غرباء
غرباء
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
مقدمة:
| أيُّها الإخوة الأكارم: مشهدٌ يحبس الأنفاس يوم القيامة، يسمع الناس صوتاً: |
{ قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا يَومَ القيامةِ؟ قال: هل تُضارونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إذا كانَت صَحوًا؟ قُلنا: لا، قال: فإنَّكُم لا تُضارونَ في رُؤيةِ رَبِّكُم يَومَئذٍ، إلَّا كما تُضارونَ في رُؤيَتِهما ثُمَّ قال: يُنادي مُنادٍ: ليَذهَبْ كُلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ، فيَذهَبُ أصحابُ الصَّليبِ مع صَليبِهم، وأصحابُ الأوثانِ مع أوثانِهم، وأصحابُ كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ، مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، وغُبَّراتٌ مِن أهلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤتى بجَهَنَّمَ تُعرَضُ كَأنَّها سَرابٌ، فيُقالُ لليَهودِ: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ قالوا: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ للنَّصارى: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ فيَقولونَ: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ فيَقولونَ: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، فيُقالُ لهم: ما يَحبِسُكُم وقد ذَهَبَ النَّاسُ؟ فيَقولونَ: فارَقناهم، ونَحنُ أحوجُ مِنَّا إليه اليَومَ، وإنَّا سَمِعنا مُناديًا يُنادي: ليَلحَقْ كُلُّ قَومٍ بما كانوا يَعبُدونَ، وإنَّما نَنتَظِرُ رَبَّنا الذي كُنّا نعبُد }
(صحيح البخاري)
| هؤلاء أيُّها الإخوة الكرام، الذين سينظرون إلى وجه الله الكريم، كانوا في الدنيا قد فارقوا الناس وهُم أحوَج إليهم، لكنهم فارقوهم لِما رأوا من تفلُّتِهم، ولِما رأوا من بُعدِهم عن التوحيد، ولِما رأوا من فِسقِهم وفجورهم وإجرامهم، فارقوهم في الدنيا، وعاشوا غُربتهم في الدنيا بعيداً عن الناس غير المؤمنين، فكانت عاقبتهم يوم القيامة، أن ينظروا إلى وجه الكريم جلَّ جلاله. |
الغُربة ثلاثة أنواعٍ:
| أيُّها الإخوة: الغُربة ثلاثة أنواعٍ، غُربة دنيا، وغُربة دين، وغُربة وطن. |
غُربة الدنيا:
| أمّا غُربة الدنيا، فيشترك فيها الجميع، كل الناس غُرباء في الدنيا، كلنا ضيوفٌ على هذه الدنيا وسنُغادرها يوماً، فنحن في الدنيا غُرباء، من يعيش أربعين سنةً فهو غريب، ومن يعيش مئةً فهو غريب، كلنا غُرباء لأننا نعيش زمناً يسيراً في هذه الدنيا، أمّا موطننا فهناك في الآخرة، نحن أبناء الآخرة، جئنا إلى الدنيا لنُقدِّم السبب الذي يؤهلنا لدخول جنَّة ربِّنا، جئنا إلى الدنيا ضيوفاً، فنحن فيها غُرباء، الغريب يحلُّ في أرضٍ حيناً ثم يرحل عنها، وهذه هي حالنا، لو أنك سافرت إلى بلدٍ، ومكثت فيه أسبوعاً أو أسبوعين، تُسمّى عند أهل هذا البلد غريباً، ونحن في الدنيا غُرباء، فالدنيا دار مَمرٍّ وليست دار مَقرّ، نحن نمُرّ في الدنيا إلى الآخرة، ويجب أن نتزود من ممرِّنا لمقرِّنا، ربُّنا جلَّ جلاله قال: |
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)(سورة البقرة)
| ثم جعل آدم عليه السلام وزوجه في جنَّةٍ تقريبية، ليست جنَّة الخُلد، ثم أخرجه منها بذنبٍ اقترفه، وكأنه يقول له: إذا أردت أن تعود إليها فأنت من أهلها، فإيَّاك والذنوب. |
| أيُّها الإخوة الأحباب: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: |
{ أخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمنكِبي، فقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ، وكان ابنُ عمرَ رضِي اللهُ تعالَى عنه يقولُ: إذا أصبحتَ فلا تنتظِرِ المساءَ، وإذا أمسيْتَ فلا تنتظِرِ الصَّباحَ، وخُذْ من صِحَّتِك لمرضِك، وفي حياتِك لموتِك }
(أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وأحمد)
الغريب ليس من أهل الدار:
| الغريب ليس من أهل الدار، وأهل الشام كانوا يقولون: "يا غريباً كُن أديباً" أيُّها الغريب كُن أديباً، تأدَّب فأنت لست في دارك، الغريب أولاً لا يتدابر مع الناس، الإنسان عندما يستوطن مكاناً ويطول استيطانه له، تبدأ المشاكل، لكنه عندما يكون في دارٍ ليست داره، لا يتدابر مع الناس (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ) ليس هناك ما يستأهِل أن تتحاسَد، وأن تتباغَض، هي أيامٌ وتمضي، هذه هي الغُربة في الدنيا، لا تتدابَر مع الناس، يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسوا، ولا تَجَسَّسوا، ولا تَنافَسوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا }
(أخرجه البخاري)
| (لا تَحَسَّسوا) التحسُّس هو تتبُّع الأخبار الجيدة، (لا تَجَسَّسوا) التجسُّس هو تتبُّع الأخبار السيِّئة. |
| حال الغريب أنه لا يتدابَر مع أحد، ولا يتحاسَد مع أحد. |
الغريب لا يتنافس مع أهل البلد تنافُساً محموماً على الدنيا:
| بعد ذلك الغريب لا يتنافس مع أهل البلد تنافُساً محموماً على الدنيا، يقول لك: هذه سوقهم، هذه تجارتهم، لن أدخُل فيها، لا يتنافس يأخُذ ما يكفيه، ونحن في الدنيا غُرباء، فلا ينبغي أن يكون تنافُسنا على الدنيا محموماً، فنحن نُمسِك الدنيا بأيدينا ولكننا لا نضعها في قلوبنا، نحن نتحكَّم فيها ولكن لا نسمَح للدنيا أن تتحكَّم فينا، نحن نأسرها ولكن لا نسمَح لها أن تأسرنا (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ) الغريب لا يتنافس، يأخُذ ما أحلَّه الله له، يأخُذ ما وصلَت يده إليه، لكن لا يتنافس مع أهل البلد (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ). |
| جاء رجُلٌ إلى أبي الدرداء رضي الله عنه فقال: - وقد وجد بيته قليل المتاع، ليس فيه كما في بيوت الآخرين - فقال له: أين متاعُكم؟ قال: "لنا بيتٌ هناك نُرسِل إليه صالح متاعِنا" عندنا بيتٌ آخر، نُرسِل إليه صالح متاعِنا من الأعمال الصالحة، نُهيئُها للبيت الأخير، للبيت الذي لسنا غُرباء فيه، وإنما نحن أهله، أصحاب الجنَّة. |
| الله تعالى عندما يصف المؤمنين يوم القيامة يقول: |
أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(14)(سورة الأحقاف)
| لسنا غُرباء في الجنَّة. |
| وعندما يصف المُنحرفين: |
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(10)(سورة التغابن)
| هُم أهلها وأصحابها، أصبحوا في دارهم، أمّا في الدنيا فكلُّنا غُرباء. |
الغريب لا يألَف النِعَم:
| ثم الغريب أيُّها الكرام لا يألَف النِعَم، أنت من دمشق وتعرِف حاراتها وأزِقَّتها، وتعرِف كل شبرٍ فيها، وكل يومٍ تخرُج من بيتك إلى عملك ومن عملك إلى بيتك، هل يلفِتُ نظرك شيءٌ في الطريق؟ أبداً، المكان معروف لا تلتفِت، ولعلَّك تُمسِك الجوال، أو تسهو قليلاً حتى تقطع الطريق في حافلةٍ عامة، لا تلتفِت إلى الطريق، لأنك من أهل دمشق. |
| لكن لو سافرت إلى بلدٍ آخر بعيدٍ لا تعرفه، ومضيت في شوارعه لأول مرةٍ، فإنك لا تألَف شيئاً فيه، تنظُر إلى كل شيءٍ لأنك تراه أول مرة، تقول: ما شاء الله عندكم كذا، هذا المحل ماذا يصنع؟ هذه لماذا وضِعَت هُنا، تُميِّز كل شيءٍ لأنك غريبٌ (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ) إيَّاك أن تألَف النِعَم في الدنيا، لا تجلس على مائدة الطعام كل يومٍ كالذي قبله، كل يومٍ انظُر وقُل: الحمد لله على نِعَم الله، لا تُطِلّ من الشُرفة صباحاً، فترى عصفوراً يطير في الهواء، ثم لا تقول: سُبحان الخالق العظيم. |
وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)(سورة يوسف)
| المؤمن في الدنيا غريب، لا يألَفُ شيئاً من مخلوقات الله، ولا شيئاً من نِعَم الله، يلفِت نظره كل شيء. |
| اليوم إذا أُصدِرَ إصدارٌ جديدٌ من هاتفٍ من طرازٍ مُعيَّن، وجاء به أول شخصٍ في الأُسرة، تجمَّعت الأُسرة حوله، لترى ماذا في هذا الطراز الجديد، ما الميِّزات الجديدة التي أُضيفَت؟ هذا في شيءٍ صنعه الإنسان بفضل الله عليه، فماذا عن صُنع الله؟ ماذا عن نِعَم الله؟ الغريب لا يألَف النِعَم، نحن ابتُلينا بمرضٍ اسمُه إلفُ النِعمة، نألَف النِعمة فلا نشكُر الله عليها، وكم من نِعَمٍ لله علينا قد قصَّرنا في شُكرها لأننا ألِفناها، فاللهم عرِّفنا نِعَمِكَ بداومها لا بزوالها. |
غُربة الدين:
| أيُّها الإخوة الكرام: هذه غُربة الدنيا، نحن في الدنيا غُرباء، وأمّا غُربة الدين، وتلك أعظم الغُربة، أن تكون صادقاً وحولك كاذبون، فأنت غريب، أن تكون أميناً وحولك غَشَشَةٌ مُتحاسِدون، فأنت غريبٌ بينهم، أن تكون ثابتاً على الحقّ وحولك مُنافقون، فأنت في غُربةٍ، أن تكون تأوي إلى مسجدٍ وحولك مَن يأوي إلى لهوٍ مُحرَّم، فأنت في غُربةٍ، هذه غُربة الدين وصاحبها محمودٌ، لأنه أعرَض عن الدنيا وأوى إلى الله تعالى، في القرآن الكريم لا تجد الأكثرية ممدوحةً أبداً، أعطني آيةً واحدة مدَحَ الله فيها الأكثرية؟ |
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(25)(سورة لقمان)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ(73)(سورة النمل)
أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ(43)(سورة الزمر)
| إيَّاك والأكثرية، إيَّاك أن تكون مع الناس، صالحهم وطالحهم دون تمييز، أمّا الأقليَّة فيمدحُها المولى جلَّ جلاله لأنها على الحقّ: |
ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ(14)(سورة الواقعة)
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13)(سورة سبأ)
| لا تغترَّ بكثرة الهالكين، لو أنك رأيت طريقاً، وأنت تعرف أن في نهايتها حُفرةً قاتلة، والناس يتهافتون إليها، فهل تهوي معهم أم تقف وحدك وتترُك هذه الطريق؟ الناس اليوم بالعموم - والعياذ بالله -يتهافتون نحو النار، بأعمالهم، باجتماعاتهم، بأكلهم الحرام، بغشِّهم للناس، بأكلهم الميراث، يتهافتون نحو النار، فهل نكون مع الأكثر أم مع الأقل؟ إن كنت على الحقّ فأنت الجماعة ولو كنت وحدك، الجماعة هي جماعة الحقّ. |
غُرباء الدين لهم خمسة أوصافٍ:
| الغُرباء في السُنَّة أيُّها الكرام لهم خمسة أوصافٍ، غُرباء الدين لهم خمسة أوصافٍ: |
الصفة الأولى: أنه يُصلِح عند فساد الناس
| أولاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: |
{ بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ فطُوبِى للغرباءِ، وفي روايةٍ قيل يا رسولَ اللهِ: مَن الغرباءُ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناسُ، وفي لفظٍ آخرَ قال: هم الذين يُصلِحون ما أفسد الناسُ من سُنَّتي }
(صحيح مسلم)
| أول صفةٍ في الغريب، غريب الدين، أنه يُصلِح عند فساد الناس، يُصلِح، ليس صالحاً لكنه مُصلِحٌ. |
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)(سورة هود)
| يُصلِح من حوله ما استطاع، يُصلِح في بيته، يُصلِح في عمله، يُصلِح في مسجده، يُصلِح في شركته، يُصلِح إذا فسد الناس، هذه أول صفةٍ للغريب، الناس فاسدون وهو لا يسعى إلى صلاح نفسه فحسب، ولكنه يسعى إلى الإصلاح: |
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116)(سورة هود)
{ يأتي علَى النَّاسِ زمانٌ الصَّابرُ فيهِم على دينِهِ كالقابِضِ على الجمرِ }
(صحيح الترمذي)
الصفة الثانية: التمسُّك بسُنَّة رسول الله
| الصفة الثانية في الغُرباء: قال صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ فطُوبِى للغرباءِ، وفي روايةٍ قيل يا رسولَ اللهِ: مَن الغرباءُ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناسُ، وفي لفظٍ آخرَ قال: هم الذين يُصلِحون ما أفسد الناسُ من سُنَّتي) الصفة الثانية في الغُرباء، تمسُّكهم بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حادَ الناس عنها. |
| كان العلماء يقولون: <<أهل الإسلام في الناس غُرباء - نحن المُسلمين غُرباءٌ بين الناس - والمؤمنون في أهل الإسلام غُرباء، وأهل العِلم في المؤمنين غُرباء - مؤمنٌ لكنه ليس من أهل العِلم، قال: وأهل السُنَّة الذين يُميِّزونها من الأهواء والبِدَع غُرباء، والدَّاعون إليها - إلى السُنَّة - الصابرون على أذى المُخالفين، أشدُّ الناس غربة>> أشدُّ الناس غربةً من يتمسَّك بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| قال سفيان الثوري: "استوصوا بأهل السُنَّة خيراً فإنهم غُرباء". |
| وكان يقول: "إذا بلغكَ عن رجُلٍ بالمشرق صاحب سُنَّة وآخر بالمغرب، فابعث إليهما السلام، وادعو لهما ما أقلَّ أهل السُنَّة والجماعة". |
| اليوم المُتمسِّك بالسُنَّة رُبما يُستهزأ به، ماذا تفعل؟ وهو يُحافظ على سُنَّة المُصطفى صلى الله عليه وسلم. |
| قال أبو بكر بن عياش: "السُنَّة في الإسلام أعزُّ من الإسلام في سائر الأديان" قليل. |
| وكان الأوزاعي يقول: "أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السُنَّة، ترفَّقوا يرحمكم الله فإنكم من أقل الناس". |
الصفة الثالثة: القِلَّة القليلة
| الصفة الثالثة في غُرباء آخر الزمان: عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: |
{ إنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأَ فطوبَى للغرباءِ، قيلَ: ومنِ الغرباءُ؟ قالَ: النُّزَّاعُ منَ القبائلِ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
| (النُّزَّاعُ منَ القبائلِ) أي من كل قبيلةٍ، من كل عشيرةٍ، من كل حيٍّ، اثنان ثلاثة هؤلاء، هُم القِلَّة. |
| أضرِب أمثلةً: |
| حيٌّ كبير وفيه مسجد، مَن يُصلّي الفجر في جماعةٍ صفٌ واحد، هؤلاء غُرباء، غُرباء حيِّهم. |
| سوقٌ طويل، الكل يحتال ويغشّ في البضائع، هناك تاجران يبيعان دون غِشٍّ، هؤلاء هُم الغُرباء. |
| طلابٌ في الجامعة، كل الطلاب، معظم الطلاب يُصاحِب طالبٌ طالبةً والعياذ بالله، ويَمضي معها خارج إطار شرع الله عزَّ وجل، هناك عشرات الفتيات المُحجَّبات، وعشرات الشُبَّان الذين يغضّون أبصارهم عن محارِم الله، هؤلاء النُزَّاع من القبائل، القِلَّة القليلة، والباقي يفعلون ما يحلو لهم، النُزَّاع من القبائل هُم الغُرباء. |
الصفة الرابعة: الصالحون في ناس سوءٍ كثير
| الصفة الرابعة: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: |
{ طوبى لِلْغُرَباءِ، قيل: و مَنِ الغُرَباء يا رسولَ اللهِ؟ قال: ناسٌ صالِحُونَ قَلِيلٌ في ناسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أكثرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ }
(أخرجه الطبراني وأحمد)
| خطبت مرةً في بلدٍ عربي، ولمّا انتهيت من الخُطبة، جاءني رجُلٌ وكان يحضُر الخُطبة دائماً، قال لي: أما مللت؟ قلت له: مِمَّ؟ قال لي: هؤلاء الذين تدعوهم ويُتابعون الخُطبة، انظُر ماذا يفعلون، التُجَّار يغشّون، محامون يأخذون قضايا باطلة، وووإلى آخره.. والنساء غير مُلتزمات، وبعضهم نساؤهم غير مُحجَّبات، أراد أن يُحبطني، قلت له: أنا أعرف طبيعة الطريق، وأنا لو أمضيت عمري كله، فاهتدى رجُلٌ واحدٌ فأنا الرابح، أعرف طبيعة الطريق، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لي في أخر الزمان: (مَنْ يَعْصِيهِمْ أكثرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ). |
الصفة الخامسة: الفرَّارون بدينهم
| الصفة الخامسة والأخيرة في الغُرباء: قال صلى الله عليه وسلم: |
{ أحبُّ شيءٍ إلى اللهِ تعالى الغُرباءُ، قيلَ: ومَن الغُرباءُ؟ قالَ: الفرَّارونَ بدينِهِم، يَبعثُهُمُ اللهُ يومَ القيامةِ معَ عيسَى ابنِ مريمَ عليهِما السَّلامُ }
(أخرجه أحمد)
| هؤلاء الفرَّارون بدينهم يأوون إلى كهفهم، الكهف قد يكون بيتك، قد يكون مسجدك، قد يكون عملك، أُسرتك، زوجتك، تأوي إلى الكهف: |
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا(16)(سورة الكهف)
| إذاً الغُرباء هُم المُصلِحون أولاً، ثانياً المُتمسِّكون بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثالثاً هُم القِلَّة، الصالحون في ناس سوءٍ كثير، أخيراً الفرَّارون بدينهم. |
| فإن أردت أن تحظى بغُربةٍ محمودةٍ في الدين، فأصلِح إذا فسد الناس، تمسَّك بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعرَض الناس عنها، كُن مع القِلَّة الناجية لا مع الأكثرية الهالكة، اهرُب بدينك من مُستنقعات الإثم والفجور، ومهاوي الهلاك، اهرُب بدينك إلى ركنٍ وثيق. |
غرباء ونحن سِـرُّ الوجـود ورفيف الشذا وأهلُ البُنود غرباء ونحن رمز الصُمود وجُنودُ الهُدى وحق الجنود غرباء ولـيـس بـِدعـاً فـهذا قـدرُ الحُـرِّ في بـلادِ العـبـيد غرباء والكون يهتز شـوقـاً لِـرُآنــا فـي كـل فجـرٍ جـديد غربـاء وقـد ملـكـنــا زمـانـاً ونشـرنا في كلِّ أرض ورود غـرباء وقـد رشـفَـنا عُـهُوداً في ظِلال القرآن تاج الخلود نحن قـومٌ إذا شَدَونا نشـيداً يـملأ الـزهـرُ مُـقـفِراتِ البيد{ سليم عبد القادر }
غُربة الوطن:
| وأمّا الغُربة الثالثة فهي غُربة الوطن: والله تعالى ركزَ في أعماقنا حُبَّ أوطاننا، قال تعالى: |
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا(66)(سورة النساء)
| فربط قتل النفس مع الخروج من الديار، لأنَّ الإنسان يُنتزَع من داره كأنما تُنتزَع روحه، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما خرَج من مكَّة قال: |
{ أنَّهُ سمعَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وَهوَ واقفٌ بالحَزوَرةِ في سوقِ مَكَّةَ وَهوَ يقولُ: واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ }
(أخرجه أحمد وابن ماجه)
| اللهم آمِنّا في أوطاننا. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علِمنا منه وما لم نعلَم، ونعوذ بك من الشرِّ كله عاجله وآجله، ما علِمنا منه وما لم نعلَم. |
| اللهم إنّا نسألك من خير ما سألك منه عبدُك ونبيك، سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدُك ونبيك، سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم. |
| اللهم يا أرحم الراحمين كُن لأهلنا المُستضعفين في غزَّة في فلسطين، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين ومَن وقف معهم ومَن أيَّدَهُم في سرٍّ أو علَن. |
| اللهم اغفر لنا تقصيرنا بحقِّ إخواننا فإنك أعلم بحالنا. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً يا أرحم الراحمين. |
| اللهم أصلِح الراعي والرعيَّة، اللهم اكتُب السلامة والأمن لبلادنا، وابعِد عنها مكر الماكرين، وحسد الحاسدين، وكيد الكائدين. |
| اللهم وفِّق مَن ولَّيتهم أمورنا إلى خير دُنيانا وأُخرانا، عاملين بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

