• 2026-01-02
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

هل يجب اتخاذ مذاهب؟

الحقيقة أظن أنه يقصد هل يجب اتخاذ مذهبٍ فقهي، بمعنى أنه يقول أنا حنفيٌ أو شافعيٌ أو إلى آخره...
الحقيقة يا إخوانَّا الكرام: الناس في هذا على قسمين: القسم الأول هو عوام الناس، أقصد بالعوام الذين لم يتفقَّهوا خصوصاً في شريعة الله، أي ليس طالب عِلمٍ شرعي، قد يكون تاجراً أو طبيباً، أقصد بالعوام أي العوام في العِلم الشرعي، فهؤلاء كما يقول أهل العِلم مذهبهم مذهب من يُفتيهم، مثلاً هذا الرجُل ما عنده معلومات، يأتي للشيخ يقول له: أنا أُصلّي كذا هل هذا صحيح؟ طبعاً شيخٌ تثق به لا ينبغي أن تذهب لشخصٍ لا تعرفه، تعرف أنَّ عنده عِلماً، عنده ورَعاً، مشهودٌ له بين الناس بالخير.
سامحوني إخوانَّا أحياناً الإنسان يريد أن يبيع بيته، فيسأل عشرة مكاتب، ويدور على عدة سماسِرة، ويسأل ويتحرَّى حتى يبيع بأفضل سعر، أمّا في دينه يقول لك سألت إمام الجامع الذي بجوار بيتنا، ورُبما يكون الإمام الفقيه لم يأتِ فقدَّموا أحدهم للصلاة، فوجده أمامه فسأله هل يجوز؟ فقال له: لا شيء بهذا ليس فيه رِبا توكَّل على الله، هو يُيسِر على الناس وهي مَحض الرِبا، فيقول لك سألت! لا يجوز، يجب أن تسأل عالِماً، تقول من عنده عِلمٌ بالقضايا المالية؟ مثلاً فُلان معروف، فيجب أن تحرص على دينك أكثر بمليون مرة مما تحرص على بيع بيتك، هذا مهمٌ جداً، فهذا مذهبه مذهب شيخه، يُفتيه على الحنفي، يُفتيه على الشافعي، يُفتيه على ما ترجَّح له، إن شاء الله بريء الذِمة.
أمّا طلاب العِلم الشرعي، فأنا أقول لا يجب اتخاذ مذهب، طالب العِلم الشرعي لا يتخذ مذهباً، طالب العِلم يبحث، ويقرأ، ويقول في هذه المسألة الراجح فيها كذا، يُرجِّح من الأدلة، يُتابع، يتفقَّه، المذاهب الفقهية الأربعة على العين والرأس، بل إنَّ أئمة الفقه فيها أنا أقول هُم سادتنا في العِلم، تعلَّموا وتفقَّهوا ودرسوا وبحثوا، لكن هذا لا يعني أن نتعبَّد الله بمذهبٍ من المذاهب، نحن نتعبَّد الله تعالى بما في كتابه وبما في سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، قد يكون في هذه المسألة رأي الشافعي أرجح من رأي الحنفي فآخُذ به، ما الذي يمنَع أن آخُذ بما ترجَّح عندي من الأقوال؟ بل ينبغي أن آخُذ بما ترجَّح عندي من الأقوال.
فهل يجب اتخاذ مذاهب؟ بالمعنى العام للكلمة أنا أقول لا يجب، لكن أيضاً لا يصحّ أن يأتي إنسانٌ اليوم ويقول لك: أنا أُريد أن أهدِم هذه الثروة الفقهية كلها، وأنا اليوم آخُذ من كتاب الله وسُنَّة رسوله فوراً، وهل كان الحنفي والشافعي يأخذون من كتاب بوذا والعياذ بالله؟! كانوا يأخذون من كتاب الله وسُنَّة رسوله، لكن بفَهمٍ عميق، وبقوةٍ وبفقهٍ عظيم، فلا تُهدَر جهودهم ولا نتعصَّب لها، نكون في حلٍّ وسط، جهودهم مُقدَّرة ومُصانة ننطلِق منها، لكن قد يترجَّح عند العلماء رأيٌ على رأي، فلا يجب اتخاذ مذهبٍ مُعيَّن، أنا حنفيٌ إذاً لا آخُذ إلا بالحنفي، التنوُّع غِنى، والتنوُّع سَعة، والتنوُّع قوة إن شاء الله تعالى.