لا يعصي الله، لكنه طاهرٌ من التعلُّق بالمعصية، والتعلُّق المُبالَغ به في الدنيا، طاهر. |
| وأمّا الشرط فهو أن تُصغي إلى القرآن، أن تستمع، أن تُصغي لِما يُقال، سماعاً للاستجابة لا مُجرَّد سماعٍ للترنُّم (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) هذا المحل القابل للأثر (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) هذا هو الشرط، لا بُدَّ أن تُصغي، أن تُلقي السمع. |
| ولا بُدَّ أن تنتفي الموانع، وهو أن يشتغل هذا القلب عن الخطاب الإلهي، وينصرِف عنه إلى شيءٍ آخر، قال تعالى: (وَهُوَ شَهِيدٌ) لا بُدَّ أن يكون القلب بعد أن يكون حيَّاً، أن تنتفي الموانع، ألّا يكون مُنشغلاً بشيءٍ آخر فلا ينتفع بكلام الله تعالى. |
لا بُدَّ من تفريغ النفس من شواغلها قبل الشروع بالقراءة:
| هي أربعة شروط، فإذا تحقَّقت تحقَّق الانتفاع بكتاب ربِّنا، لذلك كان لا بُدَّ من تفريغ النفس من شواغلها قبل الشروع بالقراءة، فالقلب المُتعلِّق بأشياءٍ أُخرى، ربما لا يستطيع أن ينصرِف بكُليّته إلى كلام الله، وكتاب الله عزيز، كتاب الله كريم، عزيز لا يقبَل أن تكون مُنصرِفاً إلى غيره ثم ينفعُك، وكريم كلما زِدته قراءةً زادك سكينةً، وعُمقاً في الفهَم، ومعانٍ جديدة تتولد منه، فهو كريمٌ عزيز، هذا كلام ربِّنا، لذلك تفريغ النفس من شواغلها مهمٌ جداً قبل الشروع في القراءة، لماذا؟ قال تعالى: |
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)(سورة الإسراء)
| لأنَّ النفس في الفجر، غير النفس بعد أن يُمضي الإنسان نهاره في العمل وفي الدنيا، وفي الأشياء المُباحة، وأحياناً الهنات والزلّات من الأشياء المُحرَّمة، عند الفجر تكون النفس في تألُّقها، فينتفع الإنسان بالقرآن ويتشرَّبه أكثر وأكثر. |
| طُرفةٌ تُروى وقيل بل وقعت، هي طُرفةٌ لكنها وقعت، رجُلٌ في قريةٍ من القُرى آلمته أُذُنه ألماً شديداً، فزار طبيباً في القرية، ففحصه فتبيَّن أنَّ لديه التهاباً في الأُذُن الوسطى، فقال: لديك التهابٌ في الأُذُن لا بُدَّ من علاجه، خُذ هذه الحبوب، وخُذ حبةً صباحاً وأُخرى مساءً، عاد الرجُل بعد يوم، قال: لم أعُد أستطع أن آخُذ الدواء، قال: لِمَ؟ قال: لن آخذه، أكثر من ذلك لا أستطيع، قال: لا بُدَّ أن تُكمل الدواء، دواء الالتهاب لا بُدَّ من إكمال علبة الدواء كاملةً، فما الذي حصل؟ وبعد أخذٍ وردٍ تبيَّن أنَّ الرجُل كان يأخُذ الحبوب ويضعها في أُذنه وليس في فمه، لأنه يُعالج أُذُنه فوضع الدواء في أُذنه فامتلأت، هكذا فَهِم. |
| القرآن الكريم دواءٌ عظيم، لكنه لا يُلاقي محلاً صافياً نضعه في مكانٍ آخر، فلا ينفع، لا بُدَّ أن يُقرأ القرآن على قلبٍ حيٍّ طاهر، مُتأهبٌ لسماع كلام الله تعالى، عندها يفعل فعله في النفوس. |
| هذه القاعدة الأولى: طهِّر قلبك لتنتفع بكلام ربك (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). |
| يقول عبد الله بن عمر: << لقد عشنا بُرهةً من دهرنا، وإنَّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتُنزَّل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها، كما تعلَّمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ بين ما فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمرُه، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقَف عنده، ينثره نثر الدقَل>>، والدقَل هو الرديء من التمر الذي لا فائدة منه. |
| أوتينا الإيمان قبل القرآن، تعرَّفنا إلى الله، طهُر قلبنا، جاء القرآن بلسماً شافياً نتشرَّبه، وجاء زمانٌ على الناس يقرؤوا القرآن دون إيمانٍ بالله كافٍ، فينثره نثر الدقَل، لا يدري ما حرامه ولا ما حلاله، المهم أنه قرأ، القاعدة الأولى: طهِّر قلبك. |
القاعدة الثانية: عند قراءة القرآن استحضر الخوف من الجليل:
| القاعدة الثانية: عند قراءة القرآن استحضِر الخوف من الجليل، انظروا إلى الآيات الكريمة: |
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ(45)(سورة ق)
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ(103)(سورة هود)
طه(1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ(2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ(3)(سورة طه)
وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(51)(سورة الأنعام)
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)(سورة الأعراف)
| شِدِّة الخوف من الله. |
| يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ ألا إن سلعةَ اللهِ الجنَّة }
(أخرجه الترمذي)
| (أدلجَ) أي مشى في الظلمة. |
| لا نُريد خوفاً مُثبِّطاً، مُحبطاً، يُقعِد عن العمل، نُريد خوفاً مقروناً بالحُب، خوفاً يدفع إلى العمل، هذا الخوف الراقي، الخوف من الذنوب، من سوء الخاتمة، من أن لا يُتقبَّل العمل، من آيات العذاب التي في النار، هذا الخوف المُقدَّس، عندما يُقرأ القرآن وفي الإنسان خوف يتذكر بكتاب الله تعالى، لكن عندما يُقرأ القرآن والإنسان طامعٌ فقط، غير خائف، فإنَّ الذكرى لا تكون في المرتبة التي ينبغي (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) الخائف يتذكر، ولا بُدَّ من استحضار الخوف دائماً من الله، فما أكثر الذنوب، وما أقل العبادة، كان السلف الصالح على عِظَم عملهم، كانوا كثيري الخوف من الله تعالى، واليوم نحنا جمعنا مع قِلة العمل، الاطمئنان الساذج دون العمل، لا بُدَّ من الخوف، فالخوف من الجليل يجعل التذكرة بالقرآن سهلة. |
القاعدة الثالثة: إذا قرأت القرآن فتفاعل من الآيات التي تقرأها:
| أيُّها الإخوة الكرام: القاعدة الثالثة إذا قرأت القرآن فتفاعل مع الآيات التي تقرأها، القرآن نَصٌّ فيه تفاعُل ليس نَصّاً جامداً، تقرأه حاشا أن يكون كذلك كما تقرأ نشرة الأخبار، أو كما تقرأ كتاباً في التاريخ، هذا الكتاب العظيم يُقرأ بالتفاعُل. |
| عن حذيفة رضي الله عنه، يصف تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: |
{ صَلَّيْتُ مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلتُ: يُصَلِّي بهَا في رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلتُ: يَرْكَعُ بهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا؛ إذَا مَرَّ بآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يقولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، فَكانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِن قِيَامِهِ، ثُمَّ قالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ ، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا ممَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى ، فَكانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِن قِيَامِهِ. وفي رواية زيادة: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ ، رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ }
(صحيح مسلم)
| يقرأ مُترسلاً أي بهدوء، بأبي هو وأمي، يقرأ القرآن فيمُر بقوله تعالى: |
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17)(سورة الروم)
| فيقول: سبحان ربّي العظيم، يُسبِّح. |
| فإذا مرَّ بقوله تعالى: |
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(8)(سورة آل عمران)
| يتفاعل مع الآية، يا ربّ هبّ لنا من لدُنك رحمة، يا رب أصلِح لي في ذُريتي، يدعو، يسأل، يُجيب الآية، يتفاعل معها، فإذا مرَّ بقوله تعالى: |
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ(98)(سورة المؤمنون)
| قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من همزات الشياطين، هو يتفاعل مع الآيات، يأخُذ ويُعطي، هذا التفاعل مع الآيات، يجعل الإنسان ينتفع بكلام الله تعالى. |
| إذا قرأت في كتاب الله: يا أيُّها الذين آمنوا، مَن الذين آمنوا؟ أنا وأنت، نحن أيُّها الكرام بعقلنا الباطن، من غير أن نشعُر، عندما نقرأ القرآن نقرأه وكأنه يُخاطِب غيرنا، لا نقرأه ونعلم يقيناً أنه يُخاطبنا وأننا المعنيون به، يُخاطِب أُناساً آخرين، نحن غير معنيين بالخطاب، هذه مُصيبة، أنا المُخاطَب، أنا المعني بالقرآن الكريم، القرآن لي، يطلُب منّي، يُريد منّي، ينهاني، يلفِت نظري إلى آيةٍ كونية، يروي لي قصةً لآخُذ منها عِبرة، التفاعل مع كتاب الله أيُّها الكرام، فالقرآن أُنزِل من أجلنا، ونحن المُخاطَبون به، ونحن يا أيُّها الذين آمنوا، ونحن يا أيُّها الناس، ونحن: |
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا(53)(سورة الإسراء)
في القرآن الكريم لا يوجد أسماء إلا ما ندَر:
| نحن عباده، لذلك في القرآن الكريم تلاحظون أنه لا يوجد أسماء، إلا ما ندَر، صحابيٌ واحد ذُكِر في القرآن لحكمةٍ بليغة، زيد، لإبطال عادة التبنّي. |
| امرأةٌ ذُكِرت في القرآن باسمها: مريم، لإبطال أن يُظنّ أنَّ عيسى كما يقولون هو ابن الله حاشا، فيقول: عيسى بن مريم، ليس في القرآن أسماء، لا أصحاب الكهف، نحن نسعى دائماً لنعرف الأسماء، لكن غير مطلوبة، لا أسماء أصحاب الكهف، ولا أسماء أصحاب الأخدود، القرآن لا يذكُر أسماء إلا أسماء أنبيائه، وامرأةٌ واحدة، وصحابيٌ واحد، لأنَّ المعني بالخطاب هو أنت، فإذا ذَكَرَ أسماء ظننت أنك تقرأ كتاباً في التاريخ، هؤلاء جرى معهم، لا أنت: |
نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)(سورة الكهف)
| وأنت الفتى أيُها الشاب، أنت يجب أن تكون من الفتية الذين آمنوا بربِّهم، لذلك يقول: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) لا تسألني عن أسمائهم. |
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا(22)(سورة الكهف)
| لذلك في القرآن الذي، والتي، والذين، عشرات المئات من المرات، الذي، والتي، والذين، لأنَّ الذين والذي والتي تحتمل أن تكون أنا وأنت الذي، أمّا لو قال لك: فُلان، ظننت أنه فُلانٌ المعني، القرآن يريد أن يكون كتابٌ حيّ يُخاطبك، فلا تقرأه بلُغة التاريخ من غير أن نشعُر، نقرأه وهو يُخاطبنا. |
القاعدة الرابعة: تعامل مع القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري:
| القاعدة الرابعة: تعامل مع القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري، نحن أيُّها الكرام نتعامل مع القرآن بشعور التبرُّك والقرآن بركة، ويجب أن نتبرَّك به، هو بركة ورحمة وشفاء، لكن لا نكتفي بأن نتعامل مع القرآن بأنه بركة، نتبرَّك به، نُقبِّله، لا نكتفي بذلك، ليس ممنوعاً، لكن ليس الأساس أن نتعامل مع القرآن بشعور التبرُّك، البعض يتعاملون مع القرآن بشعور الأموات، فإذا سمع في البيت قرآناً بصوتٍ مُعيَّن، يقول لك: خير مَن توفَّى؟! ما توفَّى أحد، القرآن للأحياء وليس للأموات، يتعامل معه بأنه يُقرأ عندما يموت الإنسان، فيُقرأ عليه القرآن. |
| هناك من يقرأه بشعور التعرُّف إلى اللغة العربية، كتابٌ لغويٌ عظيم، وأنا أعرف أشخاصاً وقد درست اللغة العربية، لا يُصلّون لكنهم مُعجبون بالقرآن أشدّ من إعجابك به، بلُغته وفصاحته وبيانه، لكنه لا يُصلّي، يقرأه كأنه نَصٌّ أدبيٌ عظيم، يستخرِج منه قواعد النحو والصرف والبلاغة فقط، هذا شعوره مع القرآن، نحن المؤمنين شعورنا مع القرآن شعور التلقّي للتنفيذ، ماذا يُريد الله منّي لآتيَهُ؟ ماذا ينهاني حتى أجتنبه؟ أنا أقرأ القرآن بهذا الشعور، بعد ذلك أتبرَّك وأتعلَّم اللغة، وأنظُر في آيات الإعجاز العلمي واللغوي، لكن ماذا يُريد القرآن منّي؟ هذا هو الشعور الذي يُقرأ به القرآن حتى يُنتفَع به. |
| سأضرب مثالاً واحداً لضيق الوقت: |
{ كانَ أبو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدِينَةِ مَالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْخُلُهَا ويَشْرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }[آل عمران:92] قَامَ أبو طَلْحَةَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى يقولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }[آل عمران:92] وإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وإنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أرْجُو برَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يا رَسولَ اللَّهِ حَيْثُ أرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَخٍ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، وقدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ، وقال يحيى بن يحيى وإسماعيل، عن مالك: رَايِحٌ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| (بَيْرُحَاءَ) أرضٌ كبيرةٌ جميلةٌ رائعة، (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) أي في قِبلة المسجد. |
| انظروا كيف قرأ أبو طلحة الآية، هكذا قرأ الآية: (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فجاء بأحبِّ ماله وقدَّمه، هذا شعوره عند قراءة الآية، أن يستجيب، فقال صلى الله عليه وسلم: (بَخٍ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ وقدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ). |
| فعندما نقرأ القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري، يختلف حالنا مع القرآن الكريم. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين. |
| وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا. |
| اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا. |
| اللهم ذكِّرنا منه ما نُسِّينا وعلِّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي يُرضيك عنّا. |
| اللهم بارك لنا في شهر رمضان وأعِنّا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان، وتقبَّله منّا يا منّان. |
| اللهم تقبَّل منّا صيامنا وصلاتنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا، واجعلنا في هذا الشهر من عُتقائك من النيران. |
| اللهم إنّا نسألك أن تُفرِّج عن أهلنا المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها. |
| اللهم إنّا نسألك أن تُفرِّج عن أهلنا في فلسطين، اللهم إنّا نسألك أن تُثبِّت رميهم وأن تُسدِّد رأيهم يا أرحم الراحمين. |
| اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم عليك بالصهاينة المعتدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فعليك بهم وصُبَّ عليهم صوتاً من عذاب إنك لهم لبالمرصاد. |
| واجعل هذا البلد آمِناً سخياً رخياً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

