249-أربعة احاديث تضبط أقوالنا وأفعالنا ومشاعرنا

  • 2026-10-02
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

249-أربعة احاديث تضبط أقوالنا وأفعالنا ومشاعرنا

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
أيُّها الإخوة الأحباب: كل إنسانٍ منّا في حركة الحياة اليومية، إمّا أن يتكلم، أو يفعل، أو يشعُر، يتكلم، أو يفعل شيئاً ما، أو يشعُر بشعورٍ ما، فإذا ضبط المُسلم كلامه، وضبط أعماله، وضبط مشاعره، فقد سَلِم وسَعِد ونجا وأفلَح، وإلا فقد خابَ وخَسِر وشقيَ وهلَك.

النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامِع الكلِم:
أيُّها الإخوة الأحباب: نبينا صلى الله عليه وسلم أوتي جوامِع الكلِم، وأعظم جوامِع الكلِم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، ثم سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما معنى جوامِع الكلِم؟ أن تُعبِّر عن معانٍ واسعة وعميقة ومُهمة، بكلماتٍ قليلةٍ بليغةٍ مُعبِّرة، هذه جوامِع الكلِم، أن تجمَع المعاني الكثيرة في كلماتٍ قليلة، قال تعالى:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)
(سورة البقرة)

هذه جوامِع الكلِم، بكلماتٍ قليلةٍ عبَّر المولى جلَّ جلاله عن أهمية القِصاص، وكيف أنه حياة لكن الناس يرونه موتاً، يرون أنَّ إنساناً تُزهَق روحه، لكنها الحياة لأنه تُزهَق روح القاتل ليَحيا الناس جميعاً، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) هذه جوامِع الكلِم.
النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامِع الكلِم، فتجد في أحاديثه الشريفة، ما يُعبِّر عن المعاني العظيمة في كلماتٍ قليلة، هذه أربعة أحاديثٍ من كلام المُصطفى صلى الله عليه وسلم، تضبِط أقوالنا، وتضبِط أفعالنا، وتضبِط مشاعرنا، لو التزم بها كل واحدٍ منّا، لحُلَّت مُعظم مشاكلنا إن لم يكن كلها.

أربعة أحاديثٍ لو التزم بها كل واحدٍ منّا لحُلَّت مُعظم مشاكلنا:
الأحاديث الأربعة: الحديث الأول متفقٌ عليه:

{ مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ ضَيفَه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

الحديث الثاني:

{ إنَّ مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركَه ما لا يَعنيه }

(أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني)

الحديث الثالث:

{ أنَّ رَجُلًا قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أوصِني، قال: لا تَغضَبْ، فرَدَّدَ مِرارًا، قال: لا تَغضَبْ }

(أخرجه البخاري)

الحديث الرابع المتفق عليه:

{ والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ }

(أخرجه البخاري ومسلم والنسائي)

الحديث الأول: (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ) يضبِط اللسان.
والحديث الثاني: (تركَه ما لا يَعنيه) يضبِط فضول الإنسان.
والثالث: (لا تَغضَبْ) يضبِط الشعور.
والرابع: (حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ) يضبِط القلب ويدعو إلى سلامة الصدر.
فوالله أيُّها الكرام، لو أننا عملنا بهذه الأحاديث الأربعة لنجونا.

الحديث الأول: (مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ)

الدين عقيدةٌ وشريعة:
الحديث الأول: (مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ) الدين عقيدةٌ وشريعة، في المُصطلَح الحديث مُنطلقاتٌ نظرية وتطبيقاتٌ عملية، والإسلام يربِط دائماً بين العقيدة والشريعة، بين النظري والعملي (مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ) هذه عقيدة، (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ) هذه شريعة، تُعبِّر عن إيمانك بالله واليوم الآخر أنك تضبِط أقوالك.

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)
(سورة الماعون)

هذه عقيدة.

فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)
(سورة الماعون)

هذا الذي ينهَر اليتيم ويطرده ويقول شراً (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) مَن كانت عقيدته التكذيب بالدين فهذا سلوكه (فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ).
(مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ) الله مُطَّلِع، الله يُراقِب ما أقوله، واليوم الآخر سأقف بين يديه ليُحاسبني، كيف ينعكس ذلك؟ قال: (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).

هل يُنفِّذ المُسلمون هذا الحديث؟
هل يُنفِّذ المُسلمون هذا الحديث؟ هل نفعل ذلك في واقعنا في جلساتنا؟ هل نفعله على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل نفعله عند اختلافنا في مسألةٍ ما؟ هل يكتفي أحدُنا بأن يقول خيراً أو يصمُت؟ أم يندفِع كلٌ من الطرفين، ليقول أشرَّ ما عنده ليغيظ الطرف الأخر.
عندما تَشرَع بكتابة تعليقٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، هل تنتقي أجمل العبارات أم تنتقي أسوأها؟ أم تكُفَّ عن الكتابة وتقول: لن أتدخل بهذا الموضوع؟ (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).
<<مرَّ سيدنا عُمر على قومٍ قد أشعلوا ناراً، يقول خادمه ومرافقه: فسلَّم عليهم فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء، قال مرافقه: وكَرِه أن يقول: يا أهل النار>>، هُم أشعلوا ناراً، قال لهم: السلام عليكم يا أهل الضوء.

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا(53)
(سورة الإسراء)

متى ينزَغ الشيطان؟ عندما لا ننتقي أحسن الكلمات وأحسن العبارات، عندما ننتقي أسوأها ينزَغ الشيطان بيننا، ويدخُل إلى قلوبنا فيُفسدها (مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).

مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)
(سورة ق)

وهذه "مِن" لاستغراق النوع، أي قولٍ، (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ(83)
(سورة البقرة)


شهوة الكلام:
هناك شهوةٌ اسمُها شهوة الكلام، كيف أنَّ هناك شهوةٌ اسمُها شهوة المال، شهوة النساء، شهوة العلو في الأرض، هناك شهوةٌ اسمُها شهوة الكلام، الإسلام يطرَح لك خياراً مُهِمّاً اسمُه الصمت، خيارٌ رائع لا يستخدمه كثيرٌ من الناس الصمت، لا تتكلم فقط، تقول: الموضوع لا يعنيني، أخاف أن أتكلم فأؤذي، اسكُت انتهى (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).
أحياناً الهاتف في جيبك يُزعجك ويُزعج الآخرين، فتُفعِّله على الوضع الصامت، هل لنا أن نُفعِّل وضعاً في داخلنا، لكي لا نُزعِج أنفسنا ونُستثار من داخلنا ونُزعِج الآخرين، هل لنا أن نُفعِّل الوضع الصامت عندنا؟ مع جوالنا تنتهي المُشكلة (فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ).

قصة الرجُل الخُنفشاري:
ذكرَ بعض الأُدباء أنَّ رجُلاً كان يتكلم في كل شيءٍ، ويدَّعي معرفة كل شيءٍ، ما تكلمه في مسألةٍ إلا وعنده خبرٌ منها، هكذا يدَّعي، له أصحابٌ ستة أجمعوا أمرهُم لامتحانه، يُريدون كشف زيفه وباطله، فما أحدٌ يعلم كل شيء، وقالوا: لنصنع كلمةً من خيالنا ليست موجودةً لا في قاموس العرب ولا في قاموس العَجَم، فجعل كلٌ منهم يأتي بحرفٍ: خاء، نون، فاء، شين، ألف، راء، ثم جمعوها فإذا هي كلمة "خُنفشار" فذهبوا إلى الرجُل قالوا: كلمةٌ أشكلَت علينا، قال: تفضَّلوا، قالوا: لا ندري ما معنى خُنفشار؟ فأجاب من فوره: الخُنفشار نباتٌ طيِّب الرائحة ينبُت بأطراف اليمن - من أراد أن يكذِب يبتعِد في كلامه - إذا أكَلَت منه الإبل عُقِدَ لبنها، ثم جاء ببيتٍ من الشِعر، والعرب تُحسِن الشِعر:
لقد عَقَدَت محبتُكم فؤادي كما عقد الحليبُ الخُنفشارُ
ثم جعل يقول: وقال الأنطاكي كذا، وقال فُلانٌ كذا، ثم قال: وقال رسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: حسبُك، كذبت على الجميع فلا تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سمَّوه الرجُل الخُنفشاري، وأصبحت مثلاً يُضرَب على كل إنسانٍ يدَّعي معرفة كل شيءٍ فهو خُنفشاري، ثم أصبحت هناك منصَّاتٌ إعلامية ووسائل إعلامٍ تُسمّى وسائل الإعلام الخُنفشارية، وجعلوا لها نظاماً، وأسَّسوا لها قانوناً ونظاماً داخلياً، وهي في الحقيقة خُنفشارية وإلى الله المُشتكى.

الحديث الثاني: (إنَّ مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركَه ما لا يَعنيه):
الحديث الثاني: (إنَّ مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركَه ما لا يَعنيه) قال ابن رجب: هذا الحديث أصلٌ من أصول الأدب.
وقال حمزة الكناني: هذا الحديث ثلث الإسلام.
وقال الصنعاني: هذا الحديث من جوامِع الكلِم النبوية، يجمَع الأقوال والأفعال.
ما الذي يعنيني وما الذي لا يعنيني؟ هل سأل واحدٌ منّا نفسه ما الأمور التي تعنيني؟ يعنيني أمر ديني، أن أسأل عن ديني، أن أدخُل في أمور ديني فأستفسِر عن الحلال والحرام، يعنيني أمر أولادي أن أُربّيهم على الطاعة، يعنيني أمر زوجتي أن أتعاون معها على البِر والتقوى، يعنيني أمر عملي ألّا يكون فيه حرام، يعنيني أمر الموظفين عندي أن أكفيهم، أن أُعطيهمُ رَاتباً يُقيمُ هَوَنَهُمُ
هذا الذي يعنيني.

الفضول شهوةٌ لا بُدَّ من ضبطها:
أمّا الفضول وهو شهوةٌ لا بُدَّ من ضبطها، الفضول شهوةٌ أيُّها الكرام، يزور أخته وليته لم يزُرها، بدلاً من أن يَعنيه أمر أخته فيُقدِّم لها مساعدةً إن وجد حالها صعباً، أو يأخُذ لها هديةً بيَدِه، يسألها كيف الأمور مع زوجك؟ الحمد لله، هل يُعاملك بشكلٍ جيد؟ الحمد لله، كأن البيت فيه نواقص؟ هل يكفي بيته؟ أنت ماذا تفعل؟ ما شأنك؟! يخرُج وقد أفسَد أخته على زوجها، فضول، اترُك ما لا يعنيك، ما الذي يعنيك؟ هي راضيةٌ تعيش مع زوجها، اطمأننت عنها كيف حالك؟ قالت: الحمد لله، ما عندك خبرٌ سيئ تتحقَّق منه بطريقةٍ ما، انتهى الأمر، لماذا تتدخل في شؤون زوجها الخاصة؟ يتدخَل يضَع أُصبُعه في الأمر فيُفسِده.
جارةٌ تسأل جارتها، كم مضى على زواجك؟ ثلاث سنوات، وحتى الآن لم تحملي؟ لا والله لم يأذَن الله، المُشكلة من أين منكِ أم من زوجكِ؟ - لا حول ولا قوة إلا بالله - ما دخلكِ أنتِ بالموضوع؟ هل هذا الأمر يعنيكِ؟!
صديقه توظف في دائرةٍ ما، يسأله الوظيفة جيدة؟ الحمد لله الله أكرمني وتوظفت، كم الراتب؟ الحمد لله جيد يكفيني لمّا بعد، كم يُعطوك؟ ما الذي يعنيك في المسألة؟ أمورٌ كثيرة من فضول الناس أنه يُدخِل أنفه ويحشُر ذاته في شيءٍ لا يخصُّه، فيُفسِد العلاقات بين الناس من حيث يشعُر أو لا يشعُر.
قيل للقمان: ما بلغ بكَ من الفضل ما نرى؟ قال: "صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك الكلام فيما لا يعنيني".
قال أحد دُهاة العرب: أدَّبتني جارية، كانت تحمِل على رأسها طبقاً وقد غطته بغطاءٍ، فقلت لها: ما في الطبَق؟ قالت: ولِمَ غطَّيناه إذاً؟ قال: أدَّبتني هذه الجارية، سألها: ما في الطبَق؟ قالت: ولِمَ غطَّيناه؟ لو أردنا أن تعرف ما في داخله لتركناه مفتوحاً، فلا تسأل عن شيءٍ ليس لك علاقةٌ به.

الإعراض عن اللغو من سِمات المؤمنين:
أيُّها الإخوة الكرام: الإعراض عن اللغو من سِمات المؤمنين، قال تعالى:

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)
(سورة المؤمنون)

مما يلفِت نظري منذ زمنٍ، أنني عندما أقرأ الآيات التي تصف الجنَّة، جنَّة الخُلد التي ننتظرها جميعاً، يُحدِّثنا المولى جلَّ جلاله عمّا فيها، عن الحور العين، عن الأنهار مِن اللبَن والعسل المُصفَّى، عن ما فيها من الأعناب، وعن ما فيها من الملذَّات الحسيَّة، في داخل هذه السعادة الحسيَّة التي في الجنَّة، يأتيك ذِكرٌ لسعادةٍ عجيبة:

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا(25)
(سورة الواقعة)

نِعمةٌ عظيمة، أنك لا تسمَع في الجنَّة لغواً، إذاً مَن عاش في الدنيا لا يُحب اللغو لن يسمعه في الآخرة، في ختام سورة النبأ:

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا(31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا(32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا(33) وَكَأْسًا دِهَاقًا(34) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا(35)
(سورة النبأ)

من جميل ما في الجنَّة، أنك لن تجد مؤتمراً صحفياً يخرُج فيه كذَّابٌ أشِر، ليُحدِّثك عن حقوق الإنسان، وهو أول مَن يدوس بحوافره على حقوق الإنسان، نعيمٌ في الجنَّة أنك لن تسمَع الكذِب، نعيمٌ في الجنَّة أنك لن تسمَع لغواً، كلامٌ لا طائل وراءه، كلامٌ لا معنى له، ستسمع فقط الحق، ستسمع الخير، فمَن كان يُحب ذلك في الدنيا، فليتجهز للجنَّة فإن فيها هذا النعيم العظيم (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا).

الحديث الثالث: (لا تَغضَبْ):
الحديث الثالث: (لا تَغضَبْ) قال تعالى:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)
(سورة آل عمران)


ثلاثُ مراتب:
هي مراتبٌ ثلاث:
المرتبة الأولى:

{ إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ وإنَّما الحِلْمُ بالتَّحلُّمِ ومَن يتَحرَّ الخيرَ يُعطَهُ ومَن يتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ، ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه لم يسكُنِ الدَّرجاتِ العلى ولا أقولُ لكم الجنَّةَ :مَن تكهَّن أو استَقْسَم أو ردَّه من سفرٍ تطيُّرٌ }

(أخرجه الطبراني)

لا تقُل لي: أنا لست حليماً، أنا ربّي خلقني أغضب، لا، إذاً لماذا قال لك المُصطفى: (لا تَغضَبْ)؟ هل يأمُرك بشيءٍ لا تستطيعه؟ هناك أُناسٌ طبعهم في الغضَب أكثر من أُناسٍ، موجود، لكن هل هذا يعني أنَّ هذا الغضوب لا يستطيع ضبط غضبه؟ مستحيل، يستطيع لكنه لا يُريد (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يكظمه (إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ وإنَّما الحِلْمُ بالتَّحلُّمِ) فعندما يكظِم غيظه مرةً بعد أُخرى، ينتقل من الغضَب إلى الحلم (إنَّما الحِلْمُ بالتَّحلُّمِ).
المرتبة الثانية:
(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37)
(سورة الشورى)

إذاً غَضِب ما نقول لم يغضَب، الغضَب شعورٌ لكن هل يحمله الغضَب على الظلم؟ هل يحمله الغضَب على الضرب والأذى والكلام الفاحش؟ (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ): لا يُكسِّرون، لا يُقيمون الدنيا ولا يُقعدونها (هُمْ يَغْفِرُونَ) يُدرِّب نفسه أنه في غضبه يغفِر، يُسامح.
والمرحلة الثالثة وهي التي تليق بالمؤمن:
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) يغفِر له ثم يُحسِن له بكلمةٍ، يُحسِن له بصدقةٍ، يُحسِن له بمالٍ، (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).

{ ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ }

(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي)

ليس الشديد هو الذي تُصارعه في أرض المعركة فيصرعك أو تصرعه (ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ) إذاً قد يغضَب الإنسان، لكن هل يملِك نفسه أم تملِكُه نفسه فتقوده إلى الهاوية؟
كلكم تعرفون قصة سيدنا أبي بكر مع مِسطح بن أثاثة، وهو ابن خالته، وتكلم في عِرض ابنته زوراً وبُهتاناً، في عِرض أُمِّنا عائشة رضي الله عنها، وهي الطاهرةُ البريئةُ المُبرَّأة، التي برَّأها القرآن الكريم، تكلم وأدار الحديث في المدينة، فغضِبَ أبو بكر رضي الله عنه وقال: والله لا أُنفِق عليه بعد الآن، كان يُعطيه نفقةً فأوقفها، ولو سألت أي واحدٍ منكم وأنا معكم لقلتم: والله أنه يستحق، ثم ينزل القرآن الكريم يُخاطِب أبا بكرٍ رضي الله عنه:

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(22)
(سورة النور)

فيبكي أبو بكر ويقول: بل أُحبُّ، بلى أُحبُّ أن يغفِر الله لي، ثم يُعيد النفقة لمِسطح، هذه أعلى المراتب (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
إن استطعت أن تكون في المرتبة الأولى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فافعل.
وإن استطعت أن تغفِر، المرتبة الثانية: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).
وإن استطعت أن تُحسِن بعدها فهذا أعظم مقام (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

الحديث الرابع: (لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ):
الحديث الرابع: (لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ) وهذا لسلامة الصدر، هذا من أجل أن نضبِط قلوبنا، كيف نضبِطها؟ قاعدة لا يمكن أن تخيب: أن تُحب لأخيك ما تُحب لنفسك وأن تكره له تبعاً ما تكره لنفسك.

ينبغي أن تُحب لأخيك ما تُحب لنفسك وأن تكره له ما تكره لنفسك:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9)
(سورة الحشر)

يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إِنَّهُ لم يكنْ نبيٌّ قبلي، إلَّا كان حقًا عليْهِ أنْ يَدُلَّ أمتَهُ على ما يعلَمُهُ خيرًا لهم، ويُنْذِرَهُمْ ما يعلَمُهُ شرًا لهم، وإِنَّ أمتَكم هذِهِ جُعِلَ عافيتُها في أوَّلِها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ شديدٌ، وأمورٌ تٌنْكِرونَها، وتجيءُ فِتَنٌ، فيُرَقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ، فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تنكشِفُ، وتِجيءُ الفتنةُ، فيقولُ المؤمِنُ: هذهِ هذِهِ، فمَنْ أحبَّ منكم أنْ يُزَحْزَحَ عنِ النارِ، ويَدْخُلَ الجنةَ، فلْتَأْتِهِ منيتُهُ وهوَ يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأْتِ إلى الناسِ، الذي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إليه، ومَنْ بايَعَ إمامًا فأعطاه صفْقَةَ يدِهِ، وثَمَرَةَ قلبِهِ، فلْيُطِعْهُ ما استطاعَ، فإِنْ جاءَ آخرُ ينازِعُهُ فاضربوا عُنُقَ الآخرَ }

(أخرجه مسلم)

هذه عقيدة كما قلت في بداية الخُطبة، وأمّا الشريعة قال: (وليأْتِ إلى الناسِ، الذي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إليه) من هُنا قالوا: "عامل الناس كما تُحب أن يعاملوك" وهذا ليس حديثاً لكن معناه نبوي، (وليأْتِ إلى الناسِ، الذي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إليه).

لا تفعل مع الناس شيئاً لا تُحب أن يفعله الناس معك:
(لا يُؤْمِنُ أحدُكُم) أي الإيمان الكامل الذي يُرضي الله تعالى (حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ) والله أيُّها الكرام هذا الحديث وحده يُغلِق أبواب المحاكم، يُغلِق أبواب الأسئلة التي تحاول أن تحتال على الشرع، يسألني كثيرٌ من الناس أحياناً أسئلةً، أقول له: الحُكم فيه شُبهةٌ، هناك إشكالٌ، يقول لي: أفعل، أقول له: بربِّك ضع مكانك مكانه ومكانه مكانك، اعكس، هل تُحب أن يفعَل ذلك معك؟ يُطرِق يقول: لا والله، أقول له: لا تفعل ذلك معه، انتهت القصة، لا تبحث عن حُكمٍ، يمكن أن تجد حُكماً في الشرع يُبيح لك هذا البيع أو هذا الشراء، أو هذا الكتم للبيع أو أو أو كذا إلى آخره..
لكن أنت اسأل نفسك، الآن بالعكس أنا لست البائع، أنا المُشتري وهو البائع، أَأُحبُّ أن يَفعَل ذلك معي؟ لا أُحب، إذاً لا تفعله معه انتهت المشكلة، بيِّن له العيب فرضاً، أو وضِّح له المُشكلة، أو لا تغشه فقط، لا تفعل مع الناس شيئاً لا تُحب أن يفعله الناس معك.

اختصار الخُطبة:
أيُّها الكرام: اختصار الخُطبة: قبل أن تتكلم اسأل هل كلامي فيه خيرٌ؟ إن كان لا فاصمُت.
قبل أن تتدخل في شيءٍ ما، هل يعنيني؟ المعلومة التي تأتيني سأبني عليها شيئاً؟ سأُساعده إن كان فقيراً؟ سأُعلمه إن كان جاهلاً؟ هل هذه المعلومة إذا وصلت إليّ فيها فائدةٌ له أو أستطيع أن أُقدِّم شيئاً؟ لا، اترُك ما لا يعنيك.
قبل أن تتصرف وأنت غاضب، هل أملِك نفسي أم تملِكُني نفسي؟ املِك نفسك قبل أن تتعامل مع أي إنسانٍ، لا سيما في معاملات البيع والشراء، والزوج والزوجة، وأهل الزوج وأهل الزوجة، وغير ذلك، ضَع نفسك مكانه، لو كنت مكانه ماذا أتمنى أن يفعل الناس معي؟ ثم تصرَّف.
هذه أربعة أحاديثٍ تضبِط أقوالنا وأفعالنا ومشاعرنا.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم فارِج الهم كاشِف الغم، مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المُسلمين فيما جرَت به التقادير ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سَخطِكَ والنار.
اللهم يا أرحم الراحمين كُن لأهلنا في غزَّة عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم إنّا نسألك أن تُحرِّر الأقصى من رجس اليهود، وأن ترزقنا أن نكون من جندك يا أرحم الراحمين، وأن تغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا، نسألك يا أرحم الراحمين أن تنصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا وأعدائك يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بالصهاينة ومَن والاهُم ومَن أيَّدهُم ومَن وقف معهم في سرٍ أو عَلَن.
اللهم إنّا نسألك لبلادنا أمناً وأماناً، وسخاءً ورخاءً، في ظل كتابك وسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، وأن تُلهِم القائمين عليه العمل لمرضاتك إنك سميعٌ مُجيب، والحمد لله ربِّ العالمين.