فأسرّها يوسف في نفسه!

  • خطبة جمعة
  • 2026-07-10
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

فأسرّها يوسف في نفسه!

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: لم تكن لحظةً عاديةً ولا عابرة، تلك اللحظة التي جَمَعَت يوسُف عليه السلام بإخوته، بعد عشرات السنين من الغياب، كانت لحظةً تختزل مرارة سنواتٍ طويلة، تختزل خوف طفلٍ وجدَ نفسه وحيداً في الجُبّ، لا يدري ما يُفعَل به ولا يدري أين مصيره؟ تختزل سنواتٍ من العبودية في قصر العزيز، تختزل ساعات القلق من تُهمةٍ باطلة، أُلحِقَت بيوسُف ظُلماً، تختزل عناء السجن وما فيه من الأذى وفقد الحرية، تختزل مرارة البُعد عن الأهلِ والأبِ والأُم والوطن، رُبما كان عليه السلام يطمَع في هذا اللقاء، أن يرى وجوه إخوته نادمةً، أو أن يسمَع منهم كلمات الاعتذار والاعتراف بالذنب، ويرى في عيونهم نظرات الندم على أسلفوا، فإذا به يسمع منهم اتَّهاماً باطلاً:

قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ(77)
(سورة يوسف)

بعد كل ما فعلوه به، يتَّهمونه بالسرقة زوراً وبُهتاناً، ننتظر هُنا أن ينفجر الكريم ابن الكريم غضباً، وأن يرُدَّ إساءتهم بإساءة، أو أن يُلقي بهم في غياهب السجون، وهو مَن هو في مصر، لكن القرآن الكريم يُسجِّل هذه اللحظة، ويُسجِّل حال يوسُف الصدّيق عليه السلام (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) ثم قال في نفسه دون أن يُسمِعهم: (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).

مهارة التغافُل وعبادة التغافُر:
أيُّها الإخوة الكرام: كم نحن اليوم بحاجةٍ إلى أن نتعلَّم مهارة التغافُل، إلى أي مدىً تستطيع أن تتغافل عن زلة أخيك، أو أن تسمَع ثم تتظاهر أنك لم تسمع، أو أن ترى لكنك تتظاهر أنك لم ترَ، هذه مهارةٌ اسمُها مهارة التغافُل، ثم كم نحن بحاجةٍ إلى عبادة التغافُر؟ مهارة التغافُل وعبادة التغافُر، أن يغفر بعضنا لبعض، أن يتجاوز بعضنا عن بعضٍ، كيف لا ونحن نؤمن بالله جلَّ جلاله.

أتقَن يوسُف عليه السلام مهارة التغافُل:
أيُّها الإخوة الأحباب: أتقَن يوسُف عليه السلام التغافُل حين أسرَّها في نفسه، سمعهم يتحدَّثون بها، يتَّهمونه بالسرقة، فأسرَّها في نفسه عليه السلام، وتغافَل ثانيةً حين لم يُذكِّرهم بجريمتهم في المرة الثانية من اللقاء، قال:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100)
(سورة يوسف)

ولم يقُل لهم: وقد أحسن بي إذ أخرجني من الجُبّ، بربِّكم أيهما أخطر، السجن أم الجُبّ؟ الجُبّ لا نجاة منه في الأعمِّ الأغلب، أمّا السجن فمدَّةٌ ويخرُج، لكنه لم يُرِد أن يُذكِّرهم بجريمتهم، فتغافَل عن الجُبّ وذَكرَ السجن، وأتقنَ التغافُل مرةً ثالثة حين قال: (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) فنسَبَ ما حصل إلى الشيطان، ولم يقُل لهم: من بعد ما فعلتُم بي ما فعلتُم، وقال: إخوتي، نسبهم إلى نفسه ولم يتخلَّ عنهم، هذه قضية التغافُل، ثم بعد ذلك أتقنَ عليه السلام عبادة التغافُر فبمُجرَّد أن قالوا له:

قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ(91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92)
(سورة يوسف)

ولم يقُل لهم ألم أفعل؟ ألم أُحسِن؟ ولم يُذكِّرهم بشيءٍ من الماضي.
أيُّها الإخوة الأحباب: نبي الله يوسُف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، كان قادراً وهو في منصبه في مصر، كان قادراً على ردِّ الكلمة بمثلها، وعلى كشف ما أخفاه لسنواتٍ، لكن الصدّيق الكريم اختار الصمت والتغافُل، ليس صمت ضعفٍ، لكنه صمتْ المؤمن الذي يزِن كلماته بميزان التقوى، ويُرجئ ردَّ الفعل إلى لحظةٍ تهدأ فيها الروح وتستقيم فيها النفس.

المؤمن لا يرُدّ الإساءة بمثلها:
أيُّها الإخوة الكرام: المؤمن حين يؤذى من قريبٍ أحسن إليه، أو من صديقٍ ضرَّه، لا يجعل الأذى يسلبه خُلُقه، ولا يرُدُّ الإساءة بمثلها، عن ابن عباس رضي الله عنهما:

{ قدِمَ عُيَينةُ بنُ حِصنِ بنِ حُذَيفةَ بنِ بَدرٍ - قَدِم المدينة فنزل في بيت ابن أخيه - فنَزَلَ على ابنِ أخيه الحُرِّ بنِ قَيسِ بنِ حِصنٍ، وكان مِنَ النَّفَرِ الذينَ يُدنيهم عُمَرُ - كان قريباً من أمير المؤمنين - وكان القُرَّاءُ أصحابَ مَجلِسِ عُمَرَ ومُشاورَتِه، كُهولًا كانوا أو شُبَّانًا، فقال عُيَينةُ لابنِ أخيه: يا ابنَ أخي، هل لكَ وجهٌ عِندَ هذا الأميرِ - عند عمر رضي الله عنه - فتَستَأذِنَ لي عليه؟ - أُريد أن أُقابله - قال: سَأستَأذِنُ لكَ عليه، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فاستَأذَنَ لعُيَينةَ، فلَمَّا دَخَلَ قال: يا ابنَ الخَطَّابِ، واللهِ ما تُعطينا الجَزلَ - أنت لا تُعطينا الكثير - وما تَحكُمُ بينَنا بالعَدلِ - يكلِّم الفاروق عمر الذي ذاعَ عدلهُ في الخافِقَين - فغَضِبَ عُمَرُ، حتَّى هَمَّ بأن يَقَعَ به، فقال الحُرُّ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ اللهَ تَعالى قال لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {خُذِ العَفوَ وأمُرْ بالعُرفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلينَ} [الأعراف: 199]، وإنَّ هذا مِنَ الجاهِلينَ، فواللهِ - كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما - ما جاوزَها عُمَرُ حينَ تَلاها عليه وكان وقَّافًا عِندَ كِتابِ اللهِ }

(صحيح البخاري)

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(199)
(سورة الأعراف)

{ (وإنَّ هذا مِنَ الجاهِلينَ، فواللهِ - كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما - ما جاوزَها عُمَرُ حينَ تَلاها عليه وكان وقَّافًا عِندَ كِتابِ اللهِ). }

هذه كلمةٌ فيها مدحٌ عظيم، أن يُقال فُلانٌ وقَّافٌ عند كتاب الله، وقَّافٌ عند سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قلت له: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقف فوراً، لا يُتابِع، لا يتمادى، لا يستشيط غضباً.
وانظروا إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى:

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ(3)
(سورة التحريم)


عادة الفُضلاء التغافُل عن الزلّات والتقصير في اللومِ والعِتاب:
ما الذي حصل؟ النبي صلى الله عليه وسلم أسرَّ لحفصةَ رضي الله عنها كلاماً، سِرَّاً بينه وبينها، وائتمنها عليه، فحدَّثت حفصة بهذا السِرِّ عائشة رضي الله عنها، فأظهر الله هذا السِرَّ، وأخبر نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بأنَّ حفصةَ حدَّثت عائشة بكذا وكذا (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أخبرت به عائشة (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) قال: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) فالنبي صلى الله عليه وسلم عرَّف حفصة ببعض ما أوحيَ عليه، وترك البعض الآخر وتغافَل عنه تكرُّماً منه، وهي قد أفشَت السِرّ.
قال المُفسِّرون: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصةَ ببعض ما يُريد، فأخبرَت عائشة ولم يُخبرها بكل ما حصل منها، لم يُخبِر حفصةَ بكل ما حصل منها، حُبَّاً بها، وحياءً وكرماً منه صلى الله عليه وسلم، قال: لأنَّ عادة الفُضلاء التغافُل عن الزلّات، والتقصير في اللومِ والعِتاب (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) هو يعلَم الكثير ليقوله، لكن قال لها البعض ثم أعرَض عن الآخر، تكرُّماً منه وحياءً لكي لا يجرَح مشاعرها، هذه فضيلة التغافُل.
أيُّها الإخوة الكرام: كان سفيان يقول: "ما زال التغافُل من فعل الكِرام" الكِرام يتغافلون.
حدَّثني أخٌ لمّا قرأ عنوان الخُطبة: "فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ" قال لي: والله دخلت إلى أبي وهو مُسجَّى وقد فارق الدنيا، فأردت أن أقول شيئاً وأنا أودِّع جثمانه، قال لي: فقلت: جزاك الله عنّا خيراً كم كنت ترى من أشياءٍ وتتغافَل عنها، فعلَّمتنا فضيلة التغافُل.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول الحسَن: "ما استقصى كريم" الكريم لا يستقصي العيوب، لا يبحث عن الزلات، الكريم لا يُريد أن يسبُر الأغوار ويصل إلى أن يُحرِج، وأن يصل إلى زلَّات الناس وأن يطَّلِع على عَوراتهم، "ما استقصى كريم" الكريم يتغافَل عن الزلَّات ويُعرِض عنها، قيل للإمام أحمد: "العافية عشرة أجزاءٍ تسعةٌ منها في التغافُل، فقال أحمد: العافية عشرة أجزاءٍ كلها في التغافُل" وقال مُعاوية رضي الله عنه: "العقل مكيالٌ ثلثه الفِطنة - الوعي، الذكاء، الفِطنة - وثُلثاه التغافُل".

موقف التغافُل في قصة ألب أرسلان:
من مواقف التغافُل أيُّها الكرام: أنَّ "ألب أرسلان" وهو القائد السلجوقي الذي انتصر على بيزنطة في المعركة الفاصلة "ملاذ كُرد"، وهيأ بعدها للعثمانيين، فكانت معركةً فاصلة في تاريخ المسلمين، من مواقفه أنه عندما تولّى السُلطة خلفاً لعمِّه، لم يرتضيه بعض القادة، بعض قادة الجُند لم يرتضوا ولايته بعد عمِّه، وبدأوا يتراسلون فيما بينهم، يذكرونه بسوءٍ، يتراسلون الأوراق ويذكرونه بسوءٍ، فوقعت المُراسلات في يده، صارت المُراسلات بين يَديه بما كان من حديثٍ عنه بسوءٍ، فما كان منه إلا أن دعا جميع القادة، وفيهم هؤلاء الذين أساؤوا إليه، ورُبما عرفهم وعرف مَن الكاتب، لكنه جمع الجميع وفيهم هؤلاء، ثم خطبَ فيهم فحثَّهم على وحدة الصف وجمع الكلمة ونبذ الفُرقة، ثم أخرَج المُراسلات وأوقدَ ناراً بين يديه وقال: لقد علمت بخبرها، ولم أشأ أن أعلم من هُم أصحابها - لا اُريد أن أعلم - وها أنا أُلقيها أمامكم أُحرِقُها، ليبقى حبل المودة بيننا جميعاً، ولتبقى وحدتنا هي مستقبلنا، فهتف الجميع له وأيَّدوه، وكان ذلك سبباً في الاجتماع والنصر.

المُتغافل ليس غافلاً بل هو كيِّسٌ فَطِن:
التغافُل أيُّها الكرام ليس غفلةً، أنت أحياناً يصنع ولدك شيئاً وأنت تراه وتُعرِض عنه، أنت لست غافلاً عنه، لكن أنت لا ترى الآن الوقت المُناسب لتوجيهه، أو أنك ترى أنَّ هذا الفعل أنت لا ترتضيه لكنه ليس سيئاً إلى الحد الذي يقتضي تدخُّلك، فتتغافَل عنه وأنت تراه، فالتغافُل ليس غفلةً، قالوا:
لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي
{ أبو تمام }
فالتغافُل ليس غفلةً، ولا ضعفاً، ولا عدم درايةٍ بالمكرِ، والمُتغافل ليس غافلاً بل هو كيِّسٌ فَطِن، لكنه يُظهِر الغفلة أحياناً فيصل من خلالها إلى أفضل ما يُريد.

التغافُل لا يكون مع المُجرمين ولا مع الأعداء بل يكون مع المؤمنين:
التغافُل لا يكون مع المُجرمين، ولا مع الأعداء الماكرين المُتربّصين، ولكن يكون مع المؤمنين، مع قريبٍ تخشى قطيعته، مع صديقٍ تُقدِّر ظرفه، مع مؤمنٍ لا تُريد فضيحته، مع موقفٍ يجب تجاهله، إذا قرأت تعليقاً قاسياً على صفحتك في مواقع التواصل الاجتماعي، هل تستطيع أن تتغافَل عنه، لكي لا تقطع حبل المودَّة بينك وبين فُلان؟ أو هل تستطيع أن تُسِرّه في نفسك؟ تحتفظ به دون أن تبوح لأحدٍ به؟ هل تستطيع أن تحذفه بهدوءٍ وانتهى الأمر؟ هل تستطيع أن ترُدَّ عليه بأحسن الأقوال؟

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)
(سورة فصلت)

هذا هو التغافُل، أم أننا قد تعوَّدنا أن نرُدَّ الكلمة بأسوأ منها؟ لئلّا نفقِد هَيبتنا وكرامتنا كما نعتقِد، ألم نقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم:

{ أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ يَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، و إِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ }

(أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه)

يمكن أن تُمضي غيظك، وأن تُفرِّغ كُرهك، وأن تُفرِّغ مشاعرك السلبية تجاه فلان، تستطيع، لكنك كظَمته فيملأ الله قلبك رجاءً يوم القيامة.
يتباهى أحدهم ويقول: كل الناس يخشون ردَّة فعلي، لأنهم يعلمون أنّي أرُدّ الصاع صاعين، ألم يقرأ قول المُصطفى صلى الله عليه وسلم:

{ استأذنَ رجلٌ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأنا عندَهُ فقالَ بئسَ ابنُ العشيرةِ أو أخو العشيرةِ ثمَّ أذِنَ لهُ فألانَ لهُ القولَ فلمَّا خرجَ قلتُ لهُ يا رسولَ اللَّهِ قلتَ لهُ ما قلتَ ثمَّ ألنتَ لهُ القولَ فقالَ يا عائشةُ إنَّ من شرِّ النَّاسِ من تركهُ النَّاسُ أو ودعهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فُحشِهِ }

(أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي)


التغافُل ليس غفلةً بل هو اختيارٌ واعٍ لترك بعض ما لا يستحق الوقوف عنده:
يقول آخر: أنا صاحٍ لا أُفوِّت واحدة ولا أتغافل عن كلمةٍ، لذلك يحترمُني جميع الناس، ويهابونني، ويُكرِّمونني، لأنهم يعلمون أنّي لا أُفوِّت واحدة، لا أتغافَل عن واحدةٍ، ألم تسمع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم:

{ يا عائشةُ: إنَّ مِن شِرَارِ النَّاسِ الَّذين يُكرَمون اتِّقاءَ ألسنتِهم }

(أخرجه الطبراني وأبو يعلى)

يقول لك: أكرِمه هذا لسانه طويل، لا أحد يتكلم معه، يظن نفسه أنه مُفلِحٌ وهو خاسر، وهو من شرّ الناس لأن الناس يهابون لسانه، نتحدَّث عن العلاقة بين المؤمنين وليس مع الأعداء.
قد ينسى أحد أفراد الأُسرة أن يُعيد شيئاً إلى مكانه، فتُعيده أنت وتتغافَل، انتهت المُشكلة، قد يتأخر قريبٌ أو صديقٌ عن موعده، والموعد ليس مُهمِّاً جداً فتأخَّر، فتتغافَل لئلّا تُحرجه، فتحافظ على المودَّة، رُبما ينسى الزوج أو تنسى الزوجة مُناسبةً ما، أو طلباً بسيطاً طلبه الزوج من زوجته أو العكس، فيتغافَل عن ذلك حفظاً للمودة بين الزوجين، قد يخطئ طفلٌ ما خطأً بسيطاً فتتجاهله، وتترُك توجيهه إلى وقتٍ لاحق.
التغافُل أيُّها الكِرام ليس غفلةً، بل هو اختيارٌ واعٍ لترك بعض ما لا يستحق الوقوف عنده، حفاظاً على القلوب والعلاقات، كان الشافعي رحمه الله يقول: "الفَطِن ليس مَن يجهَل الأخطاء، وإنما يعرف متى يتجاوز عنها ومتى يُعالجها".
أيُّها الإخوة الكرام: التغافُل والتغافُر فضيلتان، فإذا رأيت زلةً من أخيك، أو وقف موقفاً لا يُرضيك، فإن استطعت أن تتغافَل فافعل ولا تُحرجه، ولا تُحمِّر وجهه، ثم إن كنت أعظم منزلةً عند الله فاغفر، التغافُل والتغافُر.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
لا إله إلا أنت سُبحانك إنّا كُنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)
(سورة الأعراف)

اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطِكَ والنار يا عزيز ويا غفَّار.
اللهم يا أرحم الراحمين كُن لأهلنا المُستضعفين في غزَّة، كُن لأهلنا في فلسطين والسودان، كُن لأهلنا المُستضعفين في كل مكان عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم ابسُط أمنك وأمانك على بلادنا، واجعل هذا البلد أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
ووفِّق القائمين على بلادنا للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، رُدَّ عن بلادنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.