243- بِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ
243- بِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: في سورة الحج، وفي معرِض الحديث عن مصارع الأُمَم السابقة الظالمة، وذلك لتحذير الأُمة المُسلمة، من الوقوع فيما وقعوا فيه، يقول المولى جلَّ جلاله: |
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ(45)(سورة الحج)
| البئر مُعطلةٌ عن سُقيا الناس، والماء سبب الحياة بل لا حياة دون ماءٍ. |
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)(سورة الأنبياء)
| وأمّا القصر فمُرتفعٌ شاهق، يشهَد على ثراء القوم الذين عاشوا في هذه القرية، يشهَد على أغنياء هذه القرية، وما عاشوا فيها من بذخٍ وترَف، إلا أنَّ قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) تصويرٌ قرآنيٌ فريد، يأخُذ بالألباب، وينقلنا إلى معانٍ مُهمَّة، ويُبصِّرُنا بمرضٍ نرى آثاره بأُمّ أعيننا، على مستوى الأفراد والجماعات والدوَل، كيف ذلك؟ |
مرضٌ خطير عبَّر عنه القرآن الكريم بأربع كلماتٍ: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ)
| تكون الموارد الرئيسية التي لا بُدَّ منها معطلةً، بينما تنتشر مظاهر الترَف المؤذِن بخراب العمران والإنسان. |
| الموارد الرئيسية (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ) بينما مظاهر الترَف والبذخ تظهر في كل مكانٍ، الناس لا يجدون قوتَ يومهم، بينما يتعالى الناس الآخرون بالبُنيان (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ) المصالح، الموارد، موارد الإنتاج متوقفة، لكن تُشاد القصور شامخاتٍ، هذا مرضٌ خطير، عبَّر عنه القرآن الكريم بأربع كلماتٍ: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) فما فائدة القصر المشيد إن لم يكن هناك ماء؟ |
لم يرِد الترَف في كتاب الله تعالى إلا مذموماً:
| أيُّها الإخوة الكرام: لقد ورد الترَف في كتاب الله تعالى في ثمانية مواضع، ولم يرِد إلا مذموماً في المواضع الثمانية ذمَّ الله الترَف وربطه بالكُفر والتكذيب والإعراض عن الحقّ، قال تعالى: |
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ(34)(سورة سبأ)
| وقال تعالى: |
حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ(65)(سورة المؤمنون)
| وقال جلَّ من قائل: |
وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ(42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ(43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ(45)(سورة الواقعة)
الترَف ليس الغِنى:
| والترَف أيُّها الكرام ليس الغِنى، الغِنى محمود عندما يكون المؤمن قوياً بماله، فيستعين بماله على قضاء حوائجه، وقضاء حوائج المسلمين، فهو مؤمنٌ قوي. |
{ المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍ خيرٌ }
(أخرجه مسلم)
| وقوة المال من أعظم أنواع القوة، فالترَف ليس غِنىً وليس كثرة عَرَض، أن يملِك الإنسان عقاراً أو بيتاً أو مصنعاً أو سيارةً، لا، الترَف بطرُ النعمة، وطلبٌ للنعمة لمُجرَّد التنعُّم، لا من أجل بذلها في صلاح دنيا الناس وأُخراهم، هو يكفُر بالنِعمة، يأخُذ النِعمة لأجل النِعمة فيتنعَّم، لذلك قال المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا بعَث به إلى اليمنِ قال له إيَّاك والتَّنَعُّمَ فإنَّ عبادَ اللهِ ليسوا بالمُتَنَعِّمينَ }
(أخرجه أحمد والبيهقي وأبو نعيم الأصفهاني)
| لا يستهدفون النِعمة لحد ذاتها، وإنما لشكر المُنعِم عليها، وللاستعانة بها على أمور دنياهم وعلى صلاح دنياهم وأُخراهم، وعلى مساعدة الناس بما أنعَم الله عليهم. |
الترَف المذموم هو بطَرُ النِعمة:
| فالترَف ليس غِنىً، الترَف المذموم هو بطَرُ النِعمة، هو رد النِعمة، هو الكُفر بالنِعمة، هو أخذ النِعمة ثم استعمالها في غضب الله تعالى وفي سَخَط المولى جلَّ جلاله. |
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَعَثَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحرَينِ يَأتي بجِزيَتِها، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو صالَحَ أهلَ البَحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ، فقدِمَ أبو عُبَيدةَ بمالٍ مِنَ البَحرَينِ، فسَمِعَتِ الأنصارُ بقُدومِ أبي عُبَيدةَ، فوافَوا صَلاةَ الفَجرِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا انصَرَفَ تَعَرَّضوا له، فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآهُم، ثُمَّ قال: أظُنُّكُم سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قدِمَ بشيءٍ! قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللهِ، قال: فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني)
| هذا هو المذموم، الفقر ليس مطلوباً شرعاً، وليس ممدوحاً كما يعتقد البعض أبداً، ليس مطلوباً أن يسعى الإنسان إلى الفقر، بل المطلوب أن يسعى إلى القوة وإلى دفعه الزكاة، لكن ليس الفقر المُصيبة هُنا، المُصيبة أن نتنافس الدنيا، أن ينظُر كلٌّ ماذا أخذ الآخر ليزيد هو فيما أخذ منها، التنافس في الدنيا هو المذموم (فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم). |
البئر المُعطَّلة تُشير إلى تعطُّل أسباب الحياة والقصر المَشيد يُشير إلى العناية بالمظاهر والكماليات:
| نعود أيُّها الكرام إلى البئر المُعطَّلة والقصر المَشيد، البئر المُعطَّلة تُشير إلى تعطُّل أسباب الحياة، تُشير إلى الفقر الذي لا يجد الإنسان فيه مقومات حياته، ولا يجد فيه كفايته، بينما القصر المَشيد يُشير إلى العناية بالمظاهر، والقشور، والكماليات، والتحسينيات، رغم غياب الأساسيات، والضروريات، والحاجيَّات، وهذا يُسبِّب شرخاً في المجتمع، يؤدّي في مآل الأمر إلى عواقبٍ وخيمة. |
أمثلة على البئر المُعطَّلة والقصر المَشيد:
| لو بدأنا بالفرد: الشاب الذي يحرِص على اقتناء أحدث طرازٍ من الهواتف النقالة التي نزلت في السوق، لا بُدَّ أن يحمل أول جهاز وأحدث جهاز، ولا بُدَّ أن يُحضِر له المُتطلبات والكماليات الأُخرى ليظهَر في أحسن مظهَر، بدلاً من أن يبحث عن وسيلةٍ لزيادة دخله، أو لتطوير عمله، أو لوضع بعض المال في محفظةٍ خاصةٍ من أجل أن تُعينه على مستقبل أيامه، بدلاً من مساعدة الناس بما فَضَلَ عن ماله، وإنما همّه الأول أنَّ الجهاز الجديد ولو لم يكن فيه شيءٌ يُفيده أو يزيد في قيمته، وإنما لمُجرَّد أنه يريد أن يشتري الجهاز (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) مُشكلاته كثيرة، موارد الإنتاج ضعيفة، الأساسيات غير موجودة، ولكنه يهتم بالكماليات، هذا نموذج. |
| ربُّ الأُسرة الذي يُنفِق في سهرةٍ مع رفاقه نصف راتبه تفاخُراً وتعالياً، بينما أهله في البيت لا يجدون طعامهم، ولباسهم، ودواءهم، وتعليمهم، (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) هو يذهب إلى المطاعم والمتنزَّهات، ويسهَر مع رفاقه، لكن عنده في البيت مصائب، هناك البئر مُعطَّلةٌ وهو في قصره المَشيد. |
| المرأة التي تُنفِق أكثر دخلها على مُتطلبات زينتها ولباسها، بينما ترفُض - وهذه وقائعٌ لا أتحدَّث من فراغٍ، من وقائعٍ أعرفها - بينما ترفُض مشاركة زوجها ذي الدخل القليل، ترفُض مشاركته أو مشاركة أهلها في مصاريف البيت الأساسية مع شديد الحاجة إليها، تقول: أنا دخلي من أجل تجمُّلي ومن أجل ما آتي به مما ينفعني وحدي (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ). |
| كان الحسَن وقَتادة رحمهما الله يقولان: "ثلاثٌ لا يُسأل عنهم ابن آدم - هذه لك - قال: وما خلاهُنَّ - أي ما عداهُنَّ - فيه المسألة والحساب يوم القيامة، ما هي الثلاث؟ قال: كسوةٌ يواري بها سوءته - لا بُدَّ من اللباس - وكِسرةٌ يشدُّ بها صُلبه - لا بُدَّ من الطعام - وبيتٌ يُظله - لا بُدَّ من مسكنٍ يؤويه - قال: فأعدّوا لما بعد هذه الثلاثة جواباً يا معاشر المُترفين". |
| (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) يترُك الحاجيَّات الأساسية ويلتفِت إلى الكماليات، الفقر والعَوَز شديد وأعلم ذلك، لكن كثيرٌ من الناس اليوم أصبح يظنّ نفسه فقيراً لأنه يبحث عن الكماليات، "دخلت امرأةٌ إلى السوق فقالت: ما أكثر الأشياء التي لا نحتاجها". |
تطبيقات العبارة القرآنية (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) في المسائل الشرعية:
| لو انتقلنا إلى تطبيقات هذه العبارة القرآنية الفريدة: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) في المسائل الشرعية، أيُعقَل أن تُقام حروبٌ موسمية لمسائلٍ فرعية لا يفقهُها مُعظم المُسلمين ولم يقرؤوا عنها في كتابٍ من الكتُب، ثم يتقاتل المُسلمون من أجلها؟! وتُقام الحرب الضروس على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مواقع التقاطُع والتدابُر والتنافُر غير الاجتماعي، كلٌّ ينتصر لرأيه، ولمذهبه، أو لمذهب شيخه، وأُمة الإسلام تنتظر من دُعاتها وعُلمائها مواجهة الأخطار المُحدِقة، مواجهة الإلحاد والنسوية والمدارس الفكرية التي تأخُذ شبابنا من المساجد إلى محاضنٍ لا نرضاها، إلى الإعلام الفاسد المُفسِد، هذا ما تنتظره الأُمة (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ). |
| الاهتمام بقشورٍ وتركٌ للُبّ، هل يصحّ أن نغوص في مسائل العقيدة الفرعية أمام أشخاصٍ لا يعرفون قراءة الفاتحة؟! من أراد الدعوة إلى الله فعليه بالقُرى، فليُعلِّم الناس قراءة الفاتحة وبعض قصار السوَر، فليُعلِّمهم طريقة الصلاة، فليُعلِّمهم الأخلاق القويمة، أمّا أن تُعطَّل المصالح الأساسية والمواد الرئيسية، وأن يُعطَّل جوهر الدين، ثم يُهتم بأمورٍ خاصةٍ بطلبة العِلم في مجالسٍ خاصة لا تعني الناس (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ). |
وحدة الصف واجتماع الكلمة مُقدَّمَين على خلافياتٍ جُزئية:
| أين فقه الأولويات؟ أليست وحدة الصف واجتماع الكلمة مُقدَّمَين على خلافياتٍ جُزئية رُبما يعيش الإنسان عمره ولا يُسأل عنها؟ قال تعالى: |
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ(14)(سورة الشورى)
| أيُقبَل أن نجعل الدين أساس فرقتنا وقد أنزله الله ليجمعنا على الخير؟! |
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ(13)(سورة الشورى)
| أيصحُّ أن نُشيد قصراً من الحوارات والمناكفات والجدال المذموم؟ ونحشِد له الناس، أليس الأَولى أن نسعى في تأمين الماء؟ والدين كالماء لا يمكن أن يعيش الإنسان دونه، الدين كما أنزله الله الذي يفهمه الجميع ويعيش به الجميع. |
(بِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) على مستوى الحكومات:
| أمّا على مستوى الحكومات: لدينا أيضاً في بعض الأحيان (بِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) تجميل الساحات والأرصفة أمرٌ حسَن يمكن تأجيله، ولكن تزويد الطلاب ونحن على مطلع عامٍ دراسي، بحاجاتهم وتأمين مُتطلبات المدارس هو الضروري الذي لا يمكن تأجيله، والذي ينبغي أن تتضافر فيه جهود الدولة مع جهود المُجتمع المدني مع المُحسنين، لأنَّ هذا هو واجب الوقت. |
| إقامة الفعاليات المُتنوعة المشروعة أمرٌ جيد، لكن يمكن التخفيف منه الآن، أو من تكاليفه، أو من هداياه، في مُقابل معالجة المرضى وتحسين واقع المشافي المُزري، فالدوَل لا سيما بعد الثورات والحروب الطاحنة، توجِّه مُعظم مواردها للصحة والتعليم، الذين هُما بمثابة الماء الذي لا يمكن الاستغناء عنه. |
| أعلم أنَّ الاهتمام ببعض التحسينيات مطلوبٌ لجذب الاستثمارات مثلاً، لكن الضروري قبله إعادة الناس إلى بيوتهم وإيصال موارد الطاقة لهم، إلى كل قريةٍ، إلى كل حي. |
سيدنا عمر أفضل مثل بوصفه قائداً ومسؤولاً يُحس بأوجاع المسلمين:
| المسؤول الذي يسير في موكبٍ بعشرات السيارات، ليتفقَّد قريةً مُهدَّمة، سيترُك أثراً سلبياً في نفوس الناس والفقراء، ومرةً بعد أُخرى سيولِّد في داخلهم شعوراً بالحِقد على مجتمعهم، كان أول إجراءٍ اتخذه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في عام الرمادة الذي ذاقَ المُسلمين فيه ما ذاقوا، من الجوع والفقر والحاجة والعَوَز، أن بدأ بنفسه وأهل بيته وكل مسؤولٍ في دولته، فأمَرَهُم بالتقشُّف ومُشاركة الناس همومهم. |
| قال أنس بن مالك رضي الله عنه: << تقرقر بطنُ عُمر - أصدر أصواتاً من قِلة الطعام - وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرَّمَ على نفسه السمن، فنقر بطنه بأُصبُعه وقال: تقرقر تقرقُرك، إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس، وأكل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشعير، فصوَّت بطنه فضربه بيده وقال: والله ما هو إلا ما ترى حتى يوسِّع الله عن المُسلمين>>. |
| فعُمر رضي الله عنه مارس حالةً من التقشُّف الذاتي، بوصفه قائداً ومسؤولاً، حتى يُحس بأوجاع تلكُم الشريحة التي أنهكتها المجاعة من رعيته، وهذا انعكاسٌ للهم الحقيقي بأمر الرعيَّة. |
| قال أسلَم رضي الله عنه: <<كُنّا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة، لظننا أن عُمر يموت همَّاً لأمر المسلمين>>. |
| هذا هو المُسلم، وهذا هو المسؤول الذي يُشارك الناس همومهم، حاول أحد أصحابه مرةً، أن يُقنعه عام الرمادة بأكل شيءٍ من السمن واللبن أحضرها له، فرض قائلاً: "كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسَّهُم؟". |
| رُبما لم يستطع عُمر رضي الله عنه أن يُقدِّم للناس كل ما يحتاجونه، لم يستطع، عام مجاعة، ولكنه قدَّم لهم ما يستطيعه، والأهم من ذلك أنه شاركهم فقرهم، هو وأهل بيته وجميع المسؤولين في دولته. |
مُهمة الدولة في الإسلام مُلخَّصةٌ في مسألتين ذكرهما المولى جلَّ جلاله في مُحكم تنزيله:
| أيُّها الكرام: أُدرِك تماماً أنَّ الدولة الحديثة بتعقيداتها، تتطلب نوعاً خاصاً من حماية مسؤوليها، وهذا حقٌّ ومطلوب، ولكن ذلك يمكن أن يتحقَّق بطريقةٍ بعيدةٍ عن الاستعراض والمواكب الفاخرة مُراعاةً لمشاعر الناس، إنَّ مُهمة الدولة في الإسلام، مُلخَّصةٌ في مسألتين ذكرهما المولى جلَّ جلاله في مُحكم تنزيله، وامتنَّ بهما على عباده، قال تعالى: |
الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(4)(سورة قريش)
| وفي المُقابِل: |
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)(سورة النحل)
| الأمن والكفاية نِعمة، وفي مقابلهما الجوع والخوف نِقمة، تأمين حاجات الناس وتحقيق الأمن لهم، أي الكفاية والأمن هُما البئر التي لا يمكن أن تُعطَّل، وما سواهما قصرٌ مَشيد لا بأس بتأجيله، لذلك قالوا: أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، والأمن لا يتحقَّق دون كرامةٍ، كان النظام البائد يوهِم الناس أنه يُحقِّق الأمن لهم، هو أمنٌ ظاهري فشل في أول اختبارٍ، لأنه أمنٌ بلا كرامة، الأمن لا يتحقَّق إلا بالكرامة، لذلك قالوا: "أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته وخُذ منه كل شيءٍ في خدمة أُمته ووطنه". |
| أيُّها الكرام: نُثني على جهود دولتنا وحكومتنا، في مساعيهم الواضحة في تحقيق الأمن والكفاية ورفع الرواتب، ولا نتناسى جهودهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُحسِّن الحسَن ويقويه، ونُثني على الوزراء والمسؤولين الذين نلمِس منهم تواضعاً واضحاً، وتفهُّماً لحاجات الناس، وسعياً في خدمتهم، وبُعداً عمّا يُثير حفيظتهم. |
ليس أمامنا إلا خيارٌ واحد وهو الوقوف مع دولتنا الجديدة:
| أيُّها الكرام: بعد كل التضحيات التي قُدِّمَت ونحن في الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، والتي راح ضحيتها مَن راح، نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء، بعد كل هذه التضحيات، بعد كل المُعتقلين الذين قضوا في الزنازين المُظلمة، ليس أمامنا إلا خيارٌ واحد، وهو الوقوف مع دولتنا الجديدة، نحن لسنا أمام خيارَين، هو خيارٌ واحد أن نقف مع دولتنا، وأن نحميها، وأن نُدافع عنها بالحقّ، وعندما نوجِّه النقد إلى تصرُّفٍ مُعيَّن أو تقصيرٍ في ميدانٍ مُعيَّن، فإنما يكون ذلك من باب الحُب وبدافع الغيرة. |
| وقد قلت في الخُطبة الأولى بعد التحرير من على هذا المنبر، حالنا مع دولتنا الجديدة كحال المُصلّي في صفوف الجماعة، نمُدّ الصف عند استقامته، إذا وجدت الصف مستقيماً، فقف مع الواقفين وساعد وانهَض بواجبك، نمُدّ الصف عند استقامته، لا يقف أحدُنا مُنفرداً خلف الصف، قال صلى الله عليه وسلم: |
{ أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصفِّ وحدَه فأمره أن يُعيدَ الصلاةَ، وقال: لا صلاةَ لمنفردٍ خلفَ الصفِّ }
(أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه)
لا نختلف فتختلف قلوبنا وإذا وجدنا اعوجاجاً فمن واجبنا أن نُقوِّم هذا الاعوجاج:
| نحن في صفٍ واحد، نمُدّ الصف عند استقامته، ونملأهُ عند فراغه، إذا وجدنا فراغاً لا نُنظِّر من بعيدٍ ونتكلم هذا فراغ، هُنا لم يفعل أحدٌ شيئاً فأتقدَّم أنا لأملأ الفراغ أو لأتكلم ممَّن يستطيع ملؤه، ونملأهُ عند فراغه: |
{ أَقيموا الصفوفَ وحاذُوا بالمناكبِ وسُدُّوا الخَلَلَ، ولِينوا بأيدي إخوانِكم، ولا تذَرُوا فُرُجاتٍ للشيطانِ، ومن وصل صفًّا وصلَهُ اللهُ، ومن قطع صفًّا قطعَه اللهُ }
(أخرجه أبو داود وأحمد والطبراني)
| كما يقول صلى الله عليه وسلم. |
| ونقوِّم الصف عند اعوجاجه: |
{ اسْتَوُوا ولا تَختَلِفُوا، فتَختلِفَ قلوبُكمْ، و لِيلِيَنِي مِنكمْ أُولُو الأحلامِ والنُّهَى، ثمَّ الذين يَلونَهمْ، ثمَّ الذين يَلونَهُمْ }
(أخرجه مسلم)
| لا نختلف فتختلف قلوبنا، إذا وجدنا اعوجاجاً فإنَّ من واجبنا أن نُقوِّم هذا الاعوجاج، بالكلمة، بالموقف، بالوسائل المشروعة التي لا تؤدّي إلى مُنكرٍ أكبر، قلتها وأقولها: خيارنا الوحيد أن نُحافظ على هذه الدولة، نحن نرعاها كما ترعى الأم وليدها، نخاف عليها من الريح، لأنها ثمرة تضحياتٍ جسيمة، ولأنه وأسأل الله تعالى ألّا يكون ذلك، وتفاؤلنا أنه لن يكون، إن حصل شيءٌ يُسقِط هذه الدولة الجديدة، فالمآل سيءٌ جداً، فنحن واقفون بكل قوتنا مع دولتنا الجديدة، ولكننا في الوقت نفسه، نُحب أن نقوِّم الصف عند اعوجاجه، بالوسائل المشروعة وبالطُرُق التي ينبغي أن تُقال. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم فارِج الهم كاشف الغم مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك. |
| اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المُسلمين فيما جرَت به التقادير، ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير. |
| اللهم إنّا نسألك لأهلنا في غزَّة فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين، اللهم عليك بالصهاينة المُجرمين، اللهم عليك بمَن دمَّرَ البيوت، اللهم عليك بمَن انتهكَ الأعراض. |
| اللهم إنّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. |
| اللهم عليك بهم وبمَن والاهم وبمَن وقف معهم وبمَن أيَّدهم. |
| اللهم يا أرحم الراحمين ابسُط أمنك وأمانك على ربوع بلادنا وبلاد المُسلمين، واجعلها مُستظلةً بكتابك وبسُنَّة نبيِّك صلى الله عليه وسلم. |
| اللهم إنّا نسألك لبلادنا أن تُجيرها من مكر الماكرين، وكيد الكائدين، وحسد الحاسدين، ونسألك للقائمين عليها توفيقاً وصلاحاً، إنك وليُّ ذلك والحمد لله ربِّ العالمين. |

