• خطبة جمعة
  • 2026-01-30
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

أمة اقرأ

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.
وبعد فيا أيُّها الإخوة الأحباب: قريباً من مكَّة المُكرَّمة، وفي غار حراء تحديداً، وقبل ما يزيد على ألفٍ وخمسمئة عام، تردَّد صوت جبريل عليه السلام، وهو ينزل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
(سورة العلق)

ليُعلِن الوحي بذلك، نهاية عصر الظُلمات وبداية عهد النور.

الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1)
(سورة إبراهيم)


الظُلمات كثيرةٌ لكن طريق الحقّ واحدٌ لا يتعدَّد:
(مِنَ الظُّلُمَاتِ) بالجمع (إِلَى النُّورِ) المُفرَد، فما أكثر الظُلمات، وأمّا طريق الحقّ فواحدٌ لا يتعدَّد (مِنَ الظُّلُمَاتِ) من ظُلمة الجهل، وظُلمة الشِرك، وظُلمة المناهج الأرضية، وظُلمة الطاغوت الذي يُعبَد من دون الله تعالى، إلى نورٍ واحدٍ وهو نور الهداية.

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)
(سورة الأنعام)

صراط الله المستقيم واحد، لكن سُبل الغِواية مُتعدَّدة، فما أحرى بالإنسان أن يسلُك الصراط المستقيم ونور الهداية القويم.

القراءة البعيدة عن الإيمان قراءةٌ نتيجتها الدمار والهلاك:
أيُّها الإخوة الكرام: كانت كلمة (اقْرَأْ) والتي سُمّيَّت أُمتنا من بعدها في خير عصورها "أُمة اقرأ"، كانت كلمة (اقْرَأْ) حرباً على الجهل، وكانت كلمتا (بِاسْمِ رَبِّكَ) حرباً على كل قراءةٍ لا تبدأ باسم الله، ولا تنتهي بالإنسان إلى الإيمان بالله الخالق العظيم، فالقراءة في الكون، والقراءة في الكتُب، والقراءة في كل شيءٍ، البعيدة عن الإيمان مُنطلقاً ونتيجةً، لا تؤدّي إلى خيرٍ، كم قرأوا في الكون؟ وكم تعلَّموا؟ وكم قرأوا في الكتُب ولم يُفضِ إيمانهم إلى خيرٍ، لأنَّ القراءة البعيدة عن الإيمان، التي لا تنطلِق من الوحي، ولا تكون ثمرتها (بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) هي قراءةٌ نتيجتها الدمار، والهلاك، والإفساد، والطُغيان كما نرى، لذلك جاء بعدها في سورة العَلَق:

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ(6)
(سورة العلق)

متى يطغى؟ عندما يقرأ لكن لا يقرأ باسم ربّه، عندما يقرأ لكن لا يقرأ قراءةً إيمانيةً تقوده إلى معرفة الله، وإلى شُكر الله، فيصنع الأسلحة الفتَّاكة، والقنابل العنقودية والجرثومية، ويعيثُ في الأرض فساداً، عندما قرأ في الكون بغير اسم الله تعالى.

قراءة الإيمان تؤدّي إلى إعمار الأرض بالخير ونشر الحقّ والعدل:
أيُّها الإخوة الكرام: أمّا قراءة العدل، وقراءة الإيمان، فإنها تؤدّي إلى إعمار الأرض بالخير، ونشر الحقّ والعدل، ويكون الجهاد في سبيل الله عندها، وسيلةً لتحقيق ذلك، وردعاً لكل من يُريد الوقوف في وجه نشر الحقّ والخير، قال تعالى:

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(39)
(سورة الأنفال)

فهدف القتال في سبيل الله ليس عدواناً على أحد.

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)
(سورة البقرة)

ولكن الجهاد والقتال في سبيل الله منعٌ للفتنة.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217)
(سورة البقرة)

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)
(سورة البقرة)


الجهاد والقتال في سبيل الله منعٌ للفتنة:
عندما يقاتل المؤمن في سبيل الله، يقاتل ليمنع الفتنة في الأرض، وأيُّ فتنةٍ أعظم، وأيُّ فتنةٍ أكبر من أن يُفتَن الناس عن دينهم، أن يكون الإعلام موجَّهاً لفساد أبنائي وبناتي، أيُّ فتنةٍ أعظم؟ أيُّ فتنةٍ أعظم من أن تُقصَف شعوبٌ آمنةٌ لا ذنب لهم:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
(سورة الحج)

أيُّ فتنةٍ أعظم من أن تُثار الشُبُهات حول دين الله، وتتلقفُّها وسائل الإعلام، وتنشرها على أنها رأيٌ يُشار إليه بالبَنان، أيُّ فتنةٍ أعظم من أن يَخرُج التافهون والتافهات، فيتصدَّرون الوسائل الإعلامية والمجالس، ويتحدَّثون ويدلون بآرائهم في قضايا شرعية، في قضايا قطعية من دين الله تعالى، لا تقبل الجدال ولا تقبل الآراء، أيُّ فتنةٍ أعظم مما نراه اليوم (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) لذلك شُرِع القتال في سبيل الله، لِئلّا تكون فتنةٌ في الأرض، كما نُشاهد في أيامنا هذه، وقد انتشرت الفتن في الأرض.

جاء القتال ليحفظ للناس دينهم وليقف في وجه من يُريد أن يُعبِّد الناس للطواغيت:
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) جاء القتال ليحفظ للناس دينهم، وليقف في وجه كل من يُريد أن يُعبِّد الناس للناس وللطواغيت، وأن يُعبِّد الناس لشهواتهم، فأراد الله تعالى من الجهاد في سبيله، أن يكون الدين لله، أن يدين الناس لله، أن يُسمَح لهم بإقامة شعائرهم، أن يُسمَح لهم بأن يتوجَّهوا بالعبادة للخالق الذي خلقهم، هذا هو الجهاد في سبيل الله، هو إتاحة المجال للناس، أن يعبدوا الله تعالى، أمّا من أراد غير ذلك:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)
(سورة البقرة)

لكن لا يحقُّ لأحدٍ أن يُعبِّد الناس له، لا يحقُّ لطاغوتٍ أن يقول:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ(24)
(سورة النازعات)

كما قال فرعون، ولو لم يقُلها بلسانه لكنه يقولها بأفعاله، أيُّ قوةٍ تجرؤ علينا كعادٍ لمّا قالوا:

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(15)
(سورة فصلت)

نفعل ما نشاء، نُدمِّر، نقصِف الآمنين، المستشفيات، الأبرياء، المدارس (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) فكان القتال في سبيل الله، لِئلّا يُصبِح في الأرض قُطبٌ واحدٌ يتحكَّم في الأرض، وينهَب ثرواتها، ويعيثُ فيها فساداً، هذه القراءة للكون أيُّها الكرام، عندما تكون قراءةً إيمانية، يكون القتال والجهاد وإعداد القوة في سبيل الله تعالى حقاً.
أيُّها الإخوة الكرام: أمّا عندما يُقرأ الكون بعيداً عن الإيمان، قراءةً غير مُقيدةٍ بشرع الخالق، فإنَّ ذلك سيُنتِج حتماً ما نراه اليوم، من سيطرة الطُغاة على الأرض ومواردها، والتحكُّم بالمُستضعفين ومنعهم من حقوقهم، وتكون الحرب على المسلمين وعلى دينهم، وعلى مناهجهم، وتُستخدم الأسلحة الأشدُّ فتكاً، وإبادةً، وإجراماً، كي يدين الناس بالعبودية لغير خالقهم من طواغيت الأرض.

القراءة التي يريدها الله هي القراءة التي توصلك إلى نِعَم الله وإلى المنُعِم:
أيُّها الإخوة الكرام: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) يعود بالإنسان إلى أصل خِلقته، عندما عَلَقت هذه القطعة اللحمية في جدار الرحم، لتأخُذ غذائها، وهُنا بدأت رحلة الخلق، ابدأ من حيث كنت كي لا تطغى في الأرض، ابدأ من حيث أنت نُطفةٌ، فلا تتكبَّر على عباد الله.
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) اقرأ لتشكُر الكريم على نِعمه، اقرأ لتنسُب النِعمة إلى المُنعِم، اقرأ من أجل أن تقول يا ربّي لك الحمد على ما أنعمت، اقرأ لتتواضع لله تعالى، هذه هي القراءة الكونية التي يريدها المولى جلَّ جلاله (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

لا يمكن أن تصل لكل شيءٍ بعقلك بل بما يخبرك به الله تعالى:
لا تنسى أبداً وأنت تقرأ، أنك لن تستطيع أن تصل إلى كل شيءٍ، من خلال تفكيرك وعقلك، وتجربتك وحسِّك، تأكد أنَّ هناك أشياءٌ يجب أن يُخبرك بها الله تعالى، وأن تُصدِّقها (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) إيّاك أن تُطلِق لذهنك ولفكرك العَنان، لكي يستنتج بنفسه كل شيء، لا يمكن أبداً أن تصل إلى كل شيءٍ بعقلك، كما يُريد الغرب اليوم وبعض المُتأثرين به أن يوهمنا، هذه القضية لم تدخُل في عقلي، كيف أُدخلها في عقلك؟! هذه القضية لم أفهمها، قال لي عقلي، عقلك يقول لكَ أم ربُّك يقول لك؟؟ القرآن يقول لك أم فكرك يقول لك؟
أيُّها الإخوة الكرام: آية (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) إشارةٌ إلى أنَّ هذه القراءة يجب أن يكون فيها شيءٌ يُخبرك به الله تعالى، أنت تنظُر في الكون فترى الشجرة، فتقول: الشجرة تدل على الخالق، فتقول: هناك خالقٌ للشجرة، مَن هذا الخالق العظيم الذي خلق الكون بكل ما فيه؟! وأنت تقرأ في الكون، ما صفاته؟ ماذا يريد منّي؟ ماذا بعد الدنيا؟ كيف أصِل إلى الله؟ كيف أُحبُّه؟ كيف يُحبُّني؟ (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) هذه تُغلِق فيها عقلك، وتتعلَّم فيها من ربِّك مباشرةً، عندها لا يُقال في وسائل الإعلام ما رأيك بحدِّ السرقة؟ يقول: والله أنا عندي أجده همجياً!!
يقولون: هذا عندنا غيرُ جائزٍ ومَن أنتم حتى يكونَ لكم عندُ؟
{ ابن دقيق العيد }
ما رأيكم بتعدُّد الزوجات؟ يقول: فيه ظلمٌ للمرأة، ومَن أنت؟! من الذي أعطاك الحقّ أن تُقرِّر في مسألةٍ أقرَّها الشرع؟! مَن أنت حتى تقول إنَّ هذه المسألة كذا أو كذا، وهي من القطعي في دين الله تعالى، هُنا المشكلة أيُّها الكرام، لذلك قال: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) عندما يُعلِّمك الله، أصغِ بسمعِك لما يُعلِّمك الله إيّاه، وتَقبَّله بقولك: سمِعنا وأطعنا فقط (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فإن لم يُقرأ الكون هذه القراءات إيماناً، وشُكراً، وإصغاءً، وتلقّياً للخبر الصادق، قال تعالى:

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ(6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ(7)
(سورة العلق)

عندما يظنُّ نفسه مُستغنياً عن الله يطغى في الأرض، فيكون الفساد في الأرض.

قدَّم الله تعالى العِلم على خلق الإنسان ليُشير إلى أهميته:
أيُّها الإخوة الكرام: يقول تعالى:

الرَّحْمَٰنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الْإِنسَانَ(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)
(سورة الرحمن)

هل علَّمه قبل أن يخلقه؟ أم خلقه ثم علَّمه؟ الترتيب: خَلَق الإنسان علَّم القرآن، لكن الله تعالى قال: (الرَّحْمَٰنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الْإِنسَانَ) هذا ترتيبٌ رُتبي، وليس ترتيباً زمنياً، فلو أنه خلقه دون أن يُعلِّمه القرآن، لكان بلا منهجٍ فأفسد في الأرض.
لذلك قال تعالى: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) أولاً، ليُشير إلى أهمية أن يتعلَّم الإنسان، وقدَّمها على خلق الإنسان (الرَّحْمَٰنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الْإِنسَانَ(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ).
أيُّها الإخوة الكرام: اليوم وسائل التواصل، وإن كانت أصبحت وسائل التقاطُع الاجتماعي، هذه الوسائل حَرَفت جيلنا وحَرَفتنا عن أهمية القراءة، وعن أهمية الكتاب، حَرفتنا حتى عن القراءة في أهم كتابٍ سنُسأل عنه يوم القيامة، وهو كتاب الله تعالى، وشغلتنا عن أعظم سُنَّةٍ في الأرض، وهي سُنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فإذا سألت سؤالاً اليوم، مَن يقرأ في اليوم خمس صفحاتٍ في كتاب الله من المسلمين؟ لا تجد إلا نسبةً قليلة!! ولو سألت من يقرأ خمس أحاديث يومياً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالنسبة أقل، لأنَّ الناس جميعاً اتجهوا إلى هذه الوسائل وأمسكوا هواتفهم، والطامة الكُبرى في الأجيال القادمة، التي تعودَّت أن تُحرِّك الجوال وتُتابع المقاطع القصيرة، التي لا تؤدّي إلى ثقافةٍ هذا إن كانت نافعة، فكيف إذا كانت مُضِرةً أو كان فيها مُحرَّم.
لذلك كنت أقول باللغة الإنكليزية: كلما اقتربت منFace book" " ابتعدت عن book" Al" لا يجتمع "Face book" مع "book Al" إلا أن يُضبَط بوقتٍ قصير، وأن يُترَك المكان الأكثر، والأكبر والأوسع للكتاب، لكتاب الله تعالى أولاً، لسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً، لقراءةٍ في كتابٍ نافعٍ في علوم الدين والدنيا ثالثاً.

سهولة الوصول إلى المعلومة زهَّد الناس بها:
أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ أن نُشجِّع أبناءنا على القراءة النافعة المُثمرة، وأن نحاول جَهدنا أن نُبعدهم عن الجوال الذي في أيديهم.
أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ سهولة الوصول على المعلومة زهَّد الناس بها، وجعلهم يُعرضون عن القراءة النافعة، سهولة الوصول إلى المعلومة، يعني اليوم يخطُر في باله سؤال، يفتح الجوال يسأل فيأتيه الجواب، قد يكون الجواب صحيحاً أو قد يكون غلطاً، لكن هو قادرٌ على الوصول إلى المعلومة، فلمّا أصبح قادراً على الوصول إليها في كل وقت، زهِدَ فيها فلا يحفظها، ولا يفهمها، ولا يُتقنها، لأنها في جَيبه، أمّا عندما كان الوصول إلى المعلومة صعباً، يحتاج إلى فتح عشرات الكتُب لتصل إلى المعلومة الصحيحة، كان ذلك يجعل الناس يهتمون بالمعلومة أكثر، ويُقبلون عليها، ويتمسكون بها أكثر وأكثر.

طلب العلم يحتاج إلى جهاد:
ذَكَر الإمام الذهبي في كتابه سيَر أعلام النُبلاء، كان يُترجم للإمام "بقيّ بن مخلدٍ الأندلسي" أحد أئمة الحديث من الأندلس، يقول بقيٌّ: وقد جاء إلى بغداد يريد أن يلتقي بالإمام أحمد بن حنبل، قال: << لمّا قرُبتُ من بغداد، اتصل بي خبر المِحنة التي دارت على الإمام أحمد بن حنبل، وأنه ممنوعٌ الاجتماع إليه والسماع منه، في فترةٍ زمنيةٍ في العصر العباسي، امتُحِن الإمام أحمد، وضُيَّق عليه، ليقول بخلق القرآن، فمُنع الناس من الاجتماع إليه، أو الاستماع منه، فوصل الخبر إلى بقيّ وهو قادمٌ من الأندلس إلى بغداد ليقرأ ويتعلَّم.
رحلةٌ طويلةٌ في طلب الحديث، فوصله الخبر، قال: فاغتممتُ لذلك غمَّاً شديداً، ماذا أفعل؟ كيف أتعلَّم وقد قطعت كل هذه المسافات من أجل لُقيا الإمام أحمد؟ فوصل ثم خرج يستدل على منزل الإمام أحمد، فدُللت عليه، دلَّه أحدهم على الدار، فقرعت بابه، فخرج إليَّ، فقلت: يا أبا عبد الله، رجلٌ غريب الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديثٍ ومُقيِّد سُنَّة، سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن رحلتي إلا إليك، فقال لي: ادخُل إلى مدخل البيت، ولا تقع عليك عين، ثم سألني: أين موضعك؟ فقلت: المغرب الأقصى، قال: إفريقيةُ؟ قلت: أبعد من ذلك، قال: الأندلس؟ قلت: نعم، من الأندلس جئت إلى بغداد.
فقال: إن موضعك لبعيد، وما كان شيءٌ أحبَّ إليَّ من أن أُحسِن عون مثلك على طلبه، ولكنني مُمتحنٌ بما ترى، وقد مُنع الاجتماع معي، فقلت: قد بلغني ذلك يا إمام، ولكن هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، الناس لا يعرفونني، فإن أذِنت لي أن آتي إليك كل يومٍ في زي السؤَّال، "جمع سائل" يعني بعُرفنا "المُتسوِّل"، آتيك وقد لبست لباس السائلين، لباس مُهترئة، وكأنني جئت آخُذ مالاً، أو طعاماً، أو شيئاً، فإن شئت أن آتيك كل يومٍ في زي السؤَّال، فلو لم تُحدّثنِ في كل يومٍ إلا بحديثٍ واحدٍ لكان فيه الكفاية.
فكنت آخُذ عوداً كما يفعل السائل الفقير، آخُذ عوداً في يدي وألُفّ رأسي بخِرقة، وأجعل ورقي ودواتي، أي "المحبرة" في كُمّي، ثم آتي بابه فأصيح: الأجر رحمكم الله، فيخرُج إليَّ ويُحدّثني بالحديثين والثلاثة فأكتفي بذلك، على الباب وكأنه يُعطيه مالاً أو شيئاً، يُسمِعه حديثين أو ثلاثة، فيُسجِّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهب، قال: فالتزمت ذلك فترةً طويلةً من الزمن، كل يوم، فلمّا ظهر الإمام أحمد وسما ذِكره، وعَظُم في عيون الناس، كان يعرف لي حقَّ صبري، فكنت إذا أتيت حلقته فسحَ لي، وأدناني منه، ويقول لأصحاب الحديث: هذا يقع عليه اسم طالب العِلم، ثم يقصُّ عليهم قصتي>>.

الجهل الذي يعيشه الناس أنه لا يثقون بالحديث كما يثقون بالقرآن:
عندي ملاحظتان أخيرتان:
الأولى: أنه يأتي إليك اليوم شخصٌ بعد ألف سنة ليقول لك: كيف نثق بالحديث؟ القرآن محفوظ لكن الحديث لم يُحفَظ، ولعلَّه لم يقرأ عن الرحلة في طلب الحديث، ولم يقرأ عن شروط المُحدّثين، ولم يقرأ عن شروط الحديث الصحيح، ولا كيف ينتقل الحديث من الصِحة إلى الحسن، ولا كيف يُصبِح ضعيفاً، ولا كيف يُحكَم عليه بالوضع، ولا يعرف عِلم الجرح والتعديل، ولا يعلم عِلم ضبط الرجال، ولا يعلم العدالة والضبط والفرق بينهما، لم يقرأ في ذلك شيئاً، لكنه يستمِع في وسائل الإعلام، إلا أننا لا نثق اليوم بالأحاديث لعلها حُرِّفت، وضِعت، نكتفي بالقرآن الكريم، هذه أول ملاحظة للجهل الذي يعيشه بعض الناس.
والمسألة الثانية: انظروا كيف كان الوصول إلى المعلومة صعباً، لكن كيف كانت المعلومة تُثمِر لأنها تأتي بعد بحثٍ وبعد جهاد، فينبغي اليوم أن نعود إلى القراءة، إلى الكتاب، إلى التعلُّم، والواجب العظيم الذي لا يمكن أن نُغفله، أن نقرأ يومياً في كتاب الله تعالى، وفي سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي سيرة المُصطفى عليه الصلاة والسلام.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بكَ ونتوكل عليك.
اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقرِّبُنا إليك.
اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك.
اللهم بفضلك عُمَّنا، واكفِنا اللهم شرَّ من أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم كُن لأهلنا في غزَّة عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك سهماً وعملاً صالحاً يا أرحم الراحمين، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا، وانصُرنا اللهم على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصُرنا على أعدائنا.
اللهم اجعل هذه البلاد أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليها لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.