تحمُّل المسؤولية - اللقاء الأول
تحمُّل المسؤولية - اللقاء الأول
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
كلمة مسؤول ليست كلمةً نترنَّم بها وإنما كلمةٌ ينبغي أن نُطرِق ونفكِّر فيها:
| إخواننا الكرام: بعض الآيات في كتاب الله تضع الإنسان أمام مسؤولياته، وتُبيِّن له أنه مسؤول، اليوم بعض الناس إذا تسلَّم منصباً رفيعاً في الدولة، يترنَّم بهذه الكلمة ويقول: أصبحت مسؤولاً، ومنذ متى لم تكن مسؤولاً؟ أنا مسؤولٌ وأنت مسؤول وكلنا مسؤولون، فكلمة مسؤول ليست كلمةً نترنَّم بها، وإنما كلمةٌ ينبغي أن نُطرِق ونفكِّر فيها، لأنَّ المسؤول ينبغي أن يُعِدّ جواباً، مسؤول على وزن مفعول، وفِعله سُئِلَ، فنحن سنُسأل ومَن سيُسأل ينبغي أن يُعِدّ جواباً، ألا ترى إلى الطالب قبل الامتحان يُحضِّر لأنه سيُسأل، فهل نُحضِّر لأننا مسؤولون أم أحياناً نترنَّم بكلمة أنا أصبحت مسؤولاً؟ كُلَّما عَظُمَت المكانة عَظُمَت المسؤولية، فالإنسان يكون مسؤولاً عن نفسه، ثم يتزوج فيُصبِح مسؤولاً عن نفسه وزوجته، ثم يُنجِب فيُصبِح مسؤولاً عن نفسه وعن زوجته وعن أولاده، ثم يعمَل فيُصبِح مسؤولاً عن عمَّاله، ثم يدخُل في سِلكٍ مُعيَّن فيُصبِح مسؤولاً عن مجموعةٍ كبيرةٍ من الناس وهكذا، قال تعالى: |
وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ(24)(سورة الصافات)
| وقال تعالى: |
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6)(سورة الأعراف)
نحن سنُسأل والأنبياء الذين أُرسلوا إلينا سيُسألون:
| نحن سنُسأل والأنبياء الذين أُرسلوا إلينا سيُسألون، نحن سنُسأل ماذا أجبتم المُرسلين؟ سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُر بالصدق فهل صدقتم؟ سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الغش فهل التزَمتُم، وسيُسأل الأنبياء والمُرسلون إذا بلّغوا الأمانة أم قصَّروا في تبليغها، وهُم بلَّغوها ونشهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أدّى الرسالة، وبلَّغ الأمانة، ونصح الأُمة، لكن قال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) فكلنا مسؤولون أمام الله، الداعية مسؤول والمَدعو مسؤول، العالِم مسؤول والمُتعلِّم مسؤول، كلنا مسؤولون أمام الله، وقال تعالى: |
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)(سورة الحجر)
| هذا قسَم، هذه الآية اجتمع فيها أربعة مؤكدات لم تجتمع إلا في آياتٍ قليلة في كتاب الله تعالى، أربعة مؤكدات، المؤكِّد الأول هو القسَم (فَوَرَبِّكَ) عندما تُقسِم تؤكِّد. |
| يُروى أنَّ أعرابياً سمِع رجُلاً يقرأ قوله تعالى: |
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)(سورة الذاريات)
| فقال: "مَن أغضب الحليم حتى حلف؟" فالقسَم يدل على وجود شيءٍ يستدعي القسَم، فالله تعالى هُنا يُقسِم (فَوَرَبِّكَ) يُخاطب نبيِّه صلى الله عليه وسلم فيُقسِم، فالقسَم هو المؤكِّد الأول، والمؤكِّد الثاني هو اللام الواقعة في جواب القسَم (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ) هذه اللام للتوكيد، والمؤكِّد الثالث هو نون التوكيد الثقيلة (لَنَسْأَلَنَّ) هذه أيضاً مؤكِّد، والمؤكِّد الرابع (أَجْمَعِينَ) هذا يُعرَب في اللغة توكيدٌ لفظي. |
| فأربعة مؤكدات في آيةٍ واحدة ليعلم الإنسان أنه سيُسأل (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فهذه الآية كما قلنا فيها أربعة مؤكدات لأننا سنُسأل جميعاً. |
قيمة المسؤولية هي القيمة التي تجتمع فيها كل القيَم الأُخرى:
| الآن قيمة المسؤولية هي القيمة التي فيما أزعُم أنها تجتمع فيها كل القيَم الأُخرى، يعني الصادق هو إنسانٌ مسؤول يتحمَّل المسؤولية، الكاذب لماذا يكذب؟ لأنه لا يريد أن يتحمَّل مسؤولية الصدق، مثال: إذا سألت طفلاً صغيراً من كسر الزجاجة؟ الطفل المُعتاد على الصدق يقول أنا من كسرها، يتحمَّل المسؤولية، قد يعاقبه أبوه لكنه لا يكذب، فأنت تجعله يعتاد على تحمُّل المسؤولية مهما كانت النتيجة، الكاذب يقول: أنا لم أكسرها، لماذا؟ لأنه يريد أن ينجو من تحمُّل المسؤولية، لأنه لو قال: أنا الذي كسرتها سيُعاقَب، سيتحمَّل نتيجة عمله وسيُسأل، فهرب من تحمُّل المسؤولية. |
| الأمين هو إنسانٌ يتحمَّل المسؤولية، معه مبلغٌ من المال يقول لك: أنا مسؤولٌ عن هذا المبلغ لا أؤدّيه إلا لصاحبه، مُستحيل أن أُعطيه إلا لصاحبه، الأمانة أحملها إلى أن أؤدّيها إلى أصحابها، لأنه يتحمَّل المسؤولية، خُلق الوفاء هو خُلقٌ مُنبثقٌ عن تحمُّل المسؤولية، لأنَّ المسؤول يقول لك: فُلان أدّى لي معروفاً لا أنساه إلى أن أموت، يبقى يتحيَّن الفُرص ليرُدَّ له معروفه، فهو يتحمَّل المسؤولية، فقالوا: لو جُمِعَت القيَم كلها لكان تحمُّل المسؤولية هو الأصل فيها، أنَّ الإنسان يتحمَّل المسؤولية. |
جيل اليوم في مُعظمه يريد أن يُحمِّل المسؤولية إلى غيره:
| الآن الجيل الذي نراه اليوم في مُعظمه ولا أُعمِّم، بأغلاطٍ من أهله، وبأغلاطٍ من مُعلِّميه، وبسبب وسائل الإعلام، يريد أن يُحمِّل المسؤولية إلى غيره، هو لا يريد أن يتحمَّل المسؤولية، سيدنا أسامة بن زيد كان عمره سبعة عشر سنة عندما قاد جيشاً، أنت تقول: اليوم مستحيل! أي شاب عمره سبعة عشر سنة لا أستطيع أن أُسلِّمه عشرة أشخاص وليس جيشاً، بعض الشباب اليوم بعد أن يتزوج يقول: والدي قصَّر معي لم يُعطنِ، أصبح لديه زوجةٌ وأولاد وما زال يُحمِّل مسؤوليته على والده، بالأعمّ الأغلب، فالناس اليوم تراجع عندهم تحمُّل المسؤولية، أنا أقول: والله لو أنك رأيت إنساناً يرمي بورقةٍ من نافذة السيارة، هو لا يتحمَّل المسؤولية، ليس مسؤولاً، لا يشعُر بالمسؤولية، حتى تصل إلى الحاكم الذي لا يُقيم العدل في حُكمه، فهو لا يتحمَّل المسؤولية، من إلقاء القمامة في الطريق إلى الحُكم، كله إمّا أن نكتشف إنساناً يتحمَّل المسؤولية، أو يُحمِّل مسؤوليته على الآخرين، لذلك قيمة المسؤولية من أعظم القيَم، لذلك ربُّنا جلَّ جلاله يُحمِّلنا مسؤولياتنا في القرآن الكريم بشكلٍ واضح، لا يُريدك أن تُحمِّل المسؤولية إلى أطرافٍ أُخرى. |
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)(سورة آل عمران)
| (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ ) في أُحُد (قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) في بدر (قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) تحمَّل المسؤولية، أنتم تركتم جبل الرُماة، ما قال: هو من شدّة أعدائكم، ما قال لهم: هو من خالد بن الوليد الذي انتبه إلى خطئكم، فلو لم يكن موجوداً لقُضي الأمر، لا أبداً (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) فالقرآن الكريم يُحمِّل الناس المسؤولية. |
| اليوم تقول لإنسانٍ لماذا لا تُصلّي؟ يقول لك: ربَّك لم يأذَن لي، لا يريد أن يتحمَّل المسؤولية، لا يقول لك: أنا مُقصِّر، يقول لك: ربُّنا لم يأذَن لي! ربُّنا أذِنَ لك قال: |
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)(سورة البقرة)
| الإذن جاء لكن أنت لا تريد أن تُصلّي، أنت مُقصِّرٌ في الصلاة، يقول مثلاً: أنا أتأخَّر في عملي كثيراً! كذلك الناس عندهم أعمال ولكن يجعلون الصلاة في أولوياتهم، فهو يريد أن يُحمِّل المسؤولية للآخرين حتى ينجو بنفسه، القرآن يضعنا أمام مسؤولياتنا، قال تعالى: |
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(8)(سورة الزلزلة)
| مسؤولية. |
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)(سورة الإسراء)
| مسؤولية. |
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(18)(سورة فاطر)
| في أكثر من آيةٍ في كتاب الله، الوازِرة هي النفس التي تحمِل الوزر، أي لن تحمِل نفسٌ مثقلةٌ حِمل نفسٍ أُخرى. |
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(95)(سورة مريم)
| لا أحد سيحمل عن أحد، هذه مسؤولية. |
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(111)(سورة النحل)
| لا يوجد محامٍ يأتي معك للدفاع عنك يقول لك: أنا أتكلم عوضاً عنك، أو أنت تقول لله عزَّ وجل أنا لا أتكلم دَعّ فُلاناً يتكلم عنّي (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) مسؤولية. |
| أروع الآيات في المسؤولية قال تعالى: |
مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا(79)(سورة النساء)
| وفي آيةٍ أُخرى: |
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)(سورة النساء)
| (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ ) في مُحصِّلة الأمر لأننا نؤمن أنه الفعال جلَّ جلاله، فلو لم يأذَن لما حصل، لكن أنت عندما تقع في حسنةٍ تنسبها إلى الله، وعندما تكون أمام سيئةٍ تقول: هذه من نفسي أنا أخطأت، لا تقُل هذه من الله. |
الناس اليوم يُحمِّلون مسؤولياتهم للآخرين:
| ما الذي يفعله الناس اليوم؟ يُحمِّلون مسؤولياتهم للآخرين، لا يقول لك المُصيبة من نفسي، إن أصابته حسنةٌ مثلاً: نجح في الامتحان، تقول له: ما شاء الله العلامات عالية في التوجيهي، يقول لك: أنا درست وتَعِبت، تَعِبت وحصّلت أحسنت بارك الله بك، بعد حينٍ يفشل في شيء، تقول له: فشلت في تجارتك؟ يقول لك: هذا من الله، الله لم يأذَن، الله لم يُرِد، هو يُحمِّل الحسنة والنجاح لنفسه، ثم يُحمِّل سيِّئتهُ على ربّه، لا يقول لك: نحن قصَّرنا، يقول: ربَّك ما أذَن، كلمة حق أُريد بها باطل، هي في الظاهر أنه كله بإذن الله عزَّ وجل، لكن في الحقيقة هو يريد أن يُحمِّل المسؤولية لجهةٍ أُخرى حتى ينجو هو، فقال له تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) تحمَّل أنت المسؤولية. |
| لذلك نقول دائماً: نحن نؤمن بالقَدَر لكننا لا نتحجَّج به على تقصيرنا، الإيمان بالقَدَر شيء والتحجُّج به لتبرير تقصيرنا شيءٌ آخر، القَدَر نؤمن به، خيره وشرّه من الله، كله قَدَرٌ من الله، لكن نحن لا نُبرِّر تقصيرنا بالقَدَر. |
| لذلك يُروى أنه أوتيَ لأحد الخُلفاء بشارب خمرٍ، فقال: <<أقيموا عليه الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ الله قدَّر عليَّ ذلك، قَدَرٌ من الله أنا شربت الخمر، فقال: أقيموا عليه الحدّ مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله كذباً، ثم قال: ويحك إنَّ قضاء الله لم يُخرجك من الاختيار إلى الاضطرار>>، قضاء ربُّنا لا يُخرجك من أنك أنت الذي تختار أن تسلُك هذا الطريق أو هذا الطريق. |
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)(سورة الإنسان)
| فالإنسان دائماً كآلية دفاعٍ من غير أن يشعُر، يُحمِّل تقصيره لجهةٍ أُخرى، ظلموني، تآمروا عَليَّ، إن لم يجد ولا جهة كأن يقول لك: فُلان ظلمني، فُلان تآمر عليّ، لا يُريدونني في السوق، أي إن لم يجد ولا جهة يُحمِّلها تقصيره، فيذهب للقَدَر لأنه لا أحد سَيرُّد عليه، بالقَدَر لا يوجد جهة دفاع، فيقول لك: القَدَر، وإذا لم تقتنع معه كثيراً، يذهب معك لأبعد من ذلك فيقول لك: ربُّنا عزَّ وجل لينجو بتقصيره. |
أول مَعصيَتين كانتا مَعصيتا آدم وزوجه، ومَعصية إبليس:
| أول مَعصيَتين عُصيَ الله تعالى بهما في الأرض، كانتا مَعصيتا آدم وزوجه، ومَعصية إبليس، آدم وزوجه أتوا معصية إتيان، المعاصي نوعان: إتيان وترك، أن تترُك شيئاً أو أن تأتي شيئاً، آدم وزوجه أتيا ما حرَّمه الله تعالى، وسمّاها الله معصيةً ما جاملهما. |
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ(121)(سورة طه)
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)(سورة طه)
| فآدم عصى ربّه وكانت معصيته معصية إتيان، أتى الشجرة التي حرَّم الله أن يقربها، إبليس كانت معصيته معصية ترك، بمعنى أنه اسجُد قال: لن أسجُد، تَركَ السجود لآدم، فهو معصيتان، طبعاً معصية آدم وزوجه كانت معصية غَلَبَة نُسمّيها ضَعف، معصية إبليس كانت معصية استكبار. |
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34)(سورة البقرة)
| وشتَّان بين الغَلَبَة والاستكبار، لكن انظُر ماذا فعل آدم عليه السلام تحمَّل المسؤولية: |
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)(سورة الأعراف)
| نحن ظلمنا، كان بوسعهما أن يقولا: إبليس وسوس لنا نحن لا علاقة لنا، لو لم يوسوس لما كنّا أتينا، كان بوسعهما أن يقولا: نحن نريد أن نكون مَلَكَين، نحن يا رب عندنا هدفٌ إيجابي وقصدٌ إيجابي، نُريد أن نُصبِح من الملائكة وقالوا لنا هذه الشجرة ستجعلك مَلَكاً، فاقتربنا لنا عُذرٌ مُخفِّف، كان بوسعهما أن يقولا: هذه أول معصية يا رب، نحن لا نعلم ما معنى المعصية، هذه أول مرة لا نفهم ما معنى المعصية، هذا إبليس كان موجود مع الملائكة نحن لا نعرف، اعتقدنا أنه يتكلم الصدق، يعني الأعذار كثيرة، لكن آدم وزوجه لم يُبرِّرا المعصية أبداً (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). |
فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)(سورة البقرة)
| التوبة سهلة، لأنهما تحمَّلا المسؤولية، لكن ماذا فعل إبليس اللعين؟ إبليس اللعين لا يُريد أن يتحمَّل المسؤولية، أراد أن يُحمِّل المسؤولية على غيره فأين وضعها؟ على آدم. |
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12)(سورة الأعراف)
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62)(سورة الإسراء)
| أنت كرَّمته عليَّ، المشكلة عنده هو متكبِّرٌ أنا لا دخل لي، أنا أفضل منه، هذا التبرير ما علاقته بالموضوع؟ أنت لم تسجُد، قُل أنا أخطأت، لا بل قال: (أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) ثم قال: |
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا(61)(سورة الإسراء)
| المشكلة عنده هو لأنه هو من طين، لو كان من نارٍ كنت سجدت له لكن هو من طين، يعني حمَّل المسؤولية على غيره، فلمّا ربُّنا عزَّ وجل عاقبه لأنه لم يتحمَّل مسؤولية عمله ويستغفِر، حمَّل المسؤولية على ربِّه قال: |
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)(سورة الحجر)
| أنت أغويتني، أنا لست ضالاً لكن أنت تُريد أن تُضلّني، وأي ضلالٍ أعظم من أنك لم تسجُد؟ (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي). |
| فأول معصيتين عُصيَ الله بهما في الأرض: واحدة غَلَبَة وضَعف، والثانية استكبار، واحدة فيها تحمُّل مسؤولية، وواحدة فيها عدم تحمُّل مسؤولية، الأولى كانت نتيجتها توبةٌ من الله عزَّ وجل (فَتَابَ عَلَيْهِ) والثانية كانت نتيجتها لعنٌ وطرد من رحمة الله عزَّ وجل، لأنَّ إبليس ما أراد أن يتحمَّل المسؤولية. |
تحمُّل المسؤولية هو شجاعة:
| لذلك قلت في البداية أنَّ تحمُّل المسؤولية هو شجاعة، أنَّ الإنسان يقول أنا أخطأت، الناس بالعموم دائماً يبحثون عن طريقةٍ ما لئلّا يقول: أنا أخطأت، إلا من رحم ربّي، يبحث عن طريقةٍ، وحتى إذا قرر مرةً أن يعترف بخطئه فيقول لك: فعلاً يبدو أنني أخطأت لكن..، يعني لا يقول لك: فعلاً أنا أخطأت ويصمُت يقول: لكن، وما بعد لكن هو مُحاولةٌ للنجاة من أنني أخطأت، بمعنى: لكن هُم بدؤوا، لكن هو قال لي، لكن أنا لم يكن قصدي، لكن أنا لم أنتبه، لكن أنا قلبي طيب جداً، فهو بعد أن يقول أنا أخطأت، يضع لكن لكي ينجو مرةً ثانية من أن يكون هو الذي أخطأ. |
| لذلك أنا أقول دائماً: كآليةٍ دفاعيةٍ من عندك، إذا وضِعت مع إنسانٍ ووصلت معه لمكانٍ أنه قال لك: يبدو أنَّ هناك خطأٌ من عندي، قُل له: نعم ممتاز لكن أنت معك حقّ أيضاً بمكانٍ ثانٍ، أنت حاول أن تُبرِّر له قبل أن يُبرِّر هو، حتى تصل معه لطريقٍ صحيح. |
| لذلك ورد في بعض الآثار وإن كان لا يصحُّ حديثاً: "لا تُحمِّروا الوجوه" يعني أنت لا داعي لأن تحشره ثم تقول: أنا أخطأت وأنا سيء، إذا استطعت أن تصل لمكانٍ أنه هو في داخله عرف نفسه أنه عنده إشكال ويجب أن يُصحِّح سلوكه أمام الله عزَّ وجل، فأنت قد حقَّقت المطلوب، ليس المطلوب أن تُحرجه، لأنَّ الناس بالأعمّ الأغلب لا يعترفون بأخطائهم، فأنت افتح له مخرجاً، وبالنتيجة إذا كنت أنا بالطرف الثاني، نحاول قدر الإمكان أن نكون جريئين أن نحمل المسؤولية، فعلاً هذا الخطأ منّي وأنا أتحمَّل مسؤوليته، من غير لكن. |
أسباب عدم تحمُّل المسؤولية:
| أسباب عدم تحمُّل المسؤولية في العادة سببان رئيسيان: |
| السبب الأول الشعور بالضَعف، والسبب الثاني تضخُّم الذات والكِبر، أنا ضعيف أنا لا أقدِر على تحمُّل المسؤولية، أنا قوي أنا لا أُخطئ، بالحالتين لا يتحمَّل المسؤولية، الضعيف لا يتحمَّل المسؤولية، والذي يظنّ نفسه قوياً لا يتحمَّل المسؤولية، التكبُّر يمنع تحمُّل المسؤولية، والشعور بالضَعف يمنع تحمُّل المسؤولية. |
| لذلك مع أولادنا، مع أحفادنا، مع طلابنا، مع الناس، قُل له: أنت لست ضعيفاً، أنت عندك إمكانية، انظُر إلى المُجاهدين، انظُر إلى الذين من الصِفر صَنعوا وتحدّوا العالم كله، انظُر إلى مَن يُظَن أنه ضعيف، لذلك كانوا يقولون: "أنا ضعيف وهذا سرُّ قوتي، وأنت قوي وهذا سرُّ ضعفك"، لأنه أنا ضعيف فأنا أبحث عن أي طريقةٍ لأصنع قوة، فترى إبداعات من الضُعفاء لا تجدها عند الأقوياء، أنا ضعيف فأنا أُحاول كل جهدي أن أفعل شيئاً فيُمكّنني الله منهم، عندما أكون قوياً قد يُصبِح هذا سرّ ضعفي، لأنه أنا ظننت نفسي مُتمكِّناً: |
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(26)(سورة النحل)
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(2)(سورة الحشر)
المؤمن يُعطي حجمه الطبيعي ويتحمَّل مسؤولياته ضمن طاقته:
| فقد تكون القوة مصدر ضَعف، وقد يكون الضَعف مصدر قوة، فالضعيف لا يتحمَّل المسؤولية، والمُتكبِّر لا يتحمَّل المسؤولية، أمّا المؤمن فيُعطي حجمه الطبيعي، أنا لست ضعيفاً، أنا قويٌ بقوة الله، لكن بنفس الوقت أنا متواضعٌ، لا آخُذ مكاناً أكبر من مكاني، فبالتالي أتحمَّل مسؤولياتي ضمن طاقتي، أنا مسؤولٌ أمام الله، مسؤولٌ عن زوجتي، عن أولادي، عن بيتي، عن الأُمة، معي مالٌ مسؤولٌ عن مساعدة الفقراء، معي قوةٌ مسؤولٌ عن إحقاق الحقّ وإبطال الباطل، أنا مسؤول، يجب أن يشعُر الإنسان بالمسؤولية تُجاه أمته، من نتيجة هذين السببين، من أسباب عدم تحمُّل المسؤولية، الشعور الدائم بالمظلومية، بمعنى أنا مظلوم، الناس دائماً مُتآمرين عليّ، فالشعور الدائم بالمظلومية من أسباب عدم تحمُّل المسؤولية. |
| أنا كنت مُدرِّساً لأطفالٍ صغار وأنتم كلكم عندكم أولاد، أو كنتَ مُدرِّس وتعرف مجتمع الأولاد، ما يفعله الأولاد ببراءةٍ ونضحك من فعلهم، يفعله الكبار لكن بطرقٍ أُخرى بحيث لا يظهَر فعلهم، يعني الصغار بالصف تقول لهم مثلاً: مَن لم يكتُب الواجب؟ فيقول لك أحدهم: لم نكتبه يا أستاذ، فأقول له: لِمَ تقول لم نكتبه؟ أنت لم تكتبه بينما زملاءك كتبوا، هو يشعر أنه إذا عمَّم الخطأ سينجو، آليةٍ دفاعية، ويفعلوها الناس الكبار لكن بطريقةٍ مختلفة، مثلاً: تقول لشخصٍ لماذا لا تُصلّي؟ فيقول لك: رأينا الذين يُصلَّون في المساجد كيف يكونوا، ما علاقة هذا بهذا؟َ! |
| مثلاً: لماذا لستِ مُحجَّبة؟ تقول لك: رأينا المُحجَّبات كيف، رأينا فُلانة كيف لسانها وكلامها مع الآخرين، لا تترك أحداً من شرِّها! أنتِ كوني مُحجَّبة ومؤدَّبة، فهي تُحاول أن تُعمِّم الخطأ لتنجو هي. |
الشعور بالمظلومية:
| فالصغار يفعلوها والكبار يفعلوها، الآن الشعور بالمظلومية مثلاً يأتي ابنك فتقول له: ما هذه العلامة المُتدنّية؟ فيقول لك: ضربونا بأسئلة الامتحان، من ضربكم؟! فيقول: وزارة التربية، الأستاذ قال لنا هذا الدرس محذوف ووضع لنا سؤالاً منه، نسأل الأستاذ فيقول: أنا لم أحذف شيئاً. |
| يقول الطلاب مثلاً: الأسئلة صعبة جداً، جاء لنا بسؤالٍ من خارج المنهاج، هو يعتقد أنه مظلوم فأنت تُحاسبه على شيءٍ وهو لا دخل له هو مظلومٌ فيه، ونفس الشيء هذا الأمر يُمارسونه الكبار، الكبار عندما يواجهون مشكلةً ما فيقول: أنا مظلوم، أنا لا دَخل لي، أنا لست فاعلاً في الموضوع، فيحاول أن ينجو بهذه الطريقة، فربُّنا عزَّ وجل قال: |
وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)(سورة الزخرف)
| يعني إذا كنتم تعتقدون أنكم إذا كنتم كُثُر هل نعفو عن الجميع؟ لا، ولذلك أسوأ شيء يقوم به المُدرِّس عندما يجد عشرة طلاب في الصف لم يكتبوا الواجب فلا يُعاقِب أحد، ففي الدرس القادم لن يكتُب أحد، لو كان واحد فقط كاتبٌ للواجب يجب أن تُكافئه، والتسع وعشرون طالباً لم يكتبوا فيجب أن تُعاقبهم، وقد تكون مكافأته عقوبةٌ لهم، لأنه عندما أعطيته علامةً إضافية وهُم لم يكتبوا، فتكون مكافأته عقوبةٌ لهم، لكن ألّا تُعاقِب ولا تُحاسِب لأنهم كُثُر، فأنت أعطيته مُبرِّراً أنَّ الشعور بالمظلومية يُنقذه، وتعميم الخطأ أيضاً يُنقذه، وهذه من أساليب عدم تحمُّل المسؤولية، ويجب أن نُعلِّم الصغار قبل الكبار، هذا الجيل القادم أن يتحمَّل المسؤولية، عملك غلط، أنت كُن صادقاً وقُل أنا فعلت وتحمَّل المسؤولية، ليس دائماً إذا قلت الصدق سأعفو عنك، قد أُعاقبك لكن أنت رجُل والرجُل يتحمَّل المسؤولية، إذا أخطأت قُل أنا أخطأت، وبعد ذلك قد أعفو عنك وقد أُحاسبك، لكن يكفيك أنك رجُلٌ أمام نفسك وتحمّلت المسؤولية. |
| الآن انظروا إلى هذه القصة القصيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف أنَّ رجُلٌ تحمَّل المسؤولية، كما يروي أنس بن مالك رضي الله عنه: |
{ بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ علَى جَمَلٍ، فأناخَهُ في المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قالَ لهمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئٌ بيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأبْيَضُ المُتَّكِئُ، فقالَ له الرَّجُلُ: يا ابْنَ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قدْ أجَبْتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنِّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ في المَسْأَلَةِ، فلا تَجِدْ عَلَيَّ في نَفْسِكَ، فقالَ: سَلْ عَمَّا بَدا لكَ، فقالَ: أسْأَلُكَ برَبِّكَ ورَبِّ مَن قَبْلَكَ، آللَّهُ أرْسَلَكَ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في اليَومِ واللَّيْلَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَأْخُذَ هذِه الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا فَتَقْسِمَها علَى فُقَرائِنا؟ فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فقالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بما جِئْتَ به، وأنا رَسولُ مَن ورائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضِمامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أخُو بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ }
(صحيح البخاري)
| النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له مجلسٌ خاص، أو هيئةٌ خاصة، أو طريقةٌ خاصة في التعاطي، وإنما كان واحداً بين أصحابه، فلمّا دخل الرجُل وهُم في المسجد فما عرفه، قال: (أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟) وهذه إشارةٌ إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم وقُربه من الناس. |
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا(20)(سورة الفرقان)
عندما يكون هناك أفكارٌ مغلوطة يجب أن تبدأ بالهدم لتبني أفكاراً صحيحة:
| (والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئٌ بيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأبْيَضُ المُتَّكِئُ، فقالَ له الرَّجُلُ: يا ابْنَ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قدْ أجَبْتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنِّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ في المَسْأَلَةِ، فلا تَجِدْ عَلَيَّ في نَفْسِكَ، فقالَ: سَلْ عَمَّا بَدا لكَ، فقالَ: أسْأَلُكَ برَبِّكَ ورَبِّ مَن قَبْلَكَ، آللَّهُ أرْسَلَكَ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في اليَومِ واللَّيْلَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَأْخُذَ هذِه الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا فَتَقْسِمَها علَى فُقَرائِنا؟ فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فقالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بما جِئْتَ به، وأنا رَسولُ مَن ورائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضِمامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أخُو بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ). |
| ثم قام الرجل: |
{ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: بعثَتْ بنو سعدِ بنِ بكرٍ ضِمامَ بنِ ثَعلبَةَ وافدًا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقدِمَ عليه، وأناخَ بعيرَهُ على بابِ المسجِدِ، ثمَّ عَقَلَه ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ في المسجِدِ في أصحابِهِ، وكان ضِمامُ بنُ ثعلبةَ رجُلًا جَعْدَ الشَّعرِ ذا غَديرتَيْنِ، قال: فأقبَلَ حتَّى وقَفَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في أصحابِهِ، فقال: أيُّكُمُ ابْنُ عبدِ المطَّلبِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنا ابنُ عبدِ المطَّلبِ، قال: مُحمَّدٌ؟ قال: نعمْ، قال: يا بنَ عبدِ المُطَّلبِ، إنِّي سائِلُكَ ومُغلِظٌ عليكَ في المسألةِ؛ فلا تَجِدَنَّ في نفْسِكَ، قال: لا أجِدُ في نَفْسي، سَلْ عمَّا بدا لكَ، قال: أَنْشُدُكَ باللهِ إلهِكَ وإلهِ مَن كان قَبلَكَ، وإلهِ مَن هو كائنٌ بَعدَكَ، آللهُ أمَرَكَ أنْ نعبُدَه وحدَهُ لا نُشرِكُ به شيئًا، وأنْ نخلَعَ هذه الأوثانَ التي كان آباؤُنا يَعبدونَ معه؟ قال: اللَّهمَّ نعمْ، قال: فأَنْشُدُكَ باللهِ إلهِكَ وإلهِ مَن كان قَبلَكَ، وإلهِ مَن هو كائنٌ بَعدَكَ، آللهُ أمَرَكَ أنْ نُصلِّيَ هذه الصلواتِ الخمسَ؟ قال: اللَّهُمَّ نعمْ، قال: ثمَّ جعَلَ يذكُرُ فرائضَ الإسلامِ فريضةً فريضةً: الزكاةَ، والصيامَ، والحجَّ، وشرائعَ الإسلامِ كلَّها، يُناشِدُه عِندَ كلِّ فريضةٍ كما يُناشِدُه في التي قَبلَها، حتَّى إذا فرَغَ قال: فإنِّي أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، وسأُؤَدِّي هذه الفَرائضَ، وأجتنِبُ ما نهَيْتَني عنه، ثمَّ لا أَزيدُ ولا أَنْقُصُ، قال: ثمَّ انصرَفَ إلى بَعيرِهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنْ يَصْدُقْ ذو العَقِيصَتَيْنِ يدخُلِ الجنَّةَ، قال: فأتى بَعيرَهُ فأطلَقَ عِقالَهُ، ثمَّ خرَجَ حتَّى قدِمَ على قومِهِ، فاجتمَعوا إليه، فكان أوَّلُ ما تكلَّمَ به أنْ قال: بِئْسَتِ اللَّاتُ والعُزَّى، قالوا: مَهْ يا ضِمامُ! اتَّقِ البَرَصَ، اتَّقِ الجُذامَ، اتَّقِ الجُنونَ، قال: ويلَكم! إنَّهما واللهِ ما تضُرَّانِ وما تنفَعانِ، وإنَّ اللهَ قد بعَثَ رسولًا، وأنزَلَ عليه كتابًا استنقَذَكم به ممَّا كنتم فيه، وإنِّي أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وقد جِئْتُكم مِن عِندِه بما آمُرُكم به وأَنْهاكم عنه، قال: فواللهِ، ما أَمْسى مِن ذلك اليومِ في حاضرتِهِ مِن رجُلٍ ولا امرأةٍ إلَّا مُسلِمًا، قال ابنُ عبَّاسٍ: فما سمِعْنا بوافِدٍ قَطُّ كان أفضلَ مِن ضِمامِ بنِ ثعلبةَ }
(أخرجه أحمد والطبراني)
| بدأ بالهدم لأنه أنت عندما يكون هناك أفكارٌ مغلوطة، لا تستطيع أن تبني أفكاراً صحيحة قبل التخلية، التخلية ثم التحلية (قال: بِئْسَتِ اللَّاتُ والعُزَّى، قالوا: مَهْ يا ضِمامُ!) يعني اكفُف لا تتكلم (اتَّقِ البَرَصَ، اتَّقِ الجُذامَ، اتَّقِ الجُنونَ) كانوا يعتقدون أنه من يمَسُّ الآلهة بسوءٍ، يُصبِح عنده برَص، أو جُذام، أو جنون، يعني أمراض، ( قال: ويلَكم! إنَّهما واللهِ ما تضُرَّانِ وما تنفَعانِ، وإنَّ اللهَ قد بعَثَ رسولًا، وأنزَلَ عليه كتابًا استنقَذَكم به ممَّا كنتم فيه، وإنِّي أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وقد جِئْتُكم مِن عِندِه بما آمُرُكم به وأَنْهاكم عنه، قال: فواللهِ، ما أَمْسى مِن ذلك اليومِ في حاضرتِهِ مِن رجُلٍ ولا امرأةٍ إلَّا مُسلِمًا) انظروا كيف تحمَّل المسؤولية! (قال ابنُ عبَّاسٍ: فما سمِعْنا بوافِدٍ قَطُّ كان أفضلَ مِن ضِمامِ بنِ ثعلبةَ). |
| القصد أنَّ هذا الرجُل حملَ مسؤولية قومه كلهم، يعني شَعَر أنه هو مسؤولٌ أمام الله عزَّ وجل، عَلِم الحقيقة ويجب أن يُبلِّغها. |
كلما شَعَر الإنسان بعِظَم المسؤولية يتحرك أكثر لأداء شيء:
| اليوم كل إنسانٍ فينا بقدَر ما يحمِل من مسؤوليةٍ أمام الله عزَّ وجل، أمام المسلمين، أمام أهل بيته، أمام أهلنا في الأرض المحتلة، بغض النظر كلها مسؤوليات، فكلما شَعَر الإنسان بعِظَم المسؤولية يتحرك أكثر لأداء شيء. |
لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا(7)(سورة الطلاق)
| فالذي آتاه الله عِلماً يتحرك ضمن نطاق العِلم، والذي آتاه الله مالاً يتحرك ضمن نطاق المال، والذي آتاه الله جاهاً يتحرك، والذي آتاه الله ولداً يُحرِّكه ضمن مسؤولياته وهكذا، لكن لا بُدَّ أن نعلم أنه فرقٌ كبير بين من يُحمِّل المسؤولية للآخرين، وبين من يتحمَّل المسؤولية، من يتحمَّل ويُحمِّل، فنحن نريد أن نتحمَّل المسؤولية لا أن نُحمِّلها، ويبدأ ذلك من اللحظة التي نقف فيها مع أنفسنا وقفةٌ صادقة، مسؤولياتي أمام ربُّنا عزَّ وجل، مسؤولياتي أمام الخلق، مسؤولياتي أمام أُمي وأبي وإخوتي، أنا ما هي المسؤولية التي أمامي التي ينبغي أن أحملها بصدقٍ لا أن أُلقيها على الآخرين، وأنا سجّلت مقطعاً بخمس دقائق موجود على اليوتيوب عن كيف نتحمَّل المسؤولية، ممكن أن نُفصِّله في لقاءٍ آخر إن شاء الله، عن الآليات التي تتوجب من أجل جيلٍ يحمِل المسؤولية، هذا والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |

