244- وتحسبونه هيناً ..!
244- وتحسبونه هيناً ..!
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
قصة حادثة الإفك:
| أيُّها الإخوة الأحباب: في طريق عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المُصطلِق، وقد رافقه فيها زوجه عائشة رضي الله عنها، وقُبَيل الوصول إلى المدينة، انقطع عِقدُ عائشة وكان أثيراً عندها، تُحبه كثيراً، فبدأت تبحث عنه، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ولم ينتبهوا إلى أنَّ عائشة رضي الله عنها ليست في الهودج الذي يُحمَل فوق الناقة، ثم رجعت عائشة إلى المكان الذي تركت فيه الجيش فلم تجد أحداً، فجلست تنتظر لعلَّهم يرجعون إذا افتقدوها، أخذتها سِنَةٌ من نومٍ، وكان صفوان بن المُعطِل السلمي أحد الصحابة الكرام قد تأخَّر عن الجيش، فلمّا وصل إلى مكان الجيش، رأى سواد إنسانٍ نائم، فقال: |
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)(سورة البقرة)
| فاستيقظت عائشة على استرجاعه، وأناخَ صفوان راحلته وركبَت عائشة رضي الله عنها عليها، ثم قاد الناقة حتى أدرك الجيش، بدأ بعد ذلك ما عُرِفَ في السيرة بحديث الإفك، حيث اتَّهم بعض المُنافقين أُمَّنا عائشة رضي الله عنها في عِرضها وعِفَّتها، وتولّى كِبر ذلك زعيمهم عبدالله بن أُبيّ بن سلول، وانتشر الحديث في المدينة، وتأخَّر الوحي في تبرئة عائشة رضي الله عنها شهراً كاملاً، ثم نزل قوله تعالى: |
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11)(سورة النور)
| (عُصْبَةٌ مِّنكُمْ) منكم، من داخلكم، من الصفوف الداخلية، ليس عدواً خارجياً، ليست مؤامرةً كونيةً، ليس هناك أشخاصٌ يكيدون لكم من الخارج، وهُم موجودون، لكنها مُشكلةٌ من داخل الصف الإسلامي، وهذه مُصيبة المصائب (عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) وأين الخير في حديثٍ يُدارُ عن امرأةٍ عفيفةٍ طاهرةٍ، عن زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! خيرٌ عميم، خيرٌ كبير. |
الحِكَم من تأخُّر الوحي بالنزول في حادثة الإفك:
| وتأخَّر الوحي، ولماذا تأخَّر الوحي؟ لماذا لم ينزل من القرآن بيانٌ في براءة عائشة في اليوم نفسه أو بعد يومٍ واحد؟ حِكَمٌ كثيرة في خيرية هذا الحدَث، لكن أختصر بشيئين اثنين: |
أولاً: تأخُّر الوحي أثبت للناس كلهم أنَّ هذا القرآن كلام الله تعالى وحده
| الأول أنَّ تأخُّر الوحي أثبت للناس كلهم إلى قيام الساعة، أنَّ هذا القرآن كلام الله تعالى وحده، فلو كان من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يدَّعون، لسارع إلى تبرئة عائشة، فكيف به - بأبي هو وأمي - وهو يسمَع الناس تلوك في عِرض زوجه، ثم ينتظر وحي السماء شهراً كاملاً، ليعلم الجميع أنَّ الكلام كلام الله تعالى. |
ثانياً: من أجل أن يُفرَز الصف الإسلامي ويظهَر كل إنسانٍ على حقيقته
| وتأخَّر الوحي أيضاً، من أجل أن يُفرَز الصف الإسلامي ويُنقّى، حتى يظهر كل إنسانٍ على حقيقته، وحتى يُخرِج كل إنسانٍ ما في داخله، وحتى يأخُذ كل إنسانٍ أبعاده، فلو أنَّ البراءة جاءت بعد يومٍ ويومين، لكان كثيرٌ من الصامتين يريدون الكلام ولكن الوحي سبقهم، أمّا عندما امتدَّ أمد المِحنة، فقد انكشف أكثر الناس على حقيقتهم، وأبرزوا ما في داخلهم، وظهر نِفاق المُنافقين، وظهر صدق الصادقين. |
| لذلك كلما طال أمد الامتحان، اتَّسعت دائرة المُمتَحنين، نحن في سورية طالت مِحنتُنا كثيراً، واتَّسعت دائرة المُمتَحنين، فظهر من صدق الصادقين ما ظهر، وظهرت من خيانة الخائنين ما ظهرت، وظهَر من النِفاق ما ظهَر، وظهَر من الثبات على الحقِّ ما ظهَر، لأنَّ المِحنة طالت. |
حادثة الإفك مقياساً لكل إفكٍ يُفترى إلى يوم القيامة:
| أيُّها الإخوة الكرام: فُرِزَ الناسُ بعد حادثة الإفك، وبيَّن الله تعالى هذا الفرز في قرآنه كلاماً يُتلى إلى يوم القيامة، ليكون مقياساً لكل إفكٍ يُفترى، ولكل شائعةٍ تُدار، ولكل حَدَثٍ يجري ويتناقله الناس إلى قيام الساعة، ففي كل يومٍ هناك حديث إفكٍ عن إنسانٍ بريءٍ، وفي كل ساعةٍ هناك إشاعةٌ مُغرِضة يُطلقها الأعداء أو تنطلق من داخل الصف (عُصْبَةٌ مِّنكُمْ) فكيف يقف الإنسان منها الموقف الأكمل؟ وما المطلوب منه شرعاً؟ |
| فَرزَ القرآن الكريم في سورة النور الناس إلى خمسة أقسامٍ، تتكرر في كل زمانٍ: |
القِسم الأول من الناس: هُم مُحدثو الفتنة وناشرو الكذب والشائعة
| القِسم الأول من الناس هُم مُحدثو الفتنة، هُم ناشرو الكذب، هُم مختلقو الشائعة، هُم الذين جاءوا بالإفك كما وصفهم القرآن، هذا الذي يُحدِث الفتنة، يبدأُها، يُشعلها، يُطلِق شرارتها، يبدأ بها، هذا الصنف الأول، وهو الأعظم إثماً عند الله. |
| (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ) عبدالله بن أُبيّ (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) والعظيم يصف عذابه بأنه عظيمٌ فما عساه يكون؟ هذا الذي اختلقَ الشائعة، الذي بدأ بكلمةٍ أطلقها فطارت في الآفاق، هذا الصنف الأول. |
القِسم الثاني: هُم المُدافعون عن إخوانهم المُنكِرون للشائعة
| الصنف الثاني: هُم المُدافعون عن إخوانهم، المُنكِرون للشائعة، الذين يحملون الأمور على محاملها الحسنة، قال تعالى: |
لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ(12)(سورة النور)
| حديث الإفك (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) انظروا إلى التعبير القرآني: (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) أُدير الحديث دون أي دليلٍ، مُجرَّد سماعٍ (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) ما قال: ظنّوا بإخوانهم وأخواتهم خيراً، قال: ظنّوا بأنفسهم، لأنَّ عِرضَ أخيك هو عِرضُك، لأنَّ عِرضَ أُختكِ هو عِرضُك، لأنَّ عِرضَ أخواتك المُسلمات هو عِرضُك أنت، فأنت إذ تظنّ فيهم خيراً إنما تظنُّ بنفسك خيراً، فنحن أُمة الجسد الواحد. |
| أين الجسد الواحد إذا كان يُدار حديثٌ في عِرض أخي، يُتَّهم اتَّهاماً باطلاً وأنا أسمعه وأؤيده، بل أكثر منه وأنشره، أينِ عِرضُ أخي؟ (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) إن ظننت بأخيك الخير فكأنما ظننت بنفسك، أنت أخي، أنا وأنت واحد، عِرضُكَ عِرضي، وكرامتك من كرامتي، وشرفك من شرفي، هذا هو مجتمع المُسلمين. |
| هذا مثالٌ عن الصنف الثاني: هذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، تقول له زوجه أُم أيوب وقد أُشيع حديث الإفك في المدينة، تقول له: <<ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب - وأهل العربية يعرفون ما معنى: وذلك الكذب، لم يقُل هذا كذب، ذلك من الكذب، قال: وذلك الكذب، أي هو الكذب بعينه ولا كذب غيره، إن لم يكن هذا كذباً فأين الكذب؟ وذلك الكذب - ثم قال: أكنتِ أنتِ فاعلةً ذلك يا أُم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خيرٌ منكِ وأطيَّب، إنما هذا كذبٌ وإفكٌ باطل>> هذا الصنف الثاني. |
القِسم الثالث: ناقلو الخبر مُروِّجو الشائعة
| الصنف الثالث: ناقلو الخبر، مُروِّجو الشائعة، لم يختلِقوها ولكنهم يتناقلونها، المُتكلِّمون بما سمعوا، جماعة "منقول" بين قوسين، الذي ينقُل الخبر ثم يكتُب تحته منقول، يظنُّ أنَّ ناقل الإفك ليس بأفَّاكٍ، أو أنَّ مُروِّج الشائعة ليس بآثمٍ، قال تعالى: |
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15)(سورة النور)
| أي يرويه بعضكم عن بعض (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) أنت تظنُّه هيِّناً، تقول: لم أفعل شيئاً، أنا ما اصطنعتُ شيئاً، هُم قالوا، أنا أقول لك ما قالوه والعُهدة على المُتكلم، هؤلاء المُروِّجون، قال تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ إنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه مَا كَانَ يظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ }
(رواه الترمذي)
{ إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك به الناس، يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإنه ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه }
(رواه البيهقي)
القِسم الرابع: مَن عصموا أنفسهم عن الخوض الساكتون
| الصنف الرابع: مَن عصموا أنفسهم عن الخوض، الساكتون، مَن حموا ألسنتهم فلم يهمسوا في الفتنة ببنت شَفَة، قال تعالى يصفهم: |
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(16)(سورة النور)
| (مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا) سكت لم يتكلم، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ مَنْ صَمَتَ نَجَا }
(أخرجه الترمذي وأحمد)
| دائماً أقول أيُّها الكرام للإخوة، خاصةً عبر وسائل التواصل، هناك خِيارٌ عظيم نفتقده اليوم اسمُه خِيار الصمت، هناك فضيلةٌ اسمُها فضيلة الصمت غابت اليوم، لا يستطيع إلا أن يتكلم، هناك فضيلةٌ تُطفئ فتنةً اسمُها فضيلة الصمت، فقط اصمُت أنت في سلامٍ، هؤلاء امتدحهُم المولى، صمتوا لم يتكلموا. |
القِسم الخامس: المُحب للشائعة الراغب في الفتنة المُترقِّب للفضيحة
| الصنف الخامس: المُحب للشائعة، الراغب في الفتنة، المُترقِّب للفضيحة، هذا شخصٌ من داخله ينتظر الفضيحة، يريدها، يريد أن يسمعها، يريد أن يُفضَح أخاه، شعورٌ داخلي، قال تعالى: |
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19)(سورة النور)
| الإسلام يُراقِب مشاعرنا، يُحبِّون أن تشيع الفاحشة، وهؤلاء الذين يُحبِّون أن تشيع الفاحشة يمكن أن يختلِقوها، ويمكن أن يُروِّجوها وينقلوها، لأنهم يُحبّون أن تشيع الفاحشة، فإمّا أن ينقُل ويتداوَل، وإمّا أن يُروِّج، وإمّا أن يختلِق الشائعة من أصلها. |
قصةٌ من واقعنا الحالي كما في حديث الإفك تماماً:
| أيُّها الإخوة الكرام: قبل أيامٍ وقعت جريمةٌ بشعة في الشمال السوري، قُتِلَ رجُلٌ من الدُعاة والأئمة - أسأل الله تعالى أن يرحمه وأن يغفر له وأن يتقبَّله - وأُلقيَت جُثَّته على قارعة الطريق، وانقسَم الناس على وسائط التواصل وفي المُنتديات وفي كل مكانٍ إلى خمسة أقسامٍ، كما هي في حديث الإفك تماماً، وأنا تتبَّعتُها خمسة أقسامٍ: |
| القِسم الأول بدأ بنشر شائعةٍ مفادها أنَّ الرجُل قُتِل لأنه من أتباع المدرسة الفُلانية، قتله أتباع المدرسة الأُخرى من أهل الإسلام، قتلوه لأنه ليس على منهجهم، روَّجوا الشائعة، كتبها، نشرها، بدأ بها، هذا القِسم الأول. |
| (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ) من بني جلدتنا، بدأ بنشر الشائعة، اختلقها، لا وجود لها، لم يُحقَّق في الأمر بعد، ليس من شيءٍ يدل على ذلك، إلا أنَّ هذا الشيخ من مدرسةٍ مُعيَّنة، إذاً مَن قتله؟ أتباع المدرسة الأُخرى من المُسلمين الموحدين المُصلّين، قتلوه لأنه ليس على مبدئهم ومدرستهم، مع أنه مُسلمٌ استحلّوا دمه، هكذا كتبوا. |
| الصنف الثاني سكت ولم يتكلم بشيءٍ، نجا، سكت، موضوعٌ ليس من اختصاصنا هذا من اختصاص الدولة التي تُحقِّق وتُعاقِب وتُحاسِب، لن أتكلم، لن أُثير فتنةً، سكت. |
| الصنف الثالث دافَع كتب فوراً: لا تتسرعوا، هذه فتنةٌ ستأكل الأخضر واليابس إن استمرّينا فيها، انتظروا نتائج التحقيق، هناك دولةٌ تُحاسِب وتُعاقِب، هؤلاء لا يمكن أن يفعلوا ذلك، هؤلاء إخوتنا من بني جلدتنا، رُبما اختلفنا معهم في مسألةٍ ومسألتين وعشرٍ ومئة، لكن لا يُعقَل أن يستحلّوا دماءنا، لا تلقوا بالتُّهَم جُزافاً، دافَع. |
| الفريق الرابع هو الفريق الذي جعل يتناقل ويُروِّج الشائعة وينشرها على صفحاته، يقول لك: مشاركة، هكذا يقولون، سمعت أنه قُتِل على خلفيةٍ دينيةٍ والله أعلم، منقول، وهذا كثيرٌ للأسف، ومن طلاب علمٍ، ومن دُعاةٍ، ومن نُخَب. |
| الصنف الخامس كان ينتظر ويترقَّب الفضيحة، لعلَّها تكون كذلك فنكسب نقطةً لمدرستنا، لعلَّه قد قُتِل على خلفيةٍ فكرية، حتى يعلم مَن هؤلاء الذين يستبيحون دماء الناس (يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا). |
| أيامٌ وانتهت المِحنة وظهرَت نتائج التحقيق، وتبيَّن بشكلٍ قطعي أنَّ الجريمة على خلفيةٍ عائليةٍ شخصيةٍ جنائية ولا علاقة لها بفكرٍ أبداً، وسكت الجميع ولم يخرُج واحدٌ من المروِّجين أو المُتناقلين ليعتذر عمّا بدَرَ منه، انتهت وذهبت، وتتكرر المأساة دائماً كما هي بهذه الطريقة، بخمسة أقسامٍ، فلينظُر كلٌّ منّا في أي قِسمٍ يضَع نفسه. |
إمّا أن تُدافِع عن أخيك وإمّا أن تسكُت وليس هناك خيارٌ ثالث:
| إمّا أن تُدافِع عن أخيك وإمّا أن تسكُت وليس هناك خيارٌ ثالث، إمّا أن تُدافِع إن كنت تعلمه، قُل: أنا أعلم عنه خيراً، لا تتكلم فيه، لا يجوز، وهذا الأصل في المؤمن، أو عن قصدٍ، أمّا الخيارات الثلاثة الأُخرى، الاختلاق للشائعة والترويج لها والحُب للفضيحة، فهذه ليست من أخلاق المُسلم. |
السورة في القرآن الكريم تُعطي قانوناً إلى يوم القيامة:
| أيُّها الإخوة الكرام: لاحظوا أنَّ القرآن الكريم لمّا تحدَّث عن هذه الواقعة، حديث الإفك في سورة النور قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ)، (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ)، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ)، (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) صفحةٌ كاملة في سورة النور، لم يذكُر الله اسماً واحداً من أسماء الذين هُم في هذه الفتنة أبداً، لأنَّ السورة تُعطي قانوناً، فلو قال: وعبد الله بن أُبيّ بن سلول تولّى كِبره، لانصرَف ذهن الناس إلى هذا الرجُل وحده، قال: (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ) ما ذكر مَن الذي فعل، لتبقى الحادثة قانوناً إلى يوم القيامة، هذه ظاهرة الاسم الموصول في كتاب الله، وقد كلمتكم عنها سابقاً، أنَّ القرآن دائماً في أكثر من ألفٍ وأربعمئة موضعٍ يقول: "الذين، اللائي، الذي، الذَين"، يتحدَّث عن شخصياتٍ تتكرر في كل زمانٍ ومكان، ولا يأتي على ذِكر الأشخاص أبداً، لأنَّ القرآن كتاب هدايةٍ إلى يوم القيامة. |
إن لم نتَّفِق ألا يستقيم أن نكون إخواناً؟
| يروي يونُس الصدفي قال: <<ما رأيت أعقَل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألةٍ ثم افترقنا، فلقيَني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتَّفِق في مسألةٍ؟>>، لم نتَّفِق ألا يستقيم أن نكون إخواناً؟ |
| إخواني الكرام: أرجوكم، مَن في المسجد ومَن يتابعنا ويشاهدنا في كل مكانٍ، أرجوكم الوضع لم يعُد يحتمِل، الأُمة تُذبَح من الوريد إلى الوريد، الأعداء يتربَّصون بها من كل حَدَبٍ وصوب، على مستوى بلادنا يجتاحونها يومياً في الجنوب، غزَّة المُدمَّرة المُحاصرة، الجندرة التي تُريد تسوية الذكَر بالأُنثى، الإلحاد الذي يعصِف بجامعاتنا، النسوية التي تُريد أن تأخُذ فتياتنا وأُمهاتنا وأخواتنا من بيوتنا، مُشكلاتنا كبيرةٌ وما زلنا نتقاتل على حُكمٍ مضى عليه ألفٌ وأربعمئة سنة، ولم يتَّفِق عليه الناس. |
| أنت ما تَدين الله تعالى به ويترجَّح عندك اعمَل به، وأنت مأجورٌ إن شاء الله تعالى، وإن وجدت من أخيك شيئاً مُخالفاً للحقّ مُجافياً للحقّ، فانصَح له بينك وبينه، لكن السُباب والشتائم والمعارك الجانبية التي يضحك أعداؤنا عليها ليل نهار، ويقتاتون عليها، ويتسرَّبون من عيوبنا إلى جسدنا، كفى كفى..! |
| أيُّها الإخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلم يقول، والله هذا الحديث يأخُذ بلُبّي كلما قرأته، يقول: |
{ اقرَؤوا القُرآنَ ما ائتلَفَتْ عليه قلوبُكم فإذا اختلَفْتم فيه فقُوموا عنه }
(أخرجه البخاري ومسلم وأحمد)
| والحديث في الصحيحين، جلستَ أنت وإخوانك تقرأ كتاب الله، فائتلفَت القلوب واجتمعَت على محبة الله تعالى، داوم عليه، فإذا بدأ الخلاف وكتاب الله بينكم فقوموا، اتركوا التلاوة التي هي سُنَّةٌ عظيمة، اتركها إذا كنت ستختلف مع أخيك، في قراءةٍ من القراءات، أو في لغةٍ من اللغات، أو في معنىً من المعاني، فتتناحَر أنت وهو، فقال: (فقُوموا عنه) إذا كُنّا قد أُمِرنا أن نترُك القراءة مع بعضٍ، وهذا مجلسٌ تحضُره الملائكة كل واحدٍ يقرأ صفحةً من كتاب الله تعالى، نتدبَّر آيةً من كتاب الله، فإذا اختلفنا فقال: (فقُوموا) فما بالنا؟! |
الخُطة العملية من هذه الخُطبة:
| أيُّها الإخوة الكرام: الخُطة العملية من هذه الخُطبة: |
| أولاً: اصمُت عند كل حديث إفكٍ، أول خيار وأعظم خيار اصمُت لا تتكلم، ما يكون لنا أن نتلكم بهذا. |
| الخيار الثاني الخطوة الثانية: دافِع عن أخيك المؤمن (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا). |
| الخطوة الثالثة: تبيَّن تحقَّق |
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(27)(سورة النمل)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)(سورة الحجرات)
| تبيَّن. |
| والخطوة الرابعة: استُر (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). |
| اصمُت، دافِع، تبيَّن، استُر. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| ربَّنا لا تجعل في قلوبنا غِلّاً للذين آمنوا، ربَّنا إنك غفور رحيم. |
| اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطِك والنار يا عزيز ويا غفَّار. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين في كل مكان، كُن لأهلنا في غزَّة عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا. |
| اللهم أصلِح الراعي والرعيَّة، اللهم أصلِح الراعي والرعيَّة. |
| اللهم إنّا نسألك لبلادنا أمناً وأماناً وسخاءً ورخاءً، واجعل هذا البلد مُستظلاً بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، وألهِم القائمين عليه السداد والرشاد، والحمد لله ربِّ العالمين. |

