هل الدين ضرورة ؟

  • خطبة جمعة
  • 2026-01-23
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

هل الدين ضرورة ؟

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: كان سيدنا بلال رضي الله عنه يُعذَّب في صحراء مكة، وتوضع فوقه الصخور الكبيرة في حرّ الهاجرة، ليكفُر برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه كان يقول: "أحدٌ أحد".
كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه برَّاً بأُمِّه مُحِبَّاً لها، فلمّا أسلم سعد امتنعت أُمُّه عن الطعام والشراب حتى يرجع عن دينه، فأبى وثبت على إسلامه ثم قال لها: "يا أُمَّاه تعلمين والله لو كانت لكِ مئةُ نفسٍ فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيءٍ، فإن شئتِ فكُلي وإن شئتِ فلا تأكُلي" ثم أكلت.
سُجِن الإمام أحمد رضي الله عنه وأوذي في الله، ثم أدخلوا إليه عمَّه ليُقنِعه باعتناق رأي الحُكَّام في أمرٍ لا يُرضي الله تعالى، ولو تقيةً تظاهُراً، أن يتظاهر بأنه موافقٌ فقط، فقال يا عمّ: "إذا أجاب العالِمُ تقيةً خوفاً من الناس، والجاهل بجهلٍ، فمتى يتبيَّن الدين والحق؟".
كيف تصنعون بحديث خباب بن الأرت:

{ شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. }

(صحيح البخاري)

ألقى فرعون أولاد ماشطة ابنته، في قِدرٍ فيه زيتٌ مغلي، واحداً تلو الآخر، وهو يسألها مَن ربُّكِ؟ فتقول له: "ربّي وربُّك الله".

لماذا ثبت الملايين من البشر على دينهم؟
أتدرون لماذا ثبت هؤلاء وغيرهم كثير؟ لماذا ثبت الملايين من البشر على دينهم؟ مُذ خلق الله آدم إلى يوم القيامة، رغم كل ما يتعرَّض له الثابتون على الحق إلى يومنا هذا، من مِحنٍ، واعتقالٍ، وتخويفٍ، وتجويعٍ، وتعذيب، ويبقى ثابتاً، لعلّي أُعطيكم في هذه الخُطبة سبباً من أسباب ثباتهم، وصمودهم الذي يُحيِّر العقول.
أيُّها الإخوة الكرام: في حياة كُلٍّ منّا، ضروريات، وحاجيَّات، وتحسينيَّات أو كماليات، جمعها أخٌ كريم حتى تُحفظ فقال: "ضَحِك" الضاد ضروريات، والحاء حاجات، والكاف كماليات.

في حياة كُلٍّ منّا ضروريات وحاجيَّات وتحسينيَّات:
في حياة كُلٍّ منّا شيءٌ ضروري، شيءٌ حاجي، شيءٌ كمالي، دون الضروريات يهلِك الإنسان، اترُك إنساناً بلا ماءٍ، بلا طعامٍ، بلا شراب، أياماً يهلِك، دون الضروريات يهلِك الإنسان، دون الحاجيَّات لا يهلِك لكن تُصبِح حياته شاقَّةً، أمّا الكماليات فإنها تُحسِّن الحياة، لكن يمكن للإنسان أن يستغني عنها.
الماء ضرورة، الطعام ضرورة، لذلك أجاز الشرع لمَن لا يجد ما يأكله، أن يأكل شيئاً يسيراً من لحم الخنزير إن لم يجد غيره، لأنَّ الطعام ضرورة.
الثلَّاجة في البيت حاجة، دونها هناك مَشقَّةٌ شديدةٌ أو قليلة، لكن يعيش الإنسان دون ثلَّاجة، يأكل ويشرب، يشتري طعاماً طازجاً ويأكله دون أن يضعه في الثلَّاجة، لكنها أصبحت اليوم حاجةٌ من الحاجيَّات في البيت.
اللوحة التي تُعلَّق على الجدار، أو الشاشة التي توضَع في صدر البيت، هي من الكماليات.
بالمناسبة هناك إشكالٌ عند البعض بحيث يقول لك: أنا فقيرٌ، فإذا تتبَّعت فقره وجدت أنه لا يجد الكماليات، فيعُد نفسه فقيراً.

الفقير هو الذي لا يجد الضرورات وليس الحاجيَّات:
الفقير هو الذي لا يجد الضرورات، أو بعض الحاجيَّات المُهمة، لكن لا يُعقَل أن تقول أنا فقير، لماذا؟ لأنَّ هاتفي نوعٌ قديم، صدرت هواتفٌ كثيرةٌ بعده ولم أستطع أن أشتريها، الهاتف الحديث كماليات، يمكن أن تعيش دونه، فكثيرون من الناس ينظرون إلى فقرهم، لأنهم لا يملكون الكماليات وليس الحاجيَّات أو الضروريات.
مقاصد الشريعة جاءت أيضاً متنوعةً على هذه الثلاثة، فهناك مقاصدٌ في الشريعة ضرورية، وهناك مقاصدٌ حاجيَّة وهناك مقاصدٌ تحسينية.

المقاصد الضرورية في الشريعة الإسلامية خمسة:
المقاصد الضرورية في الشريعة الإسلامية خمسة:
أولاً: حفظ الدين، وهُنا دخلنا في الموضوع، أول ما جاءت الشريعة به أن تحفظ دين الناس، لأنَّه سعادة الأبد أو شقاء الأبد، لأنه ليست أياماً تمضي، وإنما أبدٌ مُستمرٌ لا ينقضي، فكل ما جاء من أوامرٍ في الشريعة، جاء لحفظ دين الناس.
الضرورة الثانية: هي حفظ النفس، لذلك شُرِع القِصاص.

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)
(سورة البقرة)

الضرورة الثالثة: ثم جاءت الشريعة لحفظ العقل، فحرَّم الله الخمر لحفظ عقل الإنسان، ليبقى متوازناً، يفقَه، يفهَم، يَعقِل.
والضرورة الرابعة: هي حفظ العِرض، لذلك حرَّم الله الزِنا، وحرَّم قذف المُحصنات، وحرَّم النظر المُحرَّم ليحفظ أعراض الناس.
والضرورة الخامسة: حفظ المال، لذلك حرَّم الإسلام السرقة، و الغش، والاحتكار، وأكل أموال الناس بالباطل، هذه الخمسة هي الضروريات في الشريعة، أن يُحفَظ دين الناس، وأن تُحفَظ أنفسهم، وأن تُحفَظ عقولهم وأعراضهم وأموالهم، هذه هي الضروريات.

هل الدين ضرورة؟
هل الدين ضرورة؟ سؤال؟ هل يمكن أن يحيا الناس دون دين؟
الدين ضرورة، وحفظه ضرورة، هو ليس زينةً تتزيَّن بها، هو هواءٌ نستنشقه، فإن توقفنا عنه أصبحنا أمواتاً غير أحياء، كما قال تعالى في كتابه الكريم.

أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)
(سورة النحل)

وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ(4)
(سورة المنافقون)

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)
(سورة الفرقان)


الدين ضرورة لتستقيم حياة الناس ولتستقيم آخرتهم:
المرء من غير دينٍ لا قيمة له عند الله، الدين ضرورة لتستقيم حياة الناس، ولتستقيم آخرتهم، هو ضرورةٌ في الدنيا وضرورةٌ في الآخرة، لا يمكن أن تصلح حياة الناس بشكلٍ حقيقيٍ متكاملٍ دون دين.
أحد الكُتَّاب المعروفين من أصولٍ صينية لكنه أمريكي، عاش ومات في أمريكا، ودَرَسَ ودرَّس في أهم جامعاتها، توفي قبل ثلاثين سنةً تقريباً، هذا الرجُل له كتابٌ، طبعاً هو ليس مسلماً، لكنه اقترب بفكره وكتاباته من الدين الحقّ بشكلٍ عام.
كتابه عنوانه: "لماذا الدين ضرورةٌ حتميَّة"، مما يقول فيه قال: لا يمكن للوجود الدنيوي بسبب محدوديته وتناهيه، الدنيا والوجود الدنيوي يتناهى، يبدأ الإنسان صغيراً، يشب، يبدأ العداد بالتنازُل إلى الموت، كل شيء، الشجرة تورِق ثم تصّفَر ثم تذبُل.
قال: لا يمكن للوجود الدنيوي بسبب محدوديته وتناهيه، أن يُشبِع قلب الإنسان بشكلٍ كامل، هناك في فطرة الإنسان تطلُّعٌ وتوقُّعٌ نحو الأكثر، يتطلَّع إلى شيءٍ آخر غير الدنيا، قال: هذا التطلُّع يوحي بقوةٍ بوجود شيءٍ تحاول الحياة أن تصل إليه، تماماً مثلما تُشير أجنحة العصافير إلى وجود الهواء، أنت لا ترى الهواء، ولكن جناحا العصفور يقولون لك هناك هواءٌ كيف سيطير، وكذلك كما تنحني أزهار دوار الشمس نحو الضياء، تتجه إلى شيءٍ آخر.
ثم يقول: إنَّ الحقيقة التي تُهيِّج شوق الإنسان إليها، وتُشبِع روحه وتملؤها هي الله، هناك شيءٌ يتعلَّق به الإنسان لا يدري لماذا؟ الآن قد يصل وقد لا يصل، نحن ولله الحمد وصلنا، غيرنا من المشركين وصل البعض إلى الأصنام، فملأوا فراغهم الروحي باللات والعزة.

بعض الشعوب اليوم تملأ فراغها وحاجتها إلى الدين بمخلوقٍ مثلها:
اليوم شعوبٌ في الأرض، تملأ فراغها وحاجتها المُلِّحة إلى الدين، بمخلوقٍ مثلها فيعبدون البقر، لكن يتوجه إلى شيءٍ لأنه يشعُر بنقصٍ في داخله، يحتاج إلى دين، لأنَّ الدين ضرورة، الحياة المادية لا تكفي، لأنَّ هناك نهاية وهناك موت، والإنسان يتطلَّع إلى ما بعد الموت، فالمُسلم وقبله مَن كان على شريعة سيدنا عيسى، وقبله من كان على شرائع الأنبياء السابقين، وصلوا إلى الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وعبدوه حقَّ عبادته، فملأ فراغه الروحي واستعدَّ للقاء ربه.
أيُّها الإخوة الكرام: لو قال قائلٌ: إنَّ حياة الناس تستقيم دون الدين، تستقيم بالقوانين، بعض البرامج الدينية التي كانت تُعرَض على الشاشات، كانت توصِل رسالةً سلبيةً من حيث لم يُرِد مَن أنشأها.
الرسالة السلبية تقول: انظُر إلى الغرب يعيش من غير دين، لكنه يعيش، انظُر إلى تفرقنا وتشرذمنا ثم انظُر إلى وحدتهم، انظُر إلى الأوساخ في طُرقاتنا ثم انظُر إلى نظافة طُرقاتهم، وهذا حقّ، انظُر إلى قوانين السير في بلادنا وإلى قوانين السير في بلادهم، نرجو أن يأتي اليوم الذي تكون فيه شوارعنا نظيفةً، بدافعٍ من ديننا أكثر من القوانين، وأن نصل إلى اليوم الذي نتقيَّد فيه بقوانين السير، بدافعٍ من ديننا قبل القوانين.

مشكلة بعض البرامج الدينية أنها عرَضَت الظاهر فقط:
لكن هذه البرامج أوصلَت رسائل سلبية بالعقل الباطن للناس، بأنه يمكن أن نحيا من غير دين، الحياة تستمر وتستقيم، الآخرة شيءٌ آخر يا أخي، لكن الحياة تستقيم من غير دين، ما مشكلة هذه البرامج؟ أنها عرَضَت الظاهر فقط، والناس الذين لا يعيشون هناك لا يعرفون المشكلة في حقيقتها، لا يعلمون مشكلة المواطن الذي يعيش في الغرب، ولا يعلمون ارتهانه للقروض الرِبويَّة، ولا يعلمون شيوع المُخدَّرات، ولا انتشار الجريمة، ولا عقوق الأبناء، ولا أشياء كثيرة من الطهارة والنظافة الداخلية وغير ذلك إلى آخره.. لا يعلمون إلا الظاهر، فيظنُّ الناس بأنَّ الإنسان يمكن أن يعيش من غير دين.
الحقيقة أنَّ الدين ضرورة، ولا يمكن للإنسان أن يعيش بغير دين، والقانون يمكن أن يحُلَّ محل الدين في ضبط حركة الناس، لكن بشكلٍ جزئيٍ جداً جداً.

العقيدة تضبط حركة الناس بخالقهم:
أيُّها الإخوة الكرام: الدين عقيدةٌ وشريعة، أو قُل إيمانٌ وسلوك، أو قُل مُنطلقاتٌ نظرية وتطبيقاتٌ عملية، من أجل ذلك العقيدة تضبط حركة الناس بخالقهم، وهل هناك في القوانين ما يضبط حركة الإنسان بخالقه؟ أُحبُّ الله، أخاف الله، أرجو رحمته، أفعل ذلك من أجله، لا يوجد في القوانين مَن يصنع ذلك.
كيف تضبط حركة الناس بالخالق من خلال القانون؟ مستحيل، الشريعة تضبط حركة الإنسان مع نفسه، وحركة الإنسان مع الآخرين، هل يمكن للقوانين أن تضبط حركة الإنسان مع نفسه؟ أن يُحاسِب نفسه قبل أن ينام، يصدُر مرسومٌ تشريعي، على جميع المواطنين مُحاسبة أنفسهم قبل النوم! لا يمكن، ومُجاهدة نفسِهم لحملها على الطاعات، لا يمكن، تبقى القوانين في الجزء الثالث وبشكلٍ جزئي، بحيث تحاول قدر الإمكان أن تضبط علاقة الناس فيما بينهم، وهذا شيءٌ جيد.
ويجب أن يكون هناك قوانينٌ صارمة في كل الدول، لأنَّ "الله يزَع بالسلطان ما لا يزَع بالقرآن" كما قال سيدنا عثمان بن عفان، لكن تبقى القوانين عاجزةً عن أن تحُلَّ مكان الدين، لأنها لا تستطيع أن تضبط لا علاقة الإنسان بخالقه، ولا علاقته بذاته، ولا علاقةً كاملةً بالناس من حوله، بِرُّ الوالدين في الدين، في القانون لا يستطيع أن يُلزِمه أن يبرَّ والديه، بأن يصِل أرحامه، لا يُريد أن يصِل أرحامه من ذا الذي يُلزِمه؟ الشريعة فقط هي التي تُلزِم الناس.

الدين عقيدةٌ وشريعة والإسلام يربِط بينهما:
لذلك أيُّها الإخوة الكرام: لمّا قُلنا الدين عقيدةٌ وشريعة، الإسلام يربِط بينهما، انظروا إلى قوله تعالى:

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)
(سورة الماعون)

هذه عقيدة، يُكذِّب بالدين، لا يريد الدين، قال:

فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)
(سورة الماعون)

هو نفسه يُكذِّب بالدين، إذاً ليس هناك يومٌ آخر، وليس هناك حساب، فيُسيء إلى مخلوقٍ ضعيفٍ يتيمٍ أمره الله بالإحسان إليه (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)).

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)
(سورة الأنبياء)

(لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا) عقيدة، (فَاعْبُدُونِ) شريعة.

{ مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ }

(صحيح البخاري)

(مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ) عقيدة، (فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ) شريعة.
(مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ) عقيدة، (فلا يُؤْذِ جارَهُ) سلوك.
(مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ) إيمان، (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) سلوكٌ عملي.

كل عقيدةٍ سليمة ينتُج عنها سلوكٌ سليم وكل عقيدةٍ فاسدة ينتُج عنها سلوكٌ فاسد:
يربِط الإسلام بين العقيدة والشريعة، فكل عقيدةٍ سليمة ينتُج عنها سلوكٌ سليم، وكل عقيدةٍ فاسدة ينتُج عنها سلوكٌ فاسد.
لو اعتقد الإنسان أنَّ الله أجبره على المعصية، سيبقى على المعصية، لأنَّ الله أجبرني لا يمكن أن أفعل شيئاً، اعتقادٌ خاطئ.
لو أعتقد إنسانٌ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، سيشفَع لأُمته والشفاعة حقّ، سيشفَع لأُمته بغير قيدٍ أو شرط، سيدخُل الجنَّة كل مَن يملِك هويةً مكتوبٌ عليها في الخانة مُسلمٌ، النبي صلى الله عليه وسلم يشفَع له، لو أعتقد ذلك لن يعمل.

وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)
(سورة البقرة)

ثم بعد ذلك إلى الجنَّة وانتهى الأمر، النبي صلى الله عليه وسلم سيأخذنا جميعنا إلى الجنَّة، وماذا نفعل بحديثه صلى الله عليه وسلم يقول:

{ إنَّهُمْ مِنِّي، فيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما عَمِلُوا بَعْدَكَ، فأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي }

(صحيح مسلم)

غيَّروا وبدَّلوا، اعتقادٌ خاطئ، الشفاعة حقّ، لكنه فهمها خطأً، فنتج عنها سلوكٌ خاطئ.
الحُكّام في الغرب يعتقدون أنه لا إله، فيُبيدون الشعوب كاملةً، يقصفون شعوباً بأكملها، يتركون غزَّة تموت وحدها ولا يفعلون شيئاً وهُم قادرون، عقيدةٌ فاسدة، لا يعتقدون بوجود إلهٍ سوف يُحاسبهم، وإلا لنهضوا وساعدوا غزَّة وغيرها من بلاد المسلمين، فالعقيدة مربوطةٌ بالسلوك.

القانون دائماً يعتمد الرادع الخارجي بينما شرع الله يعتمد الوازع الداخلي:
الأمر الآخر أيُّها الكرام في القانون، أنَّ القانون دائماً يعتمد الرادع الخارجي، بينما شرع الله يعتمد الوازع الداخلي، فأنا أنطلِق من واجباتي لأنَّ الله أمرني، هناك شيءٌ في داخلي يدفعني لفعل الخيرات وترك المُنكرات، وليس كاميرا تُصوّرني فأقف عند إشارة المرور، أفعل ذلك بوازٍعٍ داخلي، وشتَّان بين أن تنطلِق من رادعٍ خارجي أو من وازعٍ داخلي.
آخر زعماء الاتحاد السوفيتي، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن صار هناك انتشارٌ غير مسبوق للخمر في الاتحاد السوفيتي، وأدى إلى أعداد وفياتٍ بالملايين، ونفقات بحيث أصبحت تستغرق عُشر الناتج المحلي، فرض قانوناً يمنع فيه الخمر في البلاد، ضُبطت الحدود، أُتلِفت الخمور الموجودة، جُنِّدَ أسطولٌ من الجنود لمُراقبة البيوت ومُراقبة الحانات، ومراقبة كل شيء، إلى آخر ما هنالك، أدَّت هذه الإجراءات الصارمة، والتي أُنفِق عليها الملايين لضبط الحدود ومنع التهريب، إلى تقليل عدد الوفيات إلى الرُبع، استفادوا، قلَّ عدد الوفيات الناتجة عن شُرب الخمور.
المُفاجأة كانت بعودة الوضع على ما كان عليه بل أسوأ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث زاد عدد الوفيات بنسبةٍ وصلت إلى أربعين بالمئة، في الأعوام الأربعة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وما تزال إلى اليوم، أمّا الإسلام فقال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ(91)
(سورة المائدة)

قالوا: قد انتهينا، وأفرَغ كل الناس ما في آنيتهم من الخمور، وما تزال بلاد المسلمين بعد أكثر من ألفٍ وأربعمئة سنة، هي الأقل انتشاراً في الخمور بدافعٍ إيمانيٍ داخلي، رغم أنَّ القوانين لا تمنع، بل الإعلانات والدراما تُشجِّع، ورُغم أنَّ الحدود لا تُقام على شارب الخمر، لكن ما تزال بلاد المسلمين حتى اليوم بالوازع الداخلي، أقلُّ نسبةً بكثيرٍ من بلاد الغرب في شرب الخمور، بدافع خوفٍ من الله وإيمانٌ بالله، فهذا هو الدين أيُّها الكرام.

الدين تهون أمامه المُهَج والأرواح إنه سعادة الأبد أو شقاء الأبد:
عرفتم الآن لماذا ثبت بلال على دينه؟ لماذا صمد سعدُ بن أبي وقاص رغم كل محبَّته لأُمه، لماذا وقفت ماشطةُ موقفاً لا يقفه الرجال، وهي ترى أبناءها في النار؟ لماذا صمد يوسف في السجن ولم يُبدِّل ولم يُغيِّر؟ لماذا أوذي موسى فلم يُغيِّر ولم يُبدِّل؟ لماذا أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف، وحُبس في الشِعب ثلاث سنواتٍ يأكلون أوراق الشجر، وما تنازلوا عن دينهم قيدَ أُنمُلة؟ لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ الدين ضرورة، لأنَّ الدين لا يمكن الاستغناء عنه، تهون أمامه المُهَج والأرواح، إنه سعادة الأبد أو شقاء الأبد، لا تستقيم حياة الناس بغير دين، ولا تستقيم آخرتهم بغير دين.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
أيُّها الإخوة الأحباب: دخل شعبان، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

{ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ شعبانَ، قال: ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ }

(أخرجه النسائي وأحمد)

فاغتنموا هذا الشهر الكريم بالصيام والصدقة والعمل الصالح، فإنه شهرٌ مُباركٌ، فيه الخير العميم، وهو مُمهدٌ لاستقبال رمضان.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم مَن أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفِّقه لكل خير، ومَن أراد بهم غير ذلك فاكفنيه بما شئت يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث من السماء، فأتمّ اللهم نعمتك وفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا في غزَّة فرجاً قريباً عاجلاً، نسألك لهم تمكيناً يا أرحم الراحمين، نسألك لعدوِّهم هلاكاً يا كريم.
اللهم مُجري السحاب، مُنزِل الكتاب، هازِم الأحزاب، سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهم ومن وقف معهم في سرٍّ أو علن.
اجعل بلادنا وبلاد المسلمين أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، والحمد لله ربِّ العالمين.