أمة وسطاً
أمة وسطاً
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
| وبعد أيُّها الإخوة الكرام: رُبما كان امرؤٌ يسكن في حمص، فهو في الوسط تقريباً بين دمشق وحلب، وهذه وسطيةٌ مكانية، ولرُبما كان امرؤٌ من الناس شُجاعاً مُتعقِّلاً، فهو في الوسط بين التهوُّر المذموم والجُبن المرذول، وهذه وسطيةٌ أخلاقية، وقالوا: "الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين". |
الوسطية الشرعية بين الغلوِّ والتشدُّد:
| ولرُبما كان تديُّن المُسلم وسطاً بين غلوٍّ وتشدُّد بغير دليل، أو بسوء فهمٍ لدليل، وبين تفلُّتٍ وانحرافٍ وتساهُل، وهذه هي الوسطية الشرعية، بين الغلوِّ والتشدُّد الذي لا يستند إلى دليلٍ، أو يستند إلى سوء فهم الدليل، وبين التساهُل والتسيُّب والتمييع والانحراف بحُجّة الوسطية. |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول المولى جلَّ جلاله: |
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(143)(سورة البقرة)
| وسطية الإسلام، أو وسطية أُمة الإسلام، من أخطر المُصطلحات التي عبثَ بها أعداء الدين من جهة، وأدعياء الدين من جهةٍ ثانية، فكان لِزاماً أن نفهمها على النحو الصحيح، وأن نُفسِّرها في ضوء النصوص الشرعية الصحيحة، وسطية هذه الأُمة يعني أنها أُمةٌ على الحقّ بين باطِلَين، وأنها أُمة خير بين شرَّين، وأنها عدلٌ وسطٌ بين طرفين ذميمين مُتناقضَين. |
وسطية المُنافقين:
| أمّا وسطية المُنافقين فمختلفة، تعني أن يأخُذ المرء جُزءاً من الخير وآخر من الشرّ، أن يقف في منطقةٍ وسطٍ، بين طاعة الله تعالى ومعصيته، يقول لك: أنا وسطيّ، فيقف بين الطاعة والمعصية، أو يقف في منطقةٍ وسط بين الكُفَّار والمسلمين، أو في منطقةٍ وسط بين المُلتزمين والمنحرفين، ويقول لك: أنا وسطيّ، أنا من أُمة الوسط، فأنا أقف في الوسط، وكم أنشأوا منتدياتٍ من أجل هذه الوسطية الفاسدة، وكم عقدوا مؤتمراتٍ من أجل هذه الوسطية الفاسدة، وكم يُحاك من مؤامراتٍ، لإنشاء دينٍ جديدٍ بدعوى هذه الوسطية الفاسدة، والله تعالى يقول: |
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)(سورة الكافرون)
| ويصف هؤلاء فيقول: |
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا(143)(سورة النساء)
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا(91)(سورة النساء)
| نحن في الوسط لا نُريد أن نُثير الأعداء علينا، وفي الوقت نفسه نُريد أن نكون مسلمين، فهذه أمةٌ عظيمة، لا نُريد أن نتخلى عنها، فنحن في الوسط، وهُم في الحقيقة مُتطرفون، مبتعدون عن الوسط. |
بعض الأمور التي يفعلها البعض باسم الوسطية:
| أيُّها الإخوة الكرام: باسم الوسطية اليوم، يخرُج علينا دعاةٌ على أبواب جهنم، يجعلون الحجاب الذي فرضه الله على المرأة المُسلمة، أدباً من آداب الإسلام، أدباً من هيئات الإسلام، لا فريضةً مُحكمةً من فرائضه. |
| و باسم الوسطية اليوم، يخرُج علينا من يعتبر شُرب الخمر التي حرَّمها الله بنصوصٍ قطعيةٍ في كتابه، بل حرَّمها في كل الشرائع السماوية الصحيحة قبل التحريف، يجعلها من باب الحرية الشخصية، ويقف مع من يريد الحرية فيها، ويقول لك: نحن في وطنٍ واحد، هذه حريتهم! يريدون أن يشربوا الخمر في أي مكان، ولو أمام ابني، ولو خرج ابني من المدرسة فرأى الخمر أمامه، هذه حريةٌ شخصية لا مانع منها. |
| باسم الوسطية، نحن وسطيون، نُريد أن نكون مع الجميع، و باسم الوسطية اليوم، يخرُج علينا من يجعل الرِبا الذي توعَّد الله مرتكبه بحربٍ من الله ورسوله، يجعله عقداً صحيحاً مادام مبنياً على التراضي بين الطرفين، وهل الزِنى إلا مبنيٌ على التراضي بين الطرفين؟ فهل يُصبِح زواجاً؟! |
| وباسم الوسطية اليوم، يخرُج علينا دعاةٌ يُبيحون التبرُّج والاختلاط الآثم، والعلاقة المُحرَّمة بين الجنسين، تحت مُسمّى الصداقة والزمالة. |
| وباسم الوسطية، يخرُج علينا اليوم مَن يتنازل عن حقوق الأُمة، ومقدَّساتها، وثوابتها، ويُداهِن الأعداء، ويُطبِّع معهم، ويوالي المُجرمين، ويتنازل عن دينه إرضاءً لهم، لأنه وسطيّ، وهو في الحقيقة مُتطرفٌ بعيدٌ عن وسطية الإسلام. |
الأُمة الوسط لا تُحِلُّ حراماً كما أنها لا تُحرِّم حلالاً:
| أيُّها الإخوة الكرام: الأُمة الوسط لا تُحِلُّ حراماً، كما أنها لا تُحرِّم حلالاً، لا تعد الأمة الوسط أبداً بحال، أن يُحلَّ حرامٌ قطعيٌ ثابتٌ حُرمته في كتاب الله تعالى، أو في سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم. |
| وسطية هذه الأُمة تعني التزامها بأوامر ربِّها، لكن دون تشدُّدٍ أو غلوّ، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولَن يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، واستَعينوا بالغَدوةِ والرَّوحةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلجةِ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)(سورة الحج)
| (إنَّ الدِّينَ يُسرٌ) وسطيته في يُسره، لا في تيسيرنا له كما نُريد، هو جاء يُسراً، فوسطيته في أنه دينٌ يُسر، لكن ليس نحن مَن نُقرر ترك بعض ما فيه تيسيراً على الناس، بل هو يُسرٌ كما جاء من الله تعالى، فالله تعالى هو من يُقدِّر هذا اليُسر (إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولَن يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا). |
| وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، وهذا أصلٌ في تفسير الوسطية، قالت: |
{ ما خُيِّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيسَرَهما، ما لم يَكُنْ إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعَدَ النَّاسِ منه، وما انتَقَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لنَفسِه في شيءٍ قَطُّ، إلَّا أن تُنتَهَكَ حُرمةُ اللهِ، فيَنتَقِمَ بها للَّهِ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| (ما لم يَكُنْ إثمًا) هذا هو الشرط، (فإن كان إثمًا كان أبعَدَ النَّاسِ منه) وابتعاده عن الإثم يجعله في الوسط ولا يجعله في الطرَف، لأنَّ البُعد عن الإثم هو الوسطية. |
الوسط ليس بين حلالٍ وحرام بل في الحلال نفسه:
| أيُّها الإخوة الكرام: الوسط ليس بين حلالٍ وحرام، الحلال هُنا والحرام هُنا وأنا أقف في الوسط، هذا ليس وسطاً هذا نفاق، هذا تنازلٌ عن دين الله تعالى، ولكن الوسط يكون في الحلال نفسه، ضمن دائرة الحلال، ما دام الله تعالى أباح هذا وأباح هذا، لي أن آخُذ بالرُخصة أو أن آخُذ بالعزيمة، وكلاهُما حلال، فلا بأس عندها أن آخُذ بالأيسر، لأنَّ الإسلام يُسر ولأنه دين الوسطية. |
| عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم |
{ كان يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حتى نَرَى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، ويُفْطِرُ حتى نَرَى أنْ لا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ مِنْهُ شيئًا، وكُنْتَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ الليلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، ولا نائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نائِمًا }
(أخرجه البخاري والترمذي وابن حبان)
| (ويُفْطِرُ حتى نَرَى أنْ لا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ مِنْهُ شيئًا) من غير شهر رمضان يُفطِر كثيراً، يُمضي أياماً وهو لا يصوم، حتى يُظَنَّ أنه لا يصوم نهائياً من النفل. |
| (يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حتى نَرَى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ مِنْهُ) كما كان يفعل في شعبان، يصوم حتى يُظَن أنه صام الشهر كله، إلا شيئاً يسيراً، (وكُنْتَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ الليلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، ولا نائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نائِمًا) إن شئت أن تجده في ظُلمات الليل، قائماً بين يدي الله تراه، وإن شئت أن تراه نائماً مُستغرقاً في نومه، يُعطي جسده حقَّه رأيته كذلك، لأنَّ ديننا ليس فيه غلوّ، ليس فيه تشدُّدٌ في العبادة، لأنه يُسر مَبنيٌ على اليُسر. |
| وكان صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسجدَ وحبلٌ ممدودٌ بينَ ساريتَيْنِ فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينبَ تُصلِّي فإذا كسِلَتْ أو فتَرَتْ أمسكت به قال: حُلُّوه، ثمَّ قال: لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه فإذا كسِل أو فتَرَ فليقعُدْ }
(أخرجه البخاري ومسلم والنسائي)
| ما دام يجد نشاطاً فليُصلّي (فإذا كسِل أو فتَرَ فليقعُدْ) انتهى. |
إيّاكم والغلوَّ في الدين:
| نحن أيُّها الكرام في كل ركعةٍ من ركعات صلاتنا، نسأل الله تعالى الوسط، كيف ذلك؟ ألا نقول في الفاتحة: |
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)(سورة الفاتحة)
| أي نُريد أن نكون من أُمة الوسط، لسنا من الغالين المُتشددين، الذين شدَّدوا فشدَّد الله عليهم وغضب عليهم، إيّاكم والغلوَّ في الدين، إيّاكم والغلوَّ في الدين، ولا نُريد أن نكون من الضالين، أي من المُنحرفين الجافين الذين يتركون ما أمرهم الله تعالى به، فيضِلّون الطريق، نُريد الوسط، لسنا من المغضوب عليهم الذين شدَّدوا وغالوا في دينهم، فحرَّم الله عليهم ما حرَّم من الطيِّبات التي أُحلِّت لغيرهم، لا نُريد أن نكون منهم، ولا نُريد أن نكون من الضالين، الذين يتركون أوامر الدين ويُميّعون أحكامه، واليوم يُفعَل ذلك باسم الوسطية وهو الضلال بعينه. |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول ابن القيِّم رحمه الله تعالى: "وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزعتان - أيُّ أمرٍ أمره الله تعالى، للشيطان عليك فيه مدخلان - قال: إمّا إلى تفريطٍ وإضاعة، أمر بقيام الليل، سُنَّةً مؤكدةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشيطان هُنا يأتي من مدخلين، المدخل الأول التفريط والإضاعة، أنت أدَّيت الفرائض ولا شيء عليك، ولا داعي للقيام ولا داعي لأي شيءٍ آخر من النوافل، فيُفرِّط ويُضيِّع هذه السُنَّة العظيمة، هذه النزعة الأولى، المدخل الأول للشيطان، قال: إمّا إلى تفريطٍ وإضاعة وإمّا إلى إفراطٍ وغلوّ - يقوم الليل ويتعَب، ويذهب في الصباح إلى عمله غير صاحٍ، فلا يستطيع أن يُحصِّل قوت عياله، ولا يستطيع أن يكون في الوقت المُحدَّد للدوام، ويُقصِّر في واجباته، نزعتان: إفراط ٌ وتفريط، قال: إمّا إلى تفريطٍ وإضاعة وإمّا إلى إفراطٍ وغلوّ، ودين الله هو الوسط بين الجافي عنه - هؤلاء الضالون - والغالي فيه وهؤلاء المغضوب عليهم". |
| فكما أنَّ الجافي عن الأمر التارك له مُضيِّعٌ للأمر، فكذلك الغالي فيه مُضيِّعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد، فلا نُقصِّر عن الحد الذي شرعه الله، ولا نتجاوزه إلى التنطُع والتشدُّد، وكما قال صلى الله عليه وسلم: |
{ إِنَّ هذا الدينَ متينٌ، فأوْغِلُوا فيه بِرِفْقٍ }
(الألباني صحيح الجامع)
{ لا تشدِّدوا على أنفسِكم فيشدَّدَ اللَّهُ عليكم فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسِهم فشدّدَ اللهُ عليهم فتلكَ بقاياهم في الصَّوامعِ والدِّيارِ {رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد الآية 27] }
(أخرجه أبو داود وأبو يعلى والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة)
بعض الأدلة في القرآن الكريم والسُنَّة على مفهوم الوسطية:
| أيُّها الإخوة الكرام: والأدلة على هذا المفهوم في الوسطية كثيرةٌ في كتاب الله تعالى وفي سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم: |
| قال تعالى: |
وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا(67)(سورة الفرقان)
| هناك حدٌّ وسطيٌ للإنفاق، ليس فيه إسرافٌ نتجاوز فيه الحدّ، ولا إقتارٌ نُقصِّر فيه عن الحدّ، هناك منطقةٌ بين خطَّين نتحرَّك فيها، لا نتجاوز الحدّ فيكون الإسراف ثم التبذير، ولا ننقُص عنه فيكون البُخل والإقتار، والشحُّ المذموم. |
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا(110)(سورة الإسراء)
| لا يُرفع الصوت، ولا يُخفَض ويُخفَت، وإنما يكون عدلاً وسطاً بين طرفين. |
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا(29)(سورة الإسراء)
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)(سورة القصص)
| نحن أُمة الإسلام، نحن أُمة الغيب، نؤمن بالغيب، لكن ليس عندنا غلوٌّ، بمعنى أنَّ إيماننا بالغيب يجعلنا نترك عالَم الشهادة، بنو إسرائيل كانوا أُمة الشهادة فحسب. |
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا(153)(سورة النساء)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55)(سورة البقرة)
| كان منهم من قال: |
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(112)(سورة المائدة)
| يتعاملون بمُنطلَق الشهادة، نريد كل شيءٍ أن نراه بأعيننا، ولمّا قيل لهم اذبحوا بقرةً، بدأوا يتحايلون على الأمر، يريدون أن يعرفوا ما علاقة ذبح البقرة بكشف الجريمة التي وقعت، ما هي؟ ما لونها؟ ما هي؟ حتى قال تعالى: |
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)(سورة البقرة)
| هذه أُمةٌ تؤمن بالشهادة، نحن أُمة الإسلام نحن أُمة الغيب، لكن في الوقت نفسه نحن لا نعيش الغيب فنترك عالَم الشهادة، وإنما نعيش الشهادة نأكل، ونشرب، ونتزوج، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عيوننا مُتطلعةٌ إلى الغيب، فنعمل من أجل الآخرة، ولا نترُك العمل في الدنيا، وهذه هي الوسطية، بين شهادةٍ في كل شيء، وبين غيبٍ يتركنا بعيدين بُعداً عن الدنيا وما فيها، وزهدٍ ليس هذا مكانه، وليست هذه صيغته الصحيحة، فجعل دين الإسلام الإنسان بين المادية المقيتة، وبين الغيب الذي ينتظره في منطقةٍ وسط، هذه هي الوسطية. |
في كل علاقاتنا لا نرفع من نتعامل معه إلى مستوىً مُعيَّن ولا نجعله عُرضةً لكلام الناس:
| أيُّها الإخوة الكرام: وهذا ينطبِق على كل شيءٍ في حياتنا، بدءاً بالأنبياء، من أتباع الرُسُل من قَتلوا الرُسُل، وأعرضوا عن أوامرهم، وانتقصوهم، واقرأ في بعض تفاسيرنا للأسف، ما يُذكَر عن أنبياء بني إسرائيل، من انتقاصٍ لقدرهم، ويُنقَل من كتُب الإسرائيليات دون تمحيصٍ، تجد العَجَب العُجاب، وكأنه ليس نبي، يقولون عنه أشياءً لا تقبَل أنت أن تُقال عن والدك أو عنك، وفي المقابل هناك من غالا في الأنبياء حتى عبدوهم من دون الله. |
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31)(سورة التوبة)
| وادَّعَوا الألوهية لأنبيائهم، وادَّعَوا أنه ابن الإله. |
| فالموقفان موجودان، لكن أُمة الإسلام تقول لك: لا، الأنبياء بشر. |
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)(سورة الكهف)
| لا نرفعهم على مستوى الألوهية، وحاشا أن ننتقِص من قدرِهم، أو أن نقول عنهم بسوء، فهُم معصومون، هذه هي الوسطية. |
| هذا ينطبِق على العلماء من زاويةٍ مُعيَّنة، فنحن عندما نتحدث عن عالِمٍ من العلماء، من الماضي أو من الحاضر، فلا نرفعه إلى مستوى العِصمة إلى الأنبياء وأكثر، رُبما كما يفعل البعض مع أشياخهم، ولا ننتقِص من قدره لزلةٍ زلَّها، بل نضعه في المكان الوسط. |
| في علاقتنا مع الحُكَّام، نحن لا نرفع الحاكم إلى مرتبةٍ عليَّة، بحيث لا نُجيز أن يُخطئ، وإن تكلم أحدٌ أمامنا أنه أخطأ، أقمنا الدنيا، لا يُخطئ! بل هو بشرٌ يُخطئ، وفي الوقت نفسه نحن لا نعتمد أخباراً ضعيفةً، أو واردةً هُنا وهناك لننال منه ومن الحكومة، ولنتحدَّث عنهم بسوءٍ ولنُفشِل تجربتهم، ولننتقِص قدرهم، ولنحاول قدر الإمكان أن نُعيق حركتهم، لا، نحن نؤمن بأنهم بشرٌ يُخطئون ويُصيبون، من الحاكم إلى المحكوم، وأنَّ واجب النصيحة مطلوب، وأن الدين النصيحة، وأننا لا يمكن أن نكون داعمين لهم إن لم ننصح لهم، إن لم ننصح للحاكم فنحن لا ندعمه حقيقةً، هذا ليس دعماً. |
{ انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظلومًا، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا نَنصُرُه مَظلومًا، فكيفَ نَنصُرُه ظالِمًا؟ قال: تَأخُذُ فوقَ يَدَيه }
(أخرجه البيهقي والترمذي وأحمد)
| تقول له: قف هذا خطأ، حتى تنصره. |
| ففي كل علاقاتنا، لا نرفع من نتعامل معه إلى مستوىً، بحيث لا يُخطئ ولا نقبَل خطاًّ، وإن وقع برَّرناه بألف تبريرٍ وتبرير، ولا نجعله عُرضةً لكلام الناس بدليلٍ أو بغير دليل، لينال منه من شاء، ثم نفشل جميعاً وتذهب ريحنا، هذه هي الوسطية أيُّها الكرام: أمّا عندما تُفهم الوسطية على خلاف ذلك فهذه مصيبة المصائب. |
كيف يتحقق التوازن في الوسطية:
| أيُّها الكرام: كان عبد الله بن عمر بن العاص يقول: "اعمل لدُنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" كيف يتحقق هذا التوازن؟ هذه هي الوسطية، عندما تعمل في الدنيا وأنت تستصحب الآخرة، وتستصحب الغيب، عندما نعمل في الدنيا لا نقول غداً أموت، غداً أموت فلا داعي لئن تعمل، لا داعي لئن تُطور تجارتك، لا داعي لئن تُتقِن عملك. |
{ إنْ قامَتِ الساعَةُ وفي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسَيلَةٌ فلْيَغْرِسْهَا }
(أخرجه البخاري وأحمد)
| اعمل لدُنياك كأنك تعيش أبداً، كأنك لن تموت، تُتقِن العمل، تُهيئ أسبابه، تُحاول أن يكثُر دخلك، وأن تدفع زكاة مالك، اعمل لدُنياك. |
| قال: واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، كيف لو أنَّ إنساناً قيل له هذا آخر يومٍ في حياتك، ما الذي يفعله؟ لا بُدَّ من قيام الليل، لا بُدَّ من صيام النفل، لا بُدَّ من الصدقة، لا بُدَّ من العمل الصالح، هذه هي الوسطية بين الدنيا والآخرة. |
| وكان صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ أحبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما عَسى أن يَكونَ بغيضَك يومًا ما وأبغِض بغيضَك هَونًا مَا عسى أن يَكونَ حَبيبَكَ يومًا ما }
(أخرجه الترمذي والطبراني والبزار)
| وهذه في الوسطية في التعامل مع الناس، الأولى في الوسطية بين الدنيا والآخرة، وهذه في الوسطية في التعامل مع الناس (أحبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما عَسى أن يَكونَ بغيضَك يومًا ما وأبغِض بغيضَك هَونًا مَا) لا تُبالغ في البُغض والكُره، ولا يمكن أن ألتقي معه، ولا أن أقف معه، وهؤلاء مجرمون، ثم بعد حينٍ تجده معه في مكانٍ واحد، طبعاً إلا البُغض لأعداء الدين، لكن أخوك المؤمن (وأبغِض بغيضَك هَونًا مَا عسى أن يَكونَ حَبيبَكَ يومًا ما). |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث من السماء، ومن نعمة جري الأنهار وإنبات الأشجار. |
| اللهم إنّا نسألك أن تُديم نِعمَك علينا وأن تُلهمنا شُكرها، اللهم ألهِمنا الشُكر يا أرحم الراحمين وتقبَّله منّا يا كريم. |
| اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. |
| اللهم إنّا نسألك أن تُنعِش قلوبنا برحمتك كما أنعشتَ الأرض بمائك يا أرحم الراحمين. |
| اللهم يا أكرم الأكرمين كُن لهذه البلاد، اللهم أمِّنا في أوطاننا، اللهم اجعل هذه البلاد آمنةً رخيةً سخيةً وسائر بلاد المسلمين. |
| اللهم يا أرحم الراحمين كُن لأهلنا المُستضعفين في غزَّة وفي فلسطين وفي كل مكان، عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم أمِّن خائفهم، وأطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم. |
| اللهم عليك بمَن ظلمهم، اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل دائرة السوء تدور عليهم، وصلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

