ليسَ كما تعتقد..! (1)

  • خطبة جمعة
  • 2026-06-12
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

ليسَ كما تعتقد..! (1)

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: يُروى أنَّ رجُلاً كان يسير في طريقٍ ضيِّقة، وسطَ غابةٍ مُظلمة، رأى شيئاً مُلتَّفاً حول نفسه، يُشبه الأفعى إلى حدٍّ كبير، غلبَ على ظنِّه أنها أفعى، فشعَرَ بخوفٍ شديد، وتراجع ولم يُتابِع طريقه، والدنيا ظلامٌ، وعند إشراقة الصباح، تبيَّن له أنَّ ما رآه لم يكن أفعى، إنما هو حبلٌ غليظٌ مُلتَّفٌ حول نفسه، فشعَرَ بالأمان وتابَع طريقه، ما الذي حصل؟ الذي حصل أنه تغيَّر اعتقاده فتغيَّر شعوره فتغيَّر سُلوكه، تغيَّر اعتقاده فتغيَّر شعوره من الخوف إلى الأمن، وتغيَّر سُلوكه من الإحجامِ عن المسير إلى مُتابعة المسير.

الاعتقادات أو التصورات هي ما يُحرِّك مشاعرنا وما يوجِّه سلوكنا:
أيُّها الكرام: الاعتقادات أو التصورات هي ما يُحرِّك مشاعرنا وما يوجِّه سلوكنا، نحن نعتقِد ونتصوَّر فنشعُر ونتحرَّك، فالأصل هو الاعتقاد والتصوُّر، فإذا صحَّ التصوَّر صحَّ العمل، وإذا فسد التصوُّر فسد العمل.

علاقتنا مع أنفسنا ومع مَن حولنا يحكمها قانونٌ من ثلاث كلماتٍ:
أيُّها الكرام: نحن علاقتنا مع أنفسنا ومع مَن حولنا يحكمها قانونٌ من ثلاث كلماتٍ:
إدراكٌ، انفعالٌ، سُلوك، يُعبَّر عنه بطريقةٍ ثانية: عِلمٌ، حالٌ، عمل.
تُدرِك الشيء فتنفعِل فتتحرك، هذه علاقتنا مع العالَم الخارجي، تسير في طريقٍ، ترى شيئاً مُخيفاً، تُدرِك أنه أفعى سامَّة، تنفعِل، فتخاف، فتتحرَّك، فتهرب، ترى شيئاً يتألَّق، تتحقَّق فإذا هو ألماسةٌ ثمينة، تشعُر بالفرَح فقد وجدتَّ شيئاً ثميناً، تنزِل وتلتقطه، إدراكٌ، انفعالٌ، سلوك، أو عِلمٌ، حالٌ، عمل، كلاهما بالنتيجة واحد، من هُنا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لخَّص التوبة، وهي من أعظم علاقات العبد مع ربِّه، بل هي من أعظم العلاقات المُستمرة المُتكررة بين المؤمن وربِّه، لخَّص التوبة فقال:

{ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ، قَالَ: دخلتُ مع أبي وأنا إلى جنبِهِ عند عبدِ اللهِ فقال لهُ أبي: أسمعتَ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟ فقال: نعم سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: الندمُ توبةٌ }

(أخرجه الحاكم وابن ماجه وأحمد)

الندَم انفعالٌ فكيف الندَم توبة؟! الندَم هو الانفعال، فلا بُدَّ أنه قد سبق الانفعال إدراك، عَلِمَ أنه مذنبٌ، وعَلِمَ مقام الله تعالى الذي لا ينبغي أن نُذنِب بحقِّه، أدرك فانفعل وهو الندَم، فأصلَح، استغفر وتابَ وأدّى الحقوق إلى أصحابها، فلخَّص صلى الله عليه وسلم الحركة كلها بكلمةٍ، وهذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسرار الحديث النبوي الشريف، قال: (الندمُ توبةٌ) انتهى الأمر، ما دُمت قد ندمت فمعناها أنك قد علِمت، وما دُمت قد ندمت، فمعنى ذلك أنك ستتحرَّك بعد الندَم لتُصلِح ما كان منك، فأصبحت التوبة إدراكاً بأنك مُذنبٌ، وندَماً على ما كان منك، وإقلاعاً عن الذنب بالحال، وردَّاً للحقوق إلى أصحابها إن وجدت، عِلمٌ حالٌ عمل.

الفكرة تقود الشعور والشعور يقود السلوك:
أيُّها الإخوة الكرام: لذلك قالوا: الفكرة تقود الشعور والشعور يقود السلوك، يقول تعالى في الحديث القدسي:

{ يقولُ اللهُ تَعالى: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَئٍ ذَكَرتُه في مَلَئٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً }

(أخرجه مسلم)

إن ظننت أنه غفورٌ، اعتقدت ذلك أنَّ الله غفور، فمعنى ذلك أنك قد عَلِمتَ أنك مُذنبٌ، ففرحت بمغفرته، واتَّجهت إليه بالاستغفار والتوبة، فغفر لك (أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي) هذا الظن مبنيٌ على معرفةٍ بالله تعالى، تقود إلى سلوكٍ، وهذا السلوك هو التوبة إلى الله، فيغفر الله لك ما كان منك.
إن تيقَّنت أنه جلَّ جلاله الرزَّاق، ولا رازق في الكون سواه، وعَلِمتَ أنك الفقير إليه، فاتَّجهت إلى العمل، وإلى حُسن التوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب، فرزقك الله جلَّ جلاله (أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي).
إذا ظننت أنه الرزَّاق، ستتحرَّك للعمل مع التوكُّل، فيرزقك الله تعالى، أمّا الشخص الذي لا يعتقِد يقيناً أنَّ الله هو الرزَّاق، يغُش في المُعاملات، ما مشكلة مَن يغشّون الناس؟ ضَعفٌ في التصوُّر، يظن أنه يرزُق نفسه، فإذا غشَّ المسلمين حقَّق أرباحاً أعلى، يظن أنه هو الرزَّاق لنفسه، أمّا لو تيقَّن أنَّ الرزق من الله وحده، يُعرِض عن الغش والاحتكار، ويُعرِض عن الكذِب، ويتوكَّل على الله، ويأتي بالأسباب، فيرزقه الله تعالى، إذاً المُشكلة في التصوُّر، التصوّرات هي التي تُحرِّكنا.
أيُّها الإخوة الكرام: إن ظننت أنَّ الله تعالى هو القوي ولا قوي سواه، وأنت الضعيف ولا قوة لكَ إلا به، فأين تتجه؟ تتجه إليه وحده، فيُقوي برضاه جلَّ جلاله ضعفك (أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي).

أمثلة كيف يربط القرآن الكريم بين التصوُّر والسلوك:
أيُّها الإخوة الكرام: كثيراً ما يربط القرآن الكريم بين التصوُّر أو العقيدة والسلوك، انظُر إلى قوله تعالى:

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)
(سورة الماعون)

هذا تصوُّرٌ، عقيدةٌ، مُنطلَقٌ، يُكذِّب بالدين، لا يؤمن بدين الله تعالى، لا يؤمن بيوم القيامة، قال:

فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)
(سورة الماعون)

هو نفسه، لمّا كذَّب بالدين ما الذي فعله؟ انظُر إلى هذه الصورة المهينة لهذا الإنسان، جاء إلى اليتيم الذي يتودَّد الناس إليه، ويُحبونه ويعطفون عليه، فإذا به يدعُّه، ينهره، يزجُره، لا يُعطيه، لا يكتفي بأنه لا يُعطيه بل يزجُره ويُبعده (فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) تكذيبه بالدين جعله يدعُّ اليتيم، بل إنَّ كل الآيات التي افتُتِحَت في القرآن، وعددها فوق الثمانين، بقوله تعالى: يا أيُّها الذين آمنوا، ثم جاء الأمر بعدها، تربط العقيدة بالسلوك:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153)
(سورة البقرة)

إن كنت مؤمناً حقَّاً، استعِن بالصبر والصلاة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
(سورة البقرة)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ(254)
(سورة البقرة)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264)
(سورة البقرة)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278)
(سورة البقرة)

كل الآيات التي تبدأ بـ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تربط التصوُّر بالسلوك، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هي العقيدة، افعل ولا تفعل هو السلوك

كثيرٌ من سلوكات المُسلمين المغلوطة هي نتيجةٌ للمُعتقدات الفاسدة التي يعتقدونها:
أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ كثيراً من سلوكات المُسلمين المغلوطة اليوم، إنما هي نتيجةٌ طبيعيةٌ للمُعتقدات الفاسدة التي يعتقدونها، والمُشكلة الكُبرى أنَّ تغيير المُعتقَد أصعب من تغيير السلوك، ولا يستطيعه إلا مَن تجرَّد للحق، وترك وراءه مصالحه وشهواته، سأضرِب أمثلةً:

عقيدة الجبر:
عقيدة الجبر، مَن يعتقِد أنَّ الله تعالى أجبر عباده على المعصية والطاعة، تقول له: لماذا لا تُصلّي؟ يقول لك: الله لم يهدنِ بعد، هذا قدَرُ الله، يتحجَّج بالقدَر، بدلاً من أن يؤمِن به، يتحجَّج به على تقصيره، لماذا تفعل المُنكرات؟ يقول لك: يا أخي الله مُقدِّرٌ عليَّ ذلك، عقيدة الجبر دفعت كثيرين من المُسلمين إلى الإقامة على المعاصي والآثام:

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)
(سورة الأنعام)

عقيدةٌ فاسدة، أعطَت مئات بل آلاف السلوكات الفاسدة، الفهم المغلوط لعقيدة الولاء والبراء، الولاء والبراء من عقيدة المُسلم، أنه يوالي المؤمنين ويتبرَّأ من أعداء الله تعالى، لكن لمّا فهمها البعض فهماً مغلوطاً، أدَّت إلى استباحة الدماء، ظنَّ أنه يتبرَّأ من الكافرين يستبيحوا دماءهم، والأمر ليس كذلك، فالعقيدة الفاسدة أدَّت إلى سلوكاتٍ فاسدة.

عدم التيقُّن من أنَّ الله عزَّ وجل وحده مَن يعلَم الغيب:
عدم التيقُّن من أنَّ الله عزَّ وجل وحده مَن يعلَم الغيب، جعل بعض الناس يقرؤون الأبراج، يبحث عن مستقبله في الجريدة، أو على مواقع التواصل، أو في برنامجٍ على بعض الفضائيات التافهة، يبحث عن مستقبله، بدلاً من أن يبني مستقبله على العمل وتوفيق الله عزَّ وجل، يقول لك: قرأت بُرجي، لأنه لا يؤمِن بأنَّه لا يعلَم الغيب إلا الله، عنده تصوُّرٌ مغلوطٌ عن الموضوع.

عدم فهم التوحيد على الشكل الصحيح الذي يريده الله:
عدم فهم التوحيد على الشكل الصحيح الذي يريده الله، دفع بعض الناس إلى تأليه الأشخاص، والاعتقاد بعصمتهم وبقدرتهم على التصرُّف بالكون، يقول لك: فُلانٌ من الأولياء يتصرَّف بالكون، والعياذ بالله، يُعطي التصرُّف بالكون لعالِمٍ من العلماء، أو لوَليٍّ قد مات منذ ألف عام، يقول لك: الله منحه التصرُّف في الكون، لأنه لم يفهَم التوحيد بالشكل الصحيح، لم يقرأ تماماً قوله تعالى:

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)
(سورة الأعراف)


الفهم غير المُتكامل لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
لم يقرأ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل قرأه وما وعاه:

{ يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ }

(أخرجه الترمذي وأحمد)

الفهم غير المُتكامل لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، جعل بعض المسلمين اليوم، يفعل الكبائر ويُصرّ على الصغائر، ويقول لك: النبي صلى الله عليه وسلم سيشفَع لي، فَهمٌ ساذَجٌ غيرُ متكاملٍ لشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي حقٌّ نؤمن به، ولكنه فهمها فهماً مغلوطاً، فجعل يرتكب الكبائر ويقول لك: النبي صلى الله عليه وسلم يشفَع لي، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة سيرى رجالاً يُزادون عن الحوض:

{ أنا فرَطُكُم على الحَوضِ، فمَن ورَدَه شَرِبَ منه، ومَن شَرِبَ منه لم يَظمَأْ بَعدَه أبَدًا، لَيَرِدُ عليَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويَعرِفوني، ثُمَّ يُحالُ بَيني وبينَهم. قال أبو حازِمٍ: فسَمِعَني النُّعمانُ بنُ أبي عَيَّاشٍ وأنا أُحَدِّثُهم هذا، فقال: هَكَذا سَمِعتَ سَهلًا؟ فقُلتُ: نَعَم، قال: وأنا أشهَدُ على أبي سَعيدٍ الخُدريِّ لَسَمِعتُه يَزيدُ فيه، قال: إنَّهم مِنِّي، فيُقالُ: إنَّك لا تَدري ما بَدَّلوا بَعدَك، فأقولُ: سُحقًا سُحقًا لمَن بَدَّلَ بَعدي }

(أخرجه مسلم)

لم يفهَم الشفاعة بمفهومها المُتكامل، فوقع في المعاصي والآثام، عدم الفهم الصحيح لمعنى الكرامة، والفرق بينها وبين المُعجزة، والمعنى القرآني لأولياء الله:

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)
(سورة يونس)

لمّا لم يفهَم الفهم القرآني الصحيح لهذه المسألة، دفع البعض إلى تصديق الخُزعبلات، وتصديق الشطحات، والأكاذيب، وتقديس الأشخاص، وكله باسم الدين.

القرآن الكريم يُصحِّح التصوُّرات لتصِحَّ بعدها المشاعر والسلوكات:
القرآن الكريم أيُّها الكرام يُصحِّح التصوُّرات، لتصِحَّ بعدها المشاعر والسلوكات، يُصحِّح تصوُّرك عن الكون، النبي صلى الله عليه وسلم، لمّا كُسِفَت الشمس في يوم وفاة ابنه صلى الله عليه وسلم، وكانوا يظنون أنها قد تُكسَف لموت أحدٍ أو لحياته، انتصر للتوحيد، وهو في أصعب لحظات حياته يفقِد ابنه، فقام وقال للناس:

{ إنَّ الشمسَ و القمرَ لا يَنكَسِفان لموتِ أحدٍ و لا لحياتِه، و لكنهما آيتانِ من آيات اللهِ، يخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، فإذا رأيتُم ذلك، فصلُّوا و ادعُوا حتى ينكشِفَ ما بكم }

(أخرجه البخاري والنسائي وأحمد والبزار)

صحَّح المفاهيم، التصوُّر الخطأ يُنتِج سلوكاتٍ خاطئة، لا بُدَّ من تصحيح التصوُّرات.

بعض الأمثلة من القرآن الكريم في تصحيح التصوُّر المغلوط:
إذا قرأت في القرآن الكريم آيةً، تُفتَتح بقوله تعالى: "أم حسبتم"، "أم حسِبَ الناسُ"، "أيحسبون"، "فلا تحسبنَّ" مثل هذه الآيات، فاعلم أنَّ هناك تصوُّراً مغلوطاً يريد القرآن الكريم أن يُصحّحِه لك، وإليكم بعض الأمثلة:
في حادثة الإفك: عندما تكلم الناس في عِرض أُمِنّا عائشة رضي الله عنها، الطاهرة المُبرَّأة من فوق سبع سماواتٍ، يصف المولى جلَّ جلاله حالة صِنفٍ من الناس، لم يصنعوا الخبر، هُم ما افتروا كذباً، ليسوا مَن صنع الخبر، الخبر أداره بعض المُنافقين وعلى رأسهم عبدالله بن أُبيّ، هُم لم يصنعوا الخبر، ولكنهم أداروه ونشروه من غير تثبُّتٍ، يصِف الله تعالى حالهم يقول:

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15)
(سورة النور)

تتناقلونه بألسنتكم، (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) يقول لك: منقول، هكذا وصلني أنا لا دخل لي، العُهدة على الناقل، منقول، يرسل لألف شخصٍ بكبسة زرٍّ، خبراً عن شخصٍ مُعيَّنٍ بأنه فعل كذا، من غير تثبُّت، وهو لم يفعل كذا، ويقول في نهايته: منقول، بريء الذمة، لا لست بريء الذمة.
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) هذه هي العقيدة، هذا التصوُّر، أنا ما فعلت شيئاً (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) التصحيح: (وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) صَحِّح التصوُّر، عند الله عظيمٌ جداً أن تُدير خبراً تَمسُّ به أعراض الناس، تغتال شخصياتهم، ليس هيّناً أبداً (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
مثالٌ آخر: عندما يُعرِض الإنسان عن الله، ويغرَق في المعاصي والآثام، ثم يجد أموره على ما يُرام، بيتٌ واسع، دنيا عريضة، دخلٌ كبير، يظن هو أو رُبما يظن مَن حوله، أنه على خيرٍ عظيم، ورُبما امتدحوه، بعض الناس رُبما يمتدحون هذا الشخص الفاسِق المُنحِرف، يمتدحونه على جمال بيته، وأناقته وثيابه، واستقباله لضيوفه في قصره، يمتدحونه، أين المشكلة؟ قال تعالى:

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(178)
(سورة آل عمران)

أُركِّز على الآيات التي فيها "لا تحسبنَّ"، "أحسِبَ الناسُ" (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ) هذه عقيدةٌ مغلوطة، عقيدةٌ مغلوطة أن تظنَّ أنَّ الفاسِق إذا فُتِحَت له الدنيا فهو خيرٌ له، التصحيح: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ).

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ(56)
(سورة المؤمنون)

عقيدةٌ مغلوطة.
إن رأى بعضُ ضِعاف الإيمان الظالم يزدادُ ظلماً، يعمل فيما يبدو ما يشاء، ولا أحد يوقفه عند حدِّه، لرُبما توهَّم وإن لم يقلها بلسانه، أنَّ الله قد غفِلَ عنه، حاشاه أن يغفَل جلَّ جلاله، ولرُبما قال بلسانه، وقد سمِعنا ذلك مراراً، لرُبما قال بلسانه: أين الله مما يفعل هذا الظالم الآثِم؟

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)
(سورة إبراهيم)


صحِّح المفهوم يتضِّح عندك كل شيءٍ:
تصوُّرٌ مغلوط، التصحيح: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) الحساب قادمٌ، وإن لم يحصُل في الدنيا سيحصُل في الآخرة، صحِّح المفهوم يتضِّح عندك كل شيءٍ، عندما يشتدّ البلاء على المؤمِن فيستغرب، ويقول لك البعض: ماذا فعلت لربّي؟ هكذا يقول البعض، أقول ما نسمعه، يتصل بي بعض الناس يقول: أنا ماذا فعلت؟ أُقيم الصلاة، وأمتنِع عن الحرام، وأفعل الطاعات، ماذا فعلت؟ لماذا يُعاقبني الله؟ يفهمها عقوبةٌ من الله عزَّ وجل.

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)
(سورة العنكبوت)

تصوُّرٌ مغلوط، أن تظن أنَّ الدنيا ليس فيها امتحان، أن تدخُل إلى الجامعة وتخرُج وتتخرَّج دون أن تخضَع لامتحانٍ، تصوُّرٌ مغلوط، التصحيح:

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)
(سورة العنكبوت)

الفتنة التي هي الاختبار لا بُدَّ منها، فلا تظن إذا ابتلاك الله عزَّ وجل تقول ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً يا أخي، وكلنا نفعل من الصغائر ومن التقصير في حقِّ العبودية الكثير، ولكن أقول لك تماشياً مع قولك: أنت لم تفعل شيئاً، ولكن الله عزَّ وجل يبتليك، وما الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاشاه أن يعصي ربّه وهو المعصوم، حتى ابتلاه الله عزَّ وجل بكل هذه الابتلاءات؟ التصوُّر المغلوط أنتجَ كلاماً غيرُ صحيح، قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) التصحيح: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).
مرةً ثانية أيُّها الكرام: أفكارنا تُحرِّك مشاعرنا وتوجِّه سلوكنا، لذا:

{ طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ }

(أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط وتمام في الفوائد والبيهقي في شعب الإيمان)


يُصحَّح السلوك بناءً على المُعتقَد:
ومن هُنا قال تعالى:

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)
(سورة محمد)

ولم يقُل: قُل لا إله إلا الله، لأنَّ العِلم بالتوحيد يُصحِّح السلوك، لا بُدَّ أن تعلم أنه لا معبود بحقٍّ في الكون إلا الله، لا رازِق، ولا مُعطي، ولا مانع، ولا خافِض، ولا رافع، ولا يعز، ولا يُذل إلا الله، فيُصحَّح السلوك بناءً على المُعتقَد (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) يجب أن نُراقب أفكارنا، وأن نُراجع ما اعتدنا عليه، وما رسخ في أذهاننا على أنه عقيدةٌ ثابتة، القطعيات مُنتهية، وجود الله، وحدانيته، كماله، الإيمان باليوم الآخر، هذه من حيث القطعيات منتهية لا يناقِش بها أحد، ولكن أحياناً الإنسان يعتاد على شيءٍ، وهذا الشيء يوجّه سلوكه خطأً وهو لا يعلَم، ماذا كانت مشكلة المُشركين؟

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(22)
(سورة الزخرف)

(وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ) مشكلتهم بالتصوُّر، بأنه ما اعتدنا عليه، هذا السلوك وهذه العقيدة، ومشوا عليها، يجب أن نتحقَّق من مصادرنا دائماً، وفي صحيح مسلم عن محمد بن سيرين:

{ إنَّ هذا العِلمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذون دينَكم }

(أخرجه مسلم والدارمي)

وللحديث تتِمَّة...
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطك والنار يا عزيز ويا غفَّار.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا المُستضعفين في فلسطين وفي غزَّة وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك، نسألك لهم فرجاً عاجلاً.
نسألك يا الله أن تُطعِم جائعهم، وأن تكسو عريانهم، وأن ترحم مُصابهم، وأن تؤوي غريبهم، وأن تجعل لنا في كل ذلك عملاً مُتقبَّلاً صالحاً، وأن تغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
نسألك لبلادنا أمناً وأماناً، ولجميع ديار المسلمين يا أرحم الراحمين.
نسألك أن تبسط عليها رحمتك ورضوانك، وأن توفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، وأن ترُدَّ عنها كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.