251- ما النَّجاةُ؟
251- ما النَّجاةُ؟
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| أيُّها الإخوة الأحباب: لرُبما وقعَ إنسانٌ في ورطةٍ، أو ألمَّت به مُلِمَّةٌ، أو نزلت به مُصيبة، فإنَّ أول ما يُفكِّر به أن يبحث عن مخرَجٍ لما هو فيه، وأن يبحث عن حلٍّ لما نزل به، وأن يبحث عن نجاةٍ لما أحاطَ به، وهذا في أمر الدنيا كثير، أن يبحث الإنسان عن نجاته من ورطةٍ، من مُصيبةٍ، من مرضٍ، من مصاعبٍ ألمَّت به. |
| ألا ترون يا كرام، أنَّ الفِتَن قد أحاطت بنا من كل حدَبٍ وصوب؟ ألا تلحظون أنها تكاثرت يُريد مُشعلوها النَيل من ديننا، بل إنَّ الفِتَن اليوم تنال من دُنيانا التي هي مطية أُخرانا، وتنال من ديننا الذي هو عِصمة أمرنا، وتنال من آخرتنا التي إليها معادُنا، ألا ينبغي أن يسأل المؤمن عن المخرَج؟ وعن كيفية النجاة من براثن الفِتَن؟ وعن الحلّ الناجع لمواجهتها؟ |
النجاة من الفِتَن التي تُحيط بنا له شِقّان:
| أيُّها الإخوة الكرام: الحل هُنا والنجاة من الفِتَن التي تُحيط له شِقّان، الشِق الأول فكريٌ إيماني، أن يتمسَّك الإنسان بالثوابت لكي لا تعصِف به رياح المُتغيرات، فاليوم ما يُحيط بنا كله من المُتغيرات، لكن الثابت هو الإيمان، فالتمسُّك بالثوابت في زمن المُتغيرات هو الشِقُّ الفكري. |
| والشِقّ الثاني هو شِقٌّ عملي، الخطوات العملية التي ينبغي للمؤمن أن يعمل بها لينجو بنفسه وبدُنياه وبدينه وبآخرته. |
الخطوات العملية التي ينبغي للمؤمن أن يعمل بها لينجو بنفسه وبدُنياه وبدينه وبآخرته:
| سأبدأ بالشِقّ الثاني وهو العملي الخطوات، صحابيٌ جليل له في رقبتنا دَينٌ لأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال المُهم: |
{ عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أَملِكْ عليك لسانَك، وَلْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتِك }
(أخرجه الترمذي والطبراني والبيهقي)
| هكذا ما النجاة؟ وهو في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ما النجاة؟ كيف أنجو؟ ما السبيل إلى أن أنجو بديني؟ أن أنجو بنفسي؟ ألّا يأتي الموت وأنا على شيءٍ يُغضِب الله، ألّا أقضي إلى الله ومُصيبتي في ديني، وهذه أعظم المصائب، اللهم لا تجعل مُصيبتنا في ديننا. |
| (ما النجاة؟) فقال له صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي جوامِع الكلِم بأبي هو وأمي، انظروا إلى هذه الكلمات الثلاث، التي لخَّصت السبُل العملية للنجاة من الفِتَن، من الخطوب، من المِحَن، من المصاعب، من متاعب الدنيا، من مصائب الدين: (ما النجاة؟ قال: أَملِكْ عليك لسانَك، وَلْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتِك). |
| أَملِكْ أو إملِكْ روايتان صحيحتان، وفي روايةٍ: |
{ قلتُ يا رسولَ اللهِ ما النَّجاةُ؟ قال: أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ }
(أخرجه أحمد والطبراني)
| (أَملِكْ عليك لسانَك، وَلْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتِك). |
الوصية الأولى: حفظ اللسان
| أيُّها الإخوة الكرام: الوصية الأولى: (أَملِكْ عليك لسانَك) هل نملِك لساننا أم يملكنا؟ هذا هو السؤال، من كان جوابه أملِك لساني فهنيئاً لك، ومن كان جوابه يملكني لساني فيقودني فأتكلم بهواه، فراجع حساباتك قبل فوات الأوان (أَملِكْ عليك لسانَك) أن تتحكَّم به لا أن يتحكَّم بك. |
| كنت قلت من على هذا المنبر مِراراً وأُعيدها: من أعظم الخيارات التي نملِكها في الحياة خيار الصمت، أن يصمِت الإنسان، وهذا الخيار لا يُحسنه كثيرٌ من الناس للأسف، مع أنه متاحٌ وبسيطٌ وسهلٌ أن يصمِت، ذكرتُ ذلك عندما تحدَّثنا عن قوله صلى الله عليه وسلم: |
من أعظم الخيارات التي نملِكها في الحياة خيار الصمت:
{ مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ ضَيفَه }
(أخرجه البخاري)
| خياران. |
| فضيلة الصمت، فضيلة أن يسكُت الإنسان عندما يجد أنَّ الصمت أَولى، لئلا يقع في مُصيبةٍ فيورده لسانه المهالك. |
| كان عُمر رضي الله عنه عملاق الإسلام، يُمسِك بلسان نفسه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد" عُمر رضي الله عنه يخاف من لسانه، (أَملِكْ عليك لسانَك) هذه الوصية الأولى. |
| لمّا أوصى صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بوصايا عديدةٍ في العقيدة والسلوك، قال له بعد ذلك: |
{ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني بعملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني منَ النَّارِ، قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنَّهُ ليسيرٌ علَى من يسَّرَه اللهُ عليه، تعبدُ اللهَ ولا تشرِكُ بِه شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتؤتي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ، ثمَّ قالَ: ألا أدلُّكَ علَى أبوابِ الخيرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ، كَما يطفئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجلِ في جوفِ اللَّيلِ، ثمَّ تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ الْمَضَاجِعِ حتَّى بَلغَ: يَعمَلونَ ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أو علَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم }
(أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه)
| (كُفَّ عليكَ هذا). |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول تعالى: |
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83)(سورة النساء)
| هذا الذي لا يملِك لسانه، يسمَع فيتكلم: "قالوا لي"، "سمعت"، "منقول"، هذا واقعنا، وقالت العرب: القلم أحد اللسانين، أي لك لسانان، لسانٌ في فمك ولسانٌ بين أُصبُعيك القلم، القلم لسان، يكتُب تعليقاً على وسائل التواصل ينال من إنسانٍ، ويكتُب في عِرضه على وسائط التواصل، يستفز إنساناً ليُخرِج أسوأ ما فيه، فيكتُب عنه شيئاً فيرُد ويرُد الثاني وهكذا، من أجل قضيةٍ فرعية، من أجل شيءٍ لا يُقدِّم ولا يؤخِّر أحياناً، يستفز الآخرين، وكلَّمتكم سابقاً عن مُتعةٍ اسمُها مُتعة الاستفزاز، يستمتع يقول لك: كلَّمته فجعلته لا يعلَم ما يقول، أخرجته عن طوره، ما شاء الله ما هذه المهارة؟! ليتك أخرجت أحسَن ما فيه بدلاً من أن تُخرِج أسوأ ما فيه؟ |
| إذاً أيُّها الإخوة الكرام: الوصية الأولى من رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ اللسان، قال: (أَملِكْ عليك لسانَك). |
الوصية الثانية: (وليسعْكَ بيتُك)
| الثانية قال: (وليسعْكَ بيتُك) وهذه الوصية العظيمة في النجاة من الفِتَن لها معنيان. |
المعنى الأول: أن يأوي الإنسان إلى بيته
| المعنى الأول يتبادر إلى ذهنكم، أن يأوي الإنسان إلى بيته، أن يُقيم شرع الله في بيته، مع انتشار الفِتَن يأوي إلى بيته، وهذا ليس انسحاباً أو هروباً أبداً، بمعنى أنه لا ينبغي أن يُترَك الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، والعمل للإصلاح بين الناس، ولكن مع اعتزال الفِتَن في البيت. |
| أحياناً الإنسان يخرُج فيجد فِتَناً عريضةً فيجعل بيته جنَّته، وقد قالوا: "جنَّة المؤمن داره"، ففي بيته له سُلطةٌ، يستطيع أن يُربّي أولاده، يستطيع أن يُكرِم زوجته، يستطيع أن يُقيم شرع ربِّه دون فِتنةٍ مُحيطة (وليسعْكَ بيتُك) لا تُغادر بيتك، الزَم بيتك، ليست دعوةً لترك الإصلاح، ولا لترك الأمر بالمعروف فإنها فريضة، ولا لترك النهي عن المُنكَر فإنه فريضة، لكن للزوم البيت بالعمل والإصلاح وهدوء النفس، وهذا المعنى الأول. |
المعنى الثاني: ألّا نمُدَّ أعيننا إلى بيوت الآخرين:
| لكن المعنى الثاني أعمَق: (وليسعْكَ بيتُك) بمعنى ألّا نمُدَّ أعيننا إلى بيوت الآخرين، لا تمُدَّ عينك إلى ما أعطى الله الآخرين (وليسعْكَ بيتُك) كثيرٌ من الناس ينظُر اليوم إلى ما متَّع الله به أُناساً آخرين، ما أعطاهم من البيوت الواسعة، من السيارات الفارهة، من كذا، فيبقى قلبه مُعلَّقاً بما أعطى الله للناس، فيعيش كآبةً ورُبما تتنقل إلى حسدٍ على الآخرين (وليسعْكَ بيتُك). |
| ما أكرمك الله به في بيتك، لعلَّك ترى الآخرين وقد أكرمهم الله ببيتٍ واسعٍ، لكن ما أدراك أنَّ فيه سكينةً؟ لعلَّك ترى الآخرين وقد أكرمهم الله بمالٍ وفير، لكن ما أدراك أنَّ فيه بركةً؟ ثم ما أدراك أنَّ ما أكرمهم به يُصلِحُكَ إن أكرمك به؟ الله أعلم بأحوالنا، فلعلَّه زوى عنك شيئاً من الدنيا ليُكرمك بشيءٍ آخر، أو لعلَّه زوى عنك شيئاً من الدنيا، لأنه يعلَم أنها إن وسِّعَت عليك فإنك قد تعصي الله بها، فإنَّ الله تعالى يُريد أن يحميك منها، لا تدري ما حكمة الله (وليسعْكَ بيتُك) دَع عنك الناس وما أكرمهم الله به. |
| لذلك أيُّها الإخوة الكرام، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ انظُروا إلى مَن أسفَلَ مِنكُم، ولا تَنظُروا إلى مَن هو فوقَكُم، فهو أجدَرُ أن لا تَزدَروا نِعمةَ اللهِ علَيكُم }
(أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد)
| دائماً الإنسان بما أكرمه الله به في الدنيا، ينظُر إلى مَن هو دونه، الحمد لله لي بيتٌ يؤويني، سواءً كان مُلكاً أم مُستأجراً، واسعاً أم ضيِّقاً الحمد لله، ينظُر إلى إنسانٍ ليس عنده بيتٌ، فأنا خير، الحمد لله، أفضل، في الدنيا انظُر إلى من هو دونك، لا ينظُر الإنسان إلى من هو فوقه إلا في شأن الآخرة فقط، فيقول: فلانٌ ما شاء الله يقوم الليل وأنا مُقصِّرٌ، فلانٌ يُنفِق وأنا أملِك ومُقصِّرٌ في النفقة، فينظُر إلى مَن هو فوقه في أمور الآخرة، وينظُر إلى من هو دونه في أمور الدنيا. |
| أيُّها الإخوة الكرام، يقول تعالى: |
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ(131)(سورة طه)
| هذه الآية أيُّها الكرام: فيها نَهيٌ، وفيها تعليلٌ، وفيها تقرير، نَهيٌ وتعليلٌ وتقرير. |
اقصِر نظرك على ما أعطاك الله إيّاه:
| النَهي: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) اقصِر نظرك على ما أعطاك الله إيّاه، اكتفِ به، لأنَّ مدَّ العين، ومعنى مدَّ العين هُنا له دِلالة، الإنسان ينظُر لكن مدّ العين بمعنى أنه يُطيل النظَر، يُمعِن النظَر فيما أعطى الله للناس الآخرين من الدنيا، يُطيل النظَر، يمُدُّ عينه إلى ما عندهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) هذا نَهيٌ. |
لا تبتئس إن فاتك شيءٌ من الامتحان:
| والتعليل قال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) اعلَم أنه امتحانٌ، ما دام امتحاناً فلا تبتئس إن فاتك شيءٌ منه، فلعلَّك تأخُذه فلا تنجح في الامتحان ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) هذا فتنةٌ انتبه. |
ما سيُعطيك إيّاه من الثواب خيرٌ مما أعطاهم:
| أمّا التقرير قال: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) ما سيُعطيك إيّاه من الثواب خيرٌ مما أعطاهم (وَأَبْقَىٰ) يدوم لا ينقضي، أمّا ما أعطاهم فسينقضي بالموت. |
| انظُر إلى هذه التربية العظيمة من الله عزَّ وجل لنفس المؤمن، يَنهاهُ، يُعلِّل له، يُقرِّر، نَهيٌ، تعليلٌ، تقرير. |
| النَهي: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ). |
| التعليل: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ). |
| التقرير: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) ما عند الله من الثواب، خيرٌ في نوعه وأبقى في أمَدهِ (خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ). |
| أيُّها الإخوة الكرام: لمّا خرج قارون على قومه في زينته: |
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)(سورة القصص)
| مدّوا أعينهم (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) بينما في الطرف المُقابل: |
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)(سورة القصص)
| (وليسعْكَ بيتُك). |
الوصية الثالثة: (وابكِ على خطيئتِكَ)
| الثالثة من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وابكِ على خطيئتِكَ). |
| أيُّها الإخوة الأحباب: |
{ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ }
(أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه)
| المؤمن ليس الشخص الذي لا يُخطِئ، أبداً، لكنه الشخص الذي يترُك الكبائر ويبكي على فعل الصغائر، ليس شخصاً لا يُخطئ، لا تتصوَّر أنَّ هناك شخصاً لا يُخطئ، كلنا ذو خطأٍ، مَن منّا لا يُخطِئ؟ مَن منّا يجرؤ أن يدَّعي أنه لا يُخطِئ؟ إن ادّعى ذلك قُلنا له بملء أفواهنا قد كذبت، كلنا ذو خطأٍ، لكن منّا مَن يُخطِئ فتسوءه خطيئته، ومنّا مَن يُخطِئ فلا تسوءه خطيئته، ومنّا مَن يُخطِئ فتسرُّه خطيئته والعياذ بالله، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ مَن سَرَّتْه حَسَنَتُه، وساءَتْه سَيِّئَتُه، فذلك المُؤمِنُ }
(أخرجه الترمذي وأحمد والنسائي)
| إن صلّيت الفجر في جماعةٍ فسرَّك ذلك، إن ركعت ركعتين في جوف الليل فسرَّك ذلك، إن أنفقت نفقةً تبتغي بها وجه الله فسرَّك ذلك، إن صُمتَ يوماً في سبيل الله فسرَّك ما فعلت، ثم إن زلَّت قدمُك ساءتك سيِّئتك قال: (فذلك المُؤمِنُ) ما قال: من لا يقَع في السيِّئة فذلك المؤمن، قال: (من سَرَّتْه حَسَنَتُه، وساءَتْه سَيئَتُه) لأنَّ من تسوءه سيِّئته يتوب إلى الله منها، ويسمَع الله صوته، ويتوب عليه، وتنتهي المُشكلة. |
| أيُّها الإخوة الكرام: لمّا هؤلاء الثلاثة الذين خُلِّفوا، تخلَّفوا عن غزوة تبوك فخُلِّفوا، أُرجِئ أمرهم إلى الله، قال تعالى في سورة التوبة: |
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)(سورة التوبة)
كعب بن مالك بدأ في توبته إلى الله من بكائه على خطيئته:
| أي أُرجِئ أمرهم إلى الله، تخلَّفوا عن غزوة تبوك، وكانوا أربعةً وثمانين رجُلاً، لم يتخلَّف شخصٌ أو شخصين، لأنَّ الغزوة كانت في وقتٍ طابَت فيه الثمار، وحرٌ شديد، وسفرٌ بعيد، فتخلَّف مَن تخلَّف عن رسول الله، كل هؤلاء الذين اعتذروا لم يذكرهم التاريخ، اعتذروا باعتذاراتٍ لرسول الله بعد أن رجع إلى المدينة، كل واحدٍ يقول عُذراً، هذا يقول: ما كانت عندي راحلة، وهذا يقول: كنت مريضاً، وهذا يقول: أنا ضعيف البُنية لا أستطيع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبَل عُذرهم ويكِل أمرهم إلى الله، أمّا هؤلاء الثلاثة وعلى رأسهم كعب بن مالك، فماذا قال كعب كما في الصحيح؟ قال: |
{ فلما عاد رسول الله قافلاً – راجعاً - حضرني همّي، فطَفِقتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه في النِّفاقِ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفاءِ }
(صحيح البخاري)
| كعب بن مالك من أين بدأ في توبته إلى الله؟ من بكائه على خطيئته (وابكِ على خطيئتِكَ) من شعوره بالندَم لأنه فعل شيئاً لا يُرضي الله، وتخلَّف عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| لذلك ذكر الله هؤلاء الثلاثة، وخلَّد ذكرهم في القرآن إلى يوم القيامة، فتاب عليهم قال: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ) هذا الضيق الذي وقَع به لأنه لم يخرُج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان سبباً في توبة الله عليه. |
لا نريد إنساناً لا يُخطِئ لكن نُريد إنساناً تسوءه سيِّئته:
| فإذاً أيُّها الكرام: ما نُريده ليس إنساناً لا يُخطِئ، نتمنّى ذلك، لكن طبيعة الإنسان أنه يُخطِئ، نُريد إنساناً تسوءه سيِّئته، نُريد إنساناً يحضُر همّه وحُزنه إن وقَع في السيِّئة، وهذا نجاةٌ من الفِتَن. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: هذا هو الجانب السلوكي في موضوع النجاة من الفِتَن، أمّا الجانب النظري، الجانب الفكري في الموضوع، فكنت في الخُطبة السابقة عندما تحدَّثنا عن الأعوَر الدجَّال، وعن النجاة من هذه الفِتنة العظيمة، تحدَّثنا عن سورة الكهف، ومضى الوقت ولم نستطع إكمال الفكرة، النبي صلى لله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، والحديثان في صحيح مسلم يقول: |
{ مَن قرأ العَشْرَ الأواخِرَ من سورةِ الكَهْفِ عُصِمَ من فتنةِ الدَّجَّالِ }
(أخرجه مسلم والنسائي وأحمد)
| والدجَّال من أعظم الفِتَن. |
| ويقول صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر في صحيح مسلم: |
{ مَن حَفِظَ عَشرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكَهفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ }
(صحيح مسلم)
العشر الأوائل والعشر الأواخر من سورة الكهف تشترك في الموضوعات نفسها:
| فكنت إذا تأمَّلت هذين الحديثين، قلت في نفسي: هل شكَّ الراوي فقال: عشر من الأوائل أم من الأواخر؟ فلمّا نظرت في روايات الحديث وجدت أنها كلها صحيحة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قرأ العَشْرَ الأواخِرَ من سورةِ الكَهْفِ عُصِمَ) وقال: (مَن حَفِظَ عَشرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكَهفِ عُصِمَ) فما المُناسبة بين العشر الأوائل والعشر الأواخر؟ ثم ما الذي تضمَّنته هذه العشر الأُوَل والعشر الأُخَر من المعاني، حتى تعصِم الإنسان من الفِتنة وتُنجّيه منها؟ فلمّا تتبعت هذه الموضوعات في المُقدِّمة والخاتمة، وجدت أنَّ العشر الأوائل والعشر الأواخر تشترك في الموضوعات نفسها، وهذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك من إعجاز القرآن الكريم، فما ذكره الله تعالى في العشر الأوائل من الأمور التي تعصِم من الفِتَن، ذكره بشكلٍ آخر في العشر الأواخر التي تعصِم من الفِتَن، فمَن قرأ هذه الآيات وحفِظها، ولا يعني حفِظها بمعنى أنه ردَّدها فقط، وإنما حفِظَ ما فيها وفَهِمَ أبعادها، وفَهِمَ القواعد الأساسية فيها، فهي الجانب الفكري الذي يتسلَّح به ويؤدّي إلى الجانب العملي في العِصمة من الفِتَن. |
| وهذا موضوعٌ لن يتَّسع المقام لذكره الآن، لعلَّنا في الخُطبة اللاحقة، فالسابقة قد مضَت، لعلَّنا في الخُطبة اللاحقة إن شاء الله نتحدَّث عنها. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير. |
| اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك، وأصلِح لنا شأننا كله يا أرحم الراحمين. |
| اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم كن لأهلنا في فلسطين وفي السودان وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك عوناً ومُعيناً. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، وألهِمنا سبيلاً لنُصرتهم، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجزونك. |
| اللهم إنّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. |
| اللهم انصُرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصُرنا على أعدائنا، أنت وليُّ ذلك والقادر عليه. |
| واجعل اللهم بلادنا أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

