• 2026-01-16
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

دروس من سورة الكهف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

سورة الكهف من خلال اسمها يتَّضِح بعض مقصودها:
وبعد: فعنوان هذا اللقاء دروسٌ من سورة الكهف، بادئ ذي بدء، سورة الكهف أيُّها الكرام من السور المكَّية، وعندما نقول سورةٌ مكّية نعني أنها نزلت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله إلى المدينة المنورة، وهذه السورة الكهف من خلال اسمها يتَّضِح بعض مقصودها، فالكهف هو الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان عند وجود فتنةٍ ما، يأوي الإنسان إلى الكهف.

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا(16)
(سورة الكهف)

وهذا الكهف يتبدَّل، فلكل زمانٍ كهفه ولكل إنسانٍ كهفه، أنا أذكُر في بدايات طلب العِلم في ريعان الشباب، كان هذا المسجد كهفنا، كُنّا نأوي إليه، نحضُر فيه الدروس، نُعلِّم فيه الطلاب الصغار، فلا نجد كهفاً من فِتن الدنيا وما فيها كهذا الكهف، أحياناً الإنسان يكون كهفه صديقه، يقول لك: أنا هذا الشخص أُسِرُّ له، أتحدَّث إليه فأرتاح، فله كهف، وكهفنا جميعاً إذا كانت بيوتنا إسلاميةً البيت، عندما تُغلِق بابك صرت ملكاً في داخل بيتك، تُصلّي، تؤدّي العبادة، تُربّي أولادك، تتحدث معهم عن الله، فلكل زمانٍ ولكل شخصٍ كهفه الذي يأوي إليه، فمن اسم السورة يتَّضِح أنَّ الكهف هو الملجأ من الفِتن، أمّا لو قرأنا بعض الأحاديث التي وردت في فضل سورة الكهف، لوجدنا هذا المعنى، يقول صلى الله عليه وسلم:

بعض الأحاديث التي وردت في فضل سورة الكهف:

{ مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ، وفي روايةٍ قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف، كما قال هشام‌‌ }

(صحيح مسلم)

أعظم الفِتن فتنة الدجَّال، يقول صلى الله عليه وسلم مُتحدِّثاً عن الدجَّال:

{ فمن أدركَه منكم فلْيقرأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهفِ فإنها جِوارُكم من فتنتِه، أي الدَّجَّالَ }

(الألباني السلسة الصحيحة)

أي تستجير بسورة الكهف من الفِتن المحيطة بك، فكل الأحاديث الشريفة في فضل سورة الكهف، تُبيِّن أنَّ الكهف هو الملاذ الآمن، وهو النجاة من الفِتن، تكتمل الصورة لنفهم الوحدة الموضوعية من سورة الكهف، أي المعنى العام، لأنه كل سورة في القرآن لها موضوعٌ تدور حوله جميع الآيات، هذا يُسمّونه التفسير الموضوعي للقرآن، وهناك تفسيرٌ لغوي يعتمد على فهم وإعراب القرآن الكريم، على تفسير آيات الأحكام، فقه، يأخُذ الآيات التي فيها حكمٌ شرعي ويُفسِّرها، هذا تفسيرٌ بالمأثور، ما ورد عن السلف في معنى الآية.
لكن هناك تفسيرٌ حديث اليوم اسمه التفسير الموضوعي، ممن أبدع به سيد قطُب رحمه الله، أنَّ لكل سورةٍ وحدةً موضوعية، بحيث تدور الآيات كلها حول هذه الوحدة الموضوعية، الآن سورة الكهف محورها العام العِصمة من الفِتن، كيف أعصِم نفسي من الفِتن؟ الآن إذا قلنا الفِتن قد يتبادر إلى ذهن أحدنا فتنة النساء.

{ ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فتنة المال فتنة، لكن هناك فِتنٌ شديدة في هذا العصر مُحدثة، فتنة الاستضعاف فتنة، عندما نجد أعداءنا يتكالبون علينا فتنة، عندما نجد أعداءنا أقوياء ونحن لا نملِك من أمرنا ما نواجههم فتنة، عندما يتأخَّر النصر فتنة، خلال أربع عشرة سنة في سورية فُتِن الناس، جعل بعض الناس يقولون: أين الله؟ لماذا لا ينتصر للمظلومين؟ لماذا تأخَّر النصر، فتنة أي أنها امتحانٌ شديد.

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)
(سورة الأحزاب)


سورة الكهف محورها العِصمة من الفِتن:
فالفِتن كثيرة، عندما تجد شخصاً مظلوماً ولا تستطيع أن تنصره هذه فِتنةٌ عظيمة، اليوم على الشاشة تجد أهلنا في غزَّة يُقصفون وهُم في الخيام، وأنت لا تستطيع أن تُرسل لهم طعاماً يأكلونه، وأنت قادرٌ على ذلك، فتنة، فالفِتن كثيرة، كيف نعصِم أنفسنا من الفِتن؟ هذه سورة الكهف محورها العِصمة من الفِتن.

كل سورة في القرآن ترتبط بالسورة التي قبلها وبالسورة التي بعدها:
قبل أن أتحدَّث عن مُجمَل سورة الكهف، هناك علمٌ اليوم اسمه عِلم المناسبات بين السور، كيف نربط بين السوَر القرآنية، كل سورة ترتبط بالسورة التي قبلها وبالسورة التي بعدها، ما السورة التي قبل الكهف؟ الإسراء، افتُتِحَت الإسراء بقوله تعالى:

بعض المناسبات بين الإسراء والكهف:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)
(سورة الإسراء)

وافتُتِحَت الكهف بقوله تعالى:

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ(1)
(سورة الكهف)

والتسبيح يأتي دائماً قبل الحمد.

{ كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ علَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فالتسبيح ثم الحمد.

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)
(سورة النصر)

الآن قرأنا في الصلاة:

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(7)
(سورة غافر)

فجاءت الإسراء مُفتَتحةً بالتسبيح، وجاءت الكهف مُفتَتحةً بالحمد، هذه من المناسبات.
أيضاً الإسراء اختُتِمَت بقوله تعالى:

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا(111)
(سورة الإسراء)

فافتُتِحَت الكهف بقوله تعالى: (ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ) واختُتِمَت الإسراء بقوله تعالى: (الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية الرابعة في سورة الكهف:

وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا(4)
(سورة الكهف)

الإسراء كان فيها معجزةٌ حسّية: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) الكهف بدأت بمعجزةٍ معنوية إلى قيام الساعة (ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ) فافتُتِحَت الإسراء بمعجزة، وافتُتِحَت الكهف بمعجزةٍ أُخرى، لكن بينهما اختلاف، فمُعجزة الإسراء مُعجزةٌ حصلت وانتهت بعهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزة القرآن بين أيدينا إلى قيام الساعة، هذه بعض المناسبات بين الإسراء والكهف، على كُلٍّ هي سورة العِصمة من الفِتن.

لماذا مَن حَفِظَ العشر الأوائل عُصِمَ ومن قرأ العشر الأواخر عُصِمَ؟
لماذا مَن حَفِظَ العشر الأوائل عُصِمَ ومن قرأ العشر الأواخر عُصِمَ؟ لماذا مرةً الأوائل ومرةً الأواخر؟ لأنك لو قرأت العشر الأوائل من سورة الكهف والأواخر، لوجدت المعاني في الأوائل والأواخر متشابهة تماماً، لكن كُرِّرت المعاني بألفاظٍ جديدة، لكن المعنى العام موجود في المُفتَتح والمُختَتم، سأضرب أمثلةً: في البداية قال: (ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ) تحدَّث عن القرآن، في الختام:

قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109)
(سورة الكهف)

سمّاه الكتاب وهُنا سمّاه كلمات ربّي، فمن العِصمة من الفِتن القرآن، فأنت تُعصَم من الفِتن عندما تقرأ كتاب الله تعالى، التوحيد عِصمةٌ من الفِتن، ففي مفتتح الكهف (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) إيّاك

{ أيُّ الذنبِ أعظمُ قال : أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقكَ وأن تُزَاِنيَ بحليلةِ جارِكَ وأن تقتلَ ولدَكَ أَجْلَ أن يأكلَ معَكَ أو يأكلَ طعامَك }

(أخرجه البخاري ومسلم)

في المُختَتم:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)
(سورة الكهف)

فالتوحيد في المُبتدأ والتوحيد في المُختَتم، والتوحيد هو الذي يعصمك من الفِتن، لأنك تعلم أنه لا مُتصرِّف في الكون إلا الله، ما دام الأمر بيده فقد استسلمنا إليه، هذا يعصِم من الفِتن أيضاً.
مثالٌ ثالث: في المُفتَتح قال:

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(6)
(سورة الكهف)


لو لم يكن النبي بشراً لما كان قدوةً لنا نقتدي به:
تحدَّث عن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقومه (بَاخِعٌ) أي مُهلكٌ، لعلَّك مُهلكٌ نفسك على آثارهم، تريد منهم أن يؤمنوا، انظُر إلى رحمته صلى الله عليه وسلم، في المُختَتم قال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ) أنا قدّوَتكم، أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ، ميزتي عنكم الوحي، لكن أنا قدوة لكم لأنني بشر، لو لم أكُن بشراً لما كنت قدوةً، كيف نقتدي؟ لو قلنا لإنسانٍ عليك بجبريل اقتدِ بجبريل، وجبريل مَلَك، فيقول: أنا كيف أقتدي بجبريل؟! هو لا يشتهي وأنا أشتهي، نقول له: اقتدِ برسول الله، يقول: سمعاً وطاعة، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

{ كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ -وَهي أُمُّ أَنَسٍ- فَرَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ اليَتِيمَةَ، فَقالَ: آنْتِ هِيهْ؟ لقَدْ كَبِرْتِ، لا كَبِرَ سِنُّكِ، فَرَجَعَتِ اليَتِيمَةُ إلى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: ما لَكِ يا بُنَيَّةُ؟ قالتِ الجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالآنَ لا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا -أَوْ قالَتْ: قَرْنِي- فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا، حتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما لَكِ يا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، أَدَعَوْتَ علَى يَتِيمَتي؟! قالَ: وَما ذَاكِ يا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قالَتْ: زَعَمَتْ أنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ، أَمَا تَعْلَمِينَ أنَّ شَرْطِي علَى رَبِّي، أَنِّي اشْتَرَطْتُ علَى رَبِّي فَقُلتُ: إنَّما أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كما يَرْضَى البَشَرُ، وَأَغْضَبُ كما يَغْضَبُ البَشَرُ، فأيُّما أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه مِن أُمَّتِي بدَعْوَةٍ ليسَ لَهَا بأَهْلٍ؛ أَنْ يَجْعَلَهَا له طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بهَا منه يَومَ القِيَامَةِ }

(أخرجه مسلم)

فبشريته جعلته قدوةً.
فتحدَّث عن الرسول والرسالة في المبدأ، وتحدَّث عن الرسول والرسالة في الختام، واعتصامك بمنهج رسول الله وبرحمته عِصمةٌ لك من الفِتن، انظروا إلى عَظمة القرآن الكريم، فذكر في المبدأ وفي الختام.
هذه نماذج، لكن أنتم الآن لو عُدت وقرأت الآن الكهف، اقرأ العشر آيات الأوائل والأواخر، تجدها متكاملةً فيما بينها، طبعاً لا يوجد تكرارٌ بالقرآن، المعنى عُرِض هُنا بطريقةٍ وهُنا بطريقةٍ تُعطي وتولِّد معانٍ جديدة، لكن أصل الفكرة بالعِصمة من الفِتن موجودة في المبدأ وفي الختام، فعليك بالعشر الأوائل أو الأواخر، أو بالاثنين معاً.

سبب نزول سورة الكهف:
الآن هذه السورة بين المبدأ والختام، بين العشر الأوائل والعشر الأواخر، عَرضت بشكلٍ رئيسي لأربع قصصٍ ولأربع فِتن، فكل قصةٍ فيها فِتنة وفيها سبيل النجاة من الفِتنة، وقبل أن أعرِض الفِتن سأذكُر سبب النزول، لأنَّ سبب النزول إذا كان صحيحاً من السُنَّة، يُفيد في فهم موضوع السورة، سبب نزول السورة أنَّ النضر بن الحارث وعُقبة ذهبوا إلى أحبار يهود، يسألونهم هل هو نبيٌ أم مُتقوِّل؟ أي يتقوَّل شيئاً وهو ليس نبي، فذهبوا إلى يهود وسألوهم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سَلوه عن ثلاثة أمور، فإن عَلِمها فهو نبيٌ مُرسل، فكانت الأمور الثلاثة عن الفتية الذين كانوا في أول الدهر، ماذا كان من أمرهم، وعن الرجُل الذي طوَّف مشارق الأرض ومغاربها ذو القرنين، وعن الروح ما هي؟ ما معنى الروح؟ فرجعوا إلى رسول الله وسألوه، فقال: غداً أُجيبكم، لكن لم يستثنِ، لم يقُل إن شاء الله، فأيضاً تعلمنا درساً قال:

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا(23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا(24)
(سورة الكهف)

فاستلبث الوحي خمسة عشر يوماً، ثم نزل القرآن الكريم يُجيبهم عن أسئلتهم، طبعاً استلباث الوحي هُنا أفادنا بفائدةٍ وهو ألّا نجزم بشيءٍ، لا تقُل غداً سأفعل، قُل إن شاء الله، استثني، لكن علَّمنا شيئاً آخر ضمنياً، وهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أوصل لهم رسالة الوحي، أنه لو كان الأمر من عنده لأخبرهم بمعلوماته التي يعلمها، لكن لمّا انتظر إذاً هو نبيٌ مُرسل، لماذا ينتظر إذا كانت المعلومة عنده مما قرأه؟

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)
(سورة العنكبوت)


أُميّة النبي هي وسام شرفٍ بحقّه:
اليوم تصلكم أحياناً على وسائل التواصل وقد وصلتني، وأنا دائماً أُصحِّح لمن يُرسلها يظن أنه يُرسل شيئاً جميلاً، يقول: غشّوكم في المدارس وفي المساجد، وعلَّموكم أنَّ النبي أُميّ وهو الذي كان يقرأ ويكتب بسبع عشرة لغة، ومن هذا الكلام، وأُميّ أي أنه منسوبٌ إلى أُم القُرى وهي مكَّة المُكرَّمة، وكذبوا على رسول الله وادَّعوا أنه أُميّ حاشاه أن يكون أُميَّاً، ويظنون بذلك أنهم ينتصرون لرسول الله، والحقيقة أنهم يُخطئون من حيث إن صحَّحنا النيَّة أرادوا أن يُحسنوا، وإن أسأنا النيَّة من حيث أرادوا أن يصلوا إلى شيءٍ أبعد من ذلك.
فالنبي أُميٌّ بمعنى أنه منسوبٌ إلى الأُم، لا يقرأ ولا يكتُب، لقوله تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) وإن كان يصحّ لغةً أن يُنسَب إلى أم القُرى فيُقال أُميّ، لكن العرب لا تنسِب إلى أُم القُرى، تقول فُلانٌ مكّي لا تقول أُميّ، لغةً تصح، النسَب إلى الجزء الأول من أُم القُرى، لكن لم يَرِد على لسان العرب أن ينسبوا الإنسان إلى أُم القُرى فيقولون: فُلانٌ أُميّ وإنما يقولون: فُلانٌ مكّي ومدني ودمشقي.
لماذا يُسيئون من حيث لا يشعرون؟ لأنَّ الله تعالى برَّأه من علوم الأرض، حتى نعلم أنه وحيٌ من الله، أُميّتنا نحن نقطةٌ سيئةٌ في تاريخنا، لو قلت إنسانٌ أُميّ، أي أنه لا يقرأ ولا يكتُب، نحن نعدّها وصمة عار، لكن بحقِّه صلى الله عليه وسلم هي وسام شرف، لأنَّ الله لمّا فرَّغ وعاءه من علوم الأرض ملأهُ من علوم السماء، فما عاد بحاجةٍ لعلوم الأرض.
كان هناك دكتور في جامعة دمشق رحمه الله، كان له كتابٌ مؤلَّف درسناه في الشريعة، الدكتور فتحي الدُريمي، وهذا الرجُل من أول ما ناقشوا رسائل الدكتوراه بجامعة دمشق، مرةً جلس رجُلٌ علماني بعيد عن الدين، وعند الحوار في النهاية أراد أن يُحرِج رئيس الجامعة والكليَّة فقال: وما فائدة الدراسة؟ تدرسون ماجستير ودكتوراه ونبيكم أُميّ لا يقرأ ولا يكتُب، لماذا تتعلمون؟ فقال له: نبينا أُميّ لكن الله علَّمه، ولو أنَّ الله ملأ أفئدتنا من العلوم مباشرةً، لأغلقنا جامعة دمشق وما احتجنا إليها نهائياً، هذا النبي الأُميّ نحن اليوم نأتي بعشرة أحاديث فقط من أحاديثه الشريفة، فيدرسها الطالب خلال سنتين، ثم يأخُذ بها الدكتوراه بعشرة أحاديث فقط، لأنَّ الله علَّمه.

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)
(سورة النساء)


لمّا استلبث الوحي كان هذا دِلالةً على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم موحى إليه:
فأُميَّته صلى الله عليه وسلم وسام شرفٍ له، لأنَّ الله ملأ جُعبته من علوم السماء، فتعلَّم عِلماً نقياً صافياً من كل شوائب البشر، لغةً أعظم لغة، فقه أعظم فقه، عقيدة صافية نقية، ليس بحاجةٍ أن يقرأ كتُب ولا أن يكتُب كتُب، فالوحي لمّا استلبث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأخَّر، وهذا جرى أكثر من مرة، جرى أيضاً لمّا استلبث الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن عائشة رضي الله عنها، لمّا اتُّهِمت بالزِنا والعياذ بالله، وهي الطاهرة المُطهَّرة المُبرَّأة لعن الله من اتَّهمها بما برَّأها الله منه، لمّا اتُّهِمت استلبث الوحي، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع الحديث يُدار في المدينة وهو صامت، ثم يقول له تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11)
(سورة النور)

من أعظم ما في خيرية هذا الأمر، أنَّ الناس علموا جميعاً أنَّ الوحي من الله، فلو كان يُبرِئُها من تلقاء نفسه، لبرَّأها بآيتين، لكنه يسمع التُّهَم تُدار في المدينة، والناس يتهامسون، وتقول عائشة: لا أعرف في وجهه والترحاب مما كنت أعرفه، يُسلِّم ويجلس، موقف صعب جداً، وهو ينتظر وحي السماء، لا يأتي بتلقاء نفسه بشيءٍ صلى الله عليه وسلم، فأيضاً هُنا لمّا استلبث الوحي كان هذا دِلالةً على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم موحى إليه.

سورة الكهف عَرضت أربع فِتن:
الفتنة الأولى هي فتنة السلطان:
هذه الفِتن الأربعة يا كرام في سورة الكهف، الفتنة الأولى هي فتنة السلطان، عندما يكون هناك حاكمٌ مُتجبِّرٌ قوي، يصرِف الناس عن دينهم، يظلم الناس، يطغى في الأرض بغير الحق، الآن هذه فتنةٌ عظيمة، هل يا تُرى نقف معه ونمدحه وهو يقتل الناس؟ أم نواجهه ونحن لا قدرة لنا به مثلاً؟ أم نخرُج ونهاجر؟ فتنةٌ عظيمة، وهذه جرت في بلادنا، فُتِنَ الناس، هناك من نجا، صمت ونجَّاه الله تعالى، هناك من امتدح الطُغاة وجعلهم قريباً من الأنبياء والعياذ بالله، هناك من شارك ضده لكن بطريقةٍ غير صحيحة، حصل، وهناك من فعل الصحيح وكلٌّ حسابه عند ربِّه، لكن هذه الفتنة فتنة السلطان فتنةٌ عظيمة، فالقرآن بدأ بها، مجموعة فتية، أهل الكهف فتية.

نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)
(سورة الكهف)

ووصفهم ربُّنا بأنهم فتية، إشارةً إلى القوة والعزيمة، لمّا أُجبروا على الشِرك، وأُجبروا على ترك عبادة الله تعالى، ماذا فعلوا؟ كيف ننجو من هذه الفتنة؟ قال:

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا(16)
(سورة الكهف)

اعتزلوا، ما قَبِلوا، ما رضخوا، لم يجدوا في أنفسهم قوةً على مجابهته، يقتلهم في ثانيةٍ واحدة، ورُبما لو فعل أحدٌ ذلك:

{ سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله }

(أخرجه ابن حبان في المجروحين والحاكم والديلمي في الفردوس)

وهو شهيد، لكن هُم اتَّخذوا موقف صحيح أيضاً الهجرة، والنبي صلى الله عليه وسلم تتنزَّل عليه هذه الآيات في مكَّة في السنة الرابعة للبعثة، وقد واشتدَّ أذى المشركين، فيُسلّي الله عنه بسورة الكهف، وكأنه يُخبره بأنَّ لهم الكهف ولك الغار، النبي صلى الله عليه وسلم كان له كهفان، غار حِراء وغار ثور، غار حِراء كان كهف العبادة، كهف التوجُّه إلى الله، لو أنَّ أحدكم زار غار حِراء، ينظُر إلى كهفٍ عجيبٍ صغيرٍ جداً، فيه سريرٌ صغير من الحَجَر، وفيه فتحةٌ يُطل منها على مكَّة المُكرَّمة، يقول:

{ عن عائشةَ رضي الله عنها في بدْءِ الوحيِ في قولِها فيه: وكانَ يخلُو بغارِ حراءَ فيتحنثُ فيهِ، وهوَ التعبدُ الليالي ذواتِ العددِ }

(أخرجه البخاري وأحمد وعبد الرزاق)

ينام، أنت في النهار تستوحش، ما الذي كان يؤنسه؟ ربُّه جلَّ جلاله، مع الله والكعبة في قِبالته، يُناجي ربُّه، يُصلّي، كان هناك صلاة قبل الإسراء والمعراج، لأنه أول ما فُرضت الصلاة، ركعتين في الغداة وركعتين في العشي، يُناجي ربَّه، يتفكَّر في خلق السماوات والأرض، ينظُر في السماوات والأرض

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)
(سورة آل عمران)

ينظُر في حال قومه، يتأسّى لهم، يرسُم خطةً لهدايتهم، غار هذا كهف، والغار الثاني غار ثور، لمّا احتمى به وهاجر كما فعل أصحاب الكهف، فالآن كأنَّ الآيات تتنزَّل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتُنبِئُه بكهفه وبغاره، فالغار له والكهف لأصحاب الكهف، فهذه الفتنة الأولى فتنة السلطان.

الفتنة الثانية هي فتنة المال:
الفتنة الثانية هي فتنة المال، الإنسان إذا جاءه المال فُتِنَ به، أي امتُحِن، اختُبِر، فإمّا أن ينجح وإمّا أن يرسُب، ما الذي حصل بفتنة المال بين الرجُل وصاحبه؟ الأول قال:

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا(34)
(سورة الكهف)

فُتِن فرسَب، امتُحِن فأخفَق في الامتحان، اعتدَّ بنفسه (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) هذا المال من جُهدي، من قوَّتي، من عرق جبيني، ليس لأحدٍ فضلٌ ولا مِنَّةٌ فيه، منع الفقراء حقَّهم فيه، فُتِن فرسَب، كيف وجَّههُ صاحبه؟ قال:

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا(39)
(سورة الكهف)

وجَّههُ إلى أن ينسِب النعمة إلى المُنعِم لا أن ينسِب النعمة إلى نفسه، قال له: (قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هذا من مشيئة الله، كيف لي مالٌ من غير أن يأذَن الله؟! كيف لي نفرٌ إن لم يُعطنِ الله؟! فوجَّههُ إلى أنَّ النجاة من فتنة المال، هي أن تبقى مع مَن وهبك المال، لا أن تنشغل بالمال عن واهب المال.
نحن اليوم بعالَم البشر، إذا كان هناك فقيرٌ نسأل الله أن يُغنينا جميعاً من فضله، وجاء شخصٌ وساعده وأعطاه ألف ليرة، فأمَّسكها وجعل ينظُر إليها وطار عقله بها، ثم وضعها في جيبه ومضى، والمُتصدِّق وقف ينتظر الشُكر منه، ما الذي حصل مع هذا الرجُل؟ انشغل بالمال عن واهب المال، المجازي، لأنَّ المال مال الله، فنحن حالنا في الدنيا إذا أحد جاءه مال، وسُرَّ به وما قال: يا ربّ لا قوة إلا بك، هذا رزقك، ونفس الشيء بالطعام والشراب، لذلك يقول صلى اله عليه وسلم:

{ ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً فقال الحمدُ للهِ إلا كان الذي أعطاهُ أفضلَ مما أخذ }

(أخرجه ابن ماجه والطبراني والبيهقي)

لأنَّ النعمة تنتهي أمّا الحمد يبقى، فأيُّهما أفضل الفاني أم الباقي؟ الباقي، فهذه فتنة المال والنجاة منها أن تنسِب النعمة إلى المُنعِم.

الفتنة الثالثة هي فتنة العِلم:
الفتنة الثالثة هي فتنة العِلم، أحياناً ربُّنا عزَّ وجل يُعلِّمك عِلماً، عِلمٌ ديني أو دنيوي، الدين قِسمان: عِلمٌ بالله أو بأمر الله، بالله تقوم الليل، هذا عِلمٌ بالله، بأمر الله تتعلَّم فقه مُقارن، أصول فقه، حديث، أو عِلمٌ دنيوي: فيزياء كيمياء رياضيات فَلَك إلى آخره... فيُفتَن الإنسان فيتعالى من داخله بأنه عالِم، وأنه أعلم مَن في هذه المسألة، يقول لك: أنا هذه المسألة دارسها جيداً، فهذه فِتنةٌ عظيمة، فِتنة العِلم فِتنةٌ عظيمة.

الله جلَّ جلاله أرسل موسى إلى مَن هو أعلم منه:
فربُّنا جلَّ جلاله أرسل موسى إلى مَن هو أعلم منه، وهو العبد الصالح الذي يُروى أنه الخَضِر والله أعلم.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76)
(سورة يوسف)

لا تغتر، العِلم جماله بالتواضع، جماله أن تعلَم أن فوقك من يعلَم كثير.

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا(65)
(سورة الكهف)

ليس من علوم الأرض بل (مِن لَّدُنَّا) عِلمٌ مُباشَر.
فسيدنا موسى فهم الرسالة قال له:

قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)
(سورة الكهف)

لا تقول أنا أعرف، قد يكون غيرك يعرف أكثر منك، الهدهُد قال لسليمان:

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(22)
(سورة النمل)

الهدهُد أحاط بشيءٍ لم يُحِط به سليمان عليه السلام، أحياناً طفلٌ صغير يُعلِّمُك ويلفِت نظرك، والله مرَّات وليس مرَّة، أنزِل من على المِنبَر فيلفِت نظري شخصٌ إلى شيءٍ أنا لم أنتبه إليه، يقول: كيف هذه؟ أقول له: والله كلامك صحيح (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ).

{ قامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بالخيفِ من منًى، فقالَ: نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ، ثلاثٌ لا يُغلُّ علَيهِنَّ قلبُ مؤمنٍ: إخلاصُ العملِ للَّهِ، والنَّصيحةُ لوُلاةِ المسلمينَ، ولزومُ جماعتِهِم، فإنَّ دَعوتَهُم، تُحيطُ مِن ورائِهِم }

(صحيح ابن ماجه)

فلذلك قالوا: قد يأتي المفضول بما لم يأتِ به الفاضل.

العِلم الذي علَّمه الله تعالى للعبد الصالح أعظم من العِلم الذي عند موسى:
فهذا العِلم الذي علَّمه الله تعالى للعبد الصالح، كان أعظم من العِلم الذي عند موسى، سيدنا موسى كان عنده عِلمٌ شرعي، فأنكر على العبد الصالح ما جرى، العبد الصالح ما الذي فعله؟ خرق السفينة وهذا ضمن علوم الشريعة ممنوع، والآن إذا أحد خرق السفينة فحاسبوه، لا يقول لك: أنا عندي علم لَدُنّي، قل له: هذه انتهت، اليوم هناك بعض المشايخ يستغلون هذه القصة، يقول لك: يوجد علم لَدُنّي، النبي صلى الله عليه وسلم آخر شيء وهو خاتم النبيين، نحن ما عندنا علم لَدُنّي، عندنا عِلمٌ شرعي، فاليوم إذا أحد خرق السفينة وقال لك: سيحدُث بها شيء، قُل له: لا لن يحدُث شيء، خذه إلى مخفر الشرطة وحاسبه، فخَرَق السفينة، إتلاف مُمتلكات.

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا(82)
(سورة الكهف)

قَتَل الغُلام، والقاتل يُقتَل (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا) بنى الجدار وقد رفضوا أن يُضيفوهما، هذه الأفعال الثلاثة التي قام بها العبد الصالح، وضعت موسى أمام علمٍ جديد، وهو أن يفهم أنَّ الله عزَّ وجل علمه مُطلَق، وأنَّ عِلمنا حادث بشري.
سيدنا موسى عنده طبيعةٌ نيرانية إن صحّ التعبير، الناس طبائع، سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر، سيدنا موسى عليه السلام:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ(15)
(سورة القصص)

تتضِح الطبيعة، فلمّا أُلحِق بالعبد الصالح:

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(67)
(سورة الكهف)

قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا(69)
(سورة الكهف)

لكنه لم يستطع، كل ما فعل موضوع يعترض سيدنا موسى، حتى قال له:

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا(78)
(سورة الكهف)


الأمور التي جَرَت مع العبد الصالح جرى مثلها مع موسى عليه السلام:
الأمور التي جَرَت مع العبد الصالح، جرى مثلها مع موسى عليه السلام ولكنه لم ينتبه، سَيَّرتُه أقدار الله ولم ينتبه، قال له:

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا(71)
(سورة الكهف)

وأنت عندما وضعناك في التابوت كل أهل الأرض يقولون ستغرق، فهل غرقت أم نجوت؟!

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا(74)
(سورة الكهف)

وأنت وكزت الرجُل فقضيت عليه.

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا(77)
(سورة الكهف)

وأنت سَقيت للفتاتين لماذا لم تأخُذ أجراً؟ وكنت متعباً، لماذا تُريد منه أن يأخُذ أجراً؟!
الأقدار التي حصلت مع العبد الصالح ومع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هذه الأقدار تُمثِّل حالنا نحن البشر في الأقدار التي تمضي بنا، فأحياناً يأتي القدَر من الله ولا نفهم حكمته، لكن نستسلم لله، مثل الغُلام، قُتِل الغُلام ولم يعلم والداه لماذا قُتِل، لكن يوم القيامة سيُكشَف لهما الحكمة بأنه كان:

وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)
(سورة الكهف)

فسيذوبان حُبَّاً بالله على قَدَره.
القدَر الثاني كُشِفت حكمته لكن تأخرت، بُنيَ الجدار، لماذا بنى الجدار؟ والله لا نعلم، جاء رجُلٌ بنى الجدار وذهب، بعد عشر سنوات كبُر الغُلامان، عَمِلوا تحديثات في البيت وهدموا الجدار فوجدوا الكنز (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) اكتُشِفت الحكمة رُبما مساءً، بعد حينٍ قصيرٍ اتضَّحت.

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)
(سورة الكهف)

فالأقدار التي تمضي بنا، إمّا أن نكشِف حكمتها حالاً، أو بعد حين، أو لا نكشِف حكمتها إلى يوم القيامة، لكن حسبُنا أن نستسلم لله تعالى فيها.

الفِتنة الرابعة هي فِتنة التمكين في الأرض:
الفِتنة الرابعة هي فِتنة التمكين في الأرض، عندما يُمكنك الله، كنتَ بامتحانٍ للطب ومُستضعَف، وتُريد النجاح فقط ونجحت وتمكنت، كيف ستتعامل مع المرضى؟
هذا تمكينٌ بسيط، كان عدوَّك يمنُعك من الصلاة ثم انتصرت عليه، ستُصلّي أم لن تُصلّي؟
نُريد أن نُحرر المسجد الأقصى إن شاء الله، ربّنا يُكرمنا إن شاء الله صلاةً فيه قبل الممات، إذا حرّرنا فلسطين والمسجد الأقصى سنُصلّي أم نفتح دوْراً للهو؟ فتنة التمكين عندما يُمكنك الله، يجعل لك الغلبة في مكانٍ ما، سواءً في عملك أو بيتك أو في الأُمة كلها، أو في المُحرر والقدس، ماذا ستصنع؟

قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129)
(سورة الأعراف)

ذو القرنين مكَّنه الله تعالى، لكن هل اعتمد على الأسباب التي بين يديه لمّا مُكِّن أم اعتمد على ربّ الأرباب جلَّ جلاله؟

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(95)
(سورة الكهف)

الأسباب أستخدمها لكن التمكين من الله تعالى، أتَّخِذ الأسباب وأتوكل على ربّ الأرباب، بعض الناس يُمكِّنهم الله في الأرض فيظنون أنَّ الأسباب بين أيديهم، وأنَّ كل شيءٍ مؤمَّن، فينسون الله تعالى، وبعض الناس يُمكِّنهم الله في الأرض، فيتركون الأخذ بالأسباب كلها، ويقولون نحن متوكلون على الله، وهذا خطأٌ آخر، أمّا ذو القرنين فقد مُكِّن في الأرض:

فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85)
(سورة الكهف)

تفاعل مع الأسباب، وعمل واجتهد، وبنى وعمَّر، وطاف مشارق الأرض ومغاربها ينشُر العدل، دون أن ينسى أنَّ الله هو الذي مكَّنه (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) هذا والله تعالى أجلُّ وأعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الدعاء:
اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافِنا واعفُ عنّا وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأنّا نراك، أسعِدنا بلُقياك واجمعنا بحبيبك ومُصطفاك صلى الله عليه وسلم في مُستقر رحمتك.
اللهم انصُر أهلنا في غزَّة على عدوّك وعدوّهم، وانصُر المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، واجعل بلاد المسلمين وبلدنا أمناً سخاءً رخاءً يا أرحم الراحمين، والحمد لله ربِّ العالمين.