ليسَ كما تعتقد..! (2)

  • خطبة جمعة
  • 2026-06-19
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

ليسَ كما تعتقد..! (2)

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
أيُّها الإخوة الكرام: في موقفٍ أُخرَويٍ، تنقطع فيه الأنفاس، وتبلُغ القلوب الحناجر، ويشيب لهوله الولدان، يُحشَر إلى النار من استحقَّ دخولها، فإذا وصلوا إليها، إذ بآذانهم وأعينهم وجلودهم، تنطِق شاهدةً عليهم بما عملوا، فالأُذنُ تُحدِّث بما سمعوا، والعين تنطِق بما رأوا، والجلود تشهد بما فعلوا، وأمام هذه الشهادةِ العظيمة والحُجَّةِ الدامغة، يقف هؤلاء مُستنكرين، مُتعجّبين، يقولون لجلودهم: لِمَ شهدتم علينا؟ فيأتيهم الجواب: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.
أمام هذا المَشهَد المَهيب، يخطُر في بالك وبالي أن نسأل، ما الذي أورَدهم هذا المورِد؟ وما الذي أوصلهم إلى جهنم؟ وما الذي جعلهم يستبيحون حُرمات الله في الدنيا؟ إنه تصوُّرٌ مغلوط، فِكرٌ مُنحرِف، عقيدةٌ باطلة، سمِّها ما شئت، أرأيتم إلى الفكرة ماذا تصنع؟ قُلنا في الخُطبة السابقة وشرحنا، الفكرة تولِّد الشعور والشعور يوجِّه السلوك، فالمُبتدأ من الفكرة، العقيدة الصحيحة تولِّد سلوكاً صحيحاً، والعقيدة الفاسدة تولِّد سلوكاً، بل تولِّد مئات السلوكات المُنحرِفة، كلُ انحرافٍ في العقيدة، لا بُدَّ أن ينعكس انحرافاً في السلوك، ما الذي أورَدهم هذا المورِد؟ ولماذا استحقّوا النار؟ ولماذا نطقَت جلودهم عليهم بما كانوا يعملون؟ لقد ظنّوا أنَّ الله لا يعلَم كثيراً مما يعملون، فشعروا بالاطمئنان لكنه اطمئنان الساذجين، فانقلب الشعور إلى سلوكٍ، وهو ارتكاب المعاصي واستباحة الحُرمات، ورُبما استباحة الأعراض والدماء.
اسمعوا الآن إلى الآيات:

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ(23)
(سورة فصلت)

هُنا العقيدة الفاسدة، هُنا الفكر المُنحرِف (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ)، (أَرْدَاكُمْ) أي أهلكَكُم.

الظن بالله أنه يعلَم ويقدِر سبباً في الاستقامة على منهجه:
أيُّها الإخوة الكرام أيُّها الأحباب: إذاً ما الذي أهلكهُم وأوصلهم إلى النار؟ اعتقادهم السيِّئ بالله تعالى، سوء ظنِّهم بالله هو من أورَدهم النار، ظنّوا أنَّ الله لا يعلَم، ظنّوا أنَّ الله لن يُحاسِب، ما دام لن يعلَم فلن يُحاسِب، والله تعالى يقول:

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)
(سورة الطلاق)

لماذا خلق الله سبع سماواتٍ وسبع أرضين؟ وجعل الأمر يتنزَّل بين السماء والأرض، كل ذلك لماذا؟ قال: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) فإذا ما نظرت في عظمة خلقه في السماوات والأرض، أيقنت أنه يعلَم وأنه يقدِر، هذا الظن بالله بأنه يعلَم ويقدِر، يكون سبباً في استقامتك على منهجه.
أمّا هؤلاء فقد ظنّوا أنَّ الله لا يعلَم، فما كان منهم إلا أن استباحوا المُحرَّمات، فاستحقّوا النار، وشهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون.
أيُّها الإخوة الأحباب: من هُنا فقد جاء في الحديث الشريف:

{ سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ يقولُ: لا يَموتَنَّ أحَدُكُم إلَّا وهو يُحسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وجَلَّ }

(أخرجه مسلم)


مَن ظنَّ أنه تعالى لن يُحاسِب عباده فقد أساء الظنَّ بربِّه:
لا يأتيك الموت إلا وأنت تُحسِن الظنَّ بالله تعالى، مَن ظنَّ أنه تعالى لن يُحاسِب عباده فقد أساء الظنَّ بربِّه، ومَن ظنَّ أنَّ الله لا يغفر لعباده ولا يرحمهم، فقد أساء الظنَّ بربِّه.
هُما طرفا نقيض، مَن ظنَّ أنَّ الله لا يُحاسِب فقد أساء الظنَّ، ومَن ظنَّ أنه لا يغفر ويرحم لمَن أقبل وتابَ إليه، ويتجاوز جلَّ جلاله ويرحم، فقد أساء الظنَّ بربِّه، وحال المؤمن مع ربِّه، أنه دائماً بين خوفٍ وطمَع، بين رَغَبٍ ورَهَب، هذا حال المؤمن الذي يُحسِن الظنَّ بالله، تارةً يغلِب عليه الخوف منه جلَّ جلاله، لما يرى من تقصيرٍ في جنابه، فيغلِب عليه الخوف، ثم يتذكَّر رحمة الله فيطمَع بما عند الله.

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)
(سورة الأنبياء)

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ(56)
(سورة الأعراف)

لا يأمَن عذاب الله ولكنه يرجو عفوه وغفرانه، حتى إذا ما دنا الأجل، غلب عليه الطمَع، وغلب عليه الرغبةُ بما عند الله تعالى.
لمّا احتضر معاذ بن جبل رضي الله عنه، جعل يقول: "اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلَم أني لم أكُن أُحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومُزاحمة العلماء بالرُكَب عند حِلق الذِكر".
"اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم - على فِراش الموت في اللحظات الأخيرة - وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلَم أني لم أكُن أُحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار - أي لحفرها - ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات - في ساعات الظهيرة، عند الصيام، عند الصلاة - ومزاحمة العلماء بالرُكَب عند حِلق الذِكر"، "اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك".
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، إذا أصبح أو إذا دخل دار الخلافة، أمسك بلحيته ثم قرأ:

أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ(206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)
(سورة الشعراء)

أرأيتم إلى عمر رضي الله عنه، كيف يُعزِّز الفكرة في داخله لتكرارها، يُعزِّز الفكرة، ما الذي ينفَع أن تُمضي سنواتٍ من عمرك مُمتَّعاً بالحياة كما تُحِب، ثم يأتيك مَلَك الموت وأنت غافلٌ عن الله؟ ما الذي يُغني عنك ما تمتَّعته في الدنيا؟ ماذا يفعل معك كل ذلك أمام الله تعالى؟ (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ(206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
فلمّا حَضَرته الوفاة عمر بن عبد العزيز، سَمِعَته فاطمة زوجه، سَمِعَته يقرأ قوله تعالى:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)
(سورة القصص)

مَن عاش على فكرة: (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ(206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) فإنه يموت على: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

الإنسان أحياناً يغتر بعفو الله وبرحمته:
أيُّها الإخوة الكرام: الإنسان أحياناً يغتر بعفو الله، يغتر برحمته، والله تعالى يُعاتبه يقول:

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)
(سورة الانفطار)

أرأيت إلى طالبٍ ظنَّ سوءاً لخبرٍ أخبره طالبٌ آخر، طالبٌ من الطلاب مُهملٌ، لا يعبأ بدروسه، قال له: هذا الأستاذ في الجامعة لا تدرُس مادته، قال له: لماذا؟ قال له اذهب إليه قبل يومٍ من امتحان المادة، وخُذ له هديةً قيَّمة ويُعطيك الأسئلة، اغترَّ الطالب، ترك الدراسة، أهمل المُذاكرة، وقبل الامتحان بيومٍ، عَمِلَ بنصيحة هذا الصديق السيِّئ، فحملَ هديةً ثمينة، وطرق باب المُدرِّس وقال له: أحببت أن أُهديك هذه الهدية قبل الامتحان بساعاتٍ، يُشير إليه أن هات الأسئلة، إلا أنَّ المُدرِّس كان شريفاً، وكان أميناً على ما اؤتمِنَ عليه، فزجره ونهره، ورمى الهدية في وجهه وأغلق الباب، وقف الطالب مُطرِقاً، انتهى الوقت، لا مجال للدراسة، رسبَ في العام، ذهبت العلامات، اغترَّ بالأستاذ ثم عَلِم خلاف ما اغترَّ به، ولله تعالى المَثل الأعلى.
عندما يُمضي الإنسان حياته في المعاصي والآثام، وهو يقول لك: الله تعالى يغفِر ويرحم، كلمة حقٍّ لكنه عوَّل عليها بالباطل، فأطلَق لنفسه العنان، فلا هو صلّى ولا هو صام، ولا هو أدّى حقوق العباد، ولا هو استقام على منهج الله، ثم تفاجأ عند الموت بأنَّ الوقت قد انتهى، وبأنَّ الله سيُحاسِبه ويُعاقبه.
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) الله كريمٌ وعفوّ، لكن إيّاك أن يغرَّك كرمه وعفوه.

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)
(سورة الحجر)

نبِّئهُم عن هذه وعن هذه معاً، حتى لا يغترّوا.

يجب أن نربِط دائماً بين العقيدة والسلوك وبين الفكرة والعمل:
أيُّها الإخوة الكرام: نعود إلى ما بدأنا به، يجب أن نربِط دائماً بين العقيدة والسلوك، بين الفكرة والعمل، خمسون آيةً في كتاب الله تعالى، "الذين آمنوا" العقيدة، "وعملوا الصالحات" العمل، لا ينفصل الإيمان عن العمل، انظروا إلى حديث المُصطفى صلى الله عليه وسلم، يقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه:

{ كُنَّا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيلةً - يَعني البَدرَ- فقال: إنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كما تَرَونَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤيَتِه - لا تُضامُّونَ أو لا تُضامون رِوايتان صحيحتان - فإنِ استَطَعتُم أن لا تُغلَبوا على صَلاةٍ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُروبِها فافعَلوا، ثُمَّ قَرَأ: {وسَبِّح بحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ الغُروبِ} [ق: 39] قال إسماعيلُ: افعَلوا لا تَفوتَنَّكُم }

(أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه)

(لا تُضامُّونَ في رُؤيَتِه) هذه عقيدة، نعتقد أننا سنرى ربَّنا، هذه عقيدة أهل السُنَّة والجماعة.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ(22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)
(سورة القيامة)

هذه عقيدة، هل اكتفى صلى الله عليه وسلم بإعطائهم هذه الفكرة؟ تابعوا الحديث: (إنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كما تَرَونَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤيَتِه، فإنِ استَطَعتُم أن لا تُغلَبوا على صَلاةٍ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُروبِها فافعَلوا)، ثُمَّ قَرَأ:

فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39)
(سورة ق)

إيّاك أن تنام أو تنشغل عن فريضتين يغفَل عنهما كثيرٌ من الناس، الفجر والعصر، أعطاهم العقيدة: (سَتَرَونَ رَبَّكُم) لكن هذه العقيدة تحتاج إلى سلوكٍ، تحتاج إلى حسن صلةٍ بالله، حتى تستحق أن تنظُر إلى وجهه الكريم.
حديثٌ آخر: يقول صلى الله عليه وسلم

{ يدخلُ مِن أمَّتي الجنَّةَ سبعونَ ألفًا بغيرِ حسابٍ همُ الَّذينَ لاَ يسترقونَ ولاَ يكتَوونَ، ولا يَتطيَّرونَ وعلى ربِّهم يتوَكَّلونَ }

(ابن تيمية مجموع الفتاوى)

هذه عقيدة، غيب، فكرة، فكرةٌ من الغيب، إذاً هي عقيدة، نحن نؤمن أنه سيدخُل من أُمة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، سبعون ألفاً بغير حساب، نرجو الله أن نكون منهم، لكن ما هو السلوك؟ قال: (هُم الذينَ لا يسترقونَ) أي لا يطلبون هذه الرُقى غير الشرعية، التي ما أنزل الله بها من سلطان، فيها خُزعبلاتٌ، فيها طلاسمٌ، فيها كلامٌ غير مفهومٍ (لا يسترقونَ) قال: (ولاَ يكتَوونَ) كان أهل الجاهلية يعتقدون بأنَّ الكيَّ بالنار يشفي، وجاء الإسلام ونهى عنه، (ولا يتطيَّرونَ) أي لا يتشاءمون، وهذه كلها تُنافي التوكل على الله، قال: (وعلى ربِّهم يتوكلونَ) فمَن ترك الأمور التي تُنافي التوكل على الله، من خُزعبلاتٍ، ومن كلامٍ، ومن تشاؤمٍ، ثم توكل على ربِّه، هو مَن يستحق أن يدخُل الجنَّة بغير حساب.
إذاً هناك عملٌ، هناك عقيدةٌ وهناك عمل، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤذِ جارَه، ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ ضَيفَه، ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

الإيمان يحتاج إلى عملٍ (ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ).
يقول صلى الله عليه وسلم:

{ أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا وخيارُكم خيارُكم لأهلِه }

(أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد)

مَن؟ هل هو أشدُّهم تمسُّكاً بالفكرة؟ هل هو أكثرهم دراسةً لكتُب العقيدة؟ (أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا) عقيدةٌ وسلوك.

{ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ، قالوا: وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: جارٌ لا يؤمنُ جارُهُ بوائقَهُ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وما بوائقُهُ؟ قال شرُّهُ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

(بوائقَهُ) أي شروره، إذاً عنده إشكالٌ في الإيمان، في العقيدة، لأنَّ عقيدته لم تنعكس سلوكاً في الإحسان إلى جيرانه.

لا بُدَّ دائماً من الاهتمام بتصحيح التصورات والأفكار:
أيُّها الكرام: حدَّثتكم في الخُطبة السابقة، أنك إذا قرأت في القرآن: "أم حَسِب"، "أم حسبتم"، "أيحسبون"، "فلا تحسبنَّ"، فاعلم أنَّ القرآن يريد أن يُصحِّح لك مفهوماً مغلوطاً، وضربتُ على ذلك أمثلةً، وأضرِبُ اليوم أيضاً أمثلة:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4)
(سورة العنكبوت)

هل يعتقد مَن يعمل السيِّئات التي لا ترضي الله، هل يعتقد أنه سيفوته عقاب الله؟ ما هذا الحُكم السيِّئ؟ (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ(29)
(سورة محمد)

أتحسب أيُّها المُنافِق، يا مَن امتلأ قلبك بالحقد والحسد والغرور، أتحسب أن تقضي دون أن يخرُج ما في قلبك فيظهَر على جوارحك، سيُخرِجه الله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) حكمة الله تقتضي أن يُخرِج أضغانه، وأن يكشفه، وأن يُبيِّن جرمه، وأن يُبيِّن ضغينته وحقده، فما يستقر في القلب لا بُدَّ أن يظهَر على الجوارح.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)
(سورة الجاثية)


من سوء الظنّ أن تعتقد أنَّ الله يُعامِل المُسلم كالمُجرِم أو يُعامِل المُحسِن كالمُسيء:
من سوء الظنّ أن تعتقد أنَّ الله يُعامِل المُسلم كالمُجرِم، أو يُعامِل المُحسِن كالمُسيء.

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)
(سورة القلم)

يُريد أن يفعل ما يحلو له، ثم يظن أن الله سيُعامله كما يُعامِل المُحسِن، مستحيل، للمُحسِن مُعاملة وللمُسيء مُعاملة، لا يعني أنَّ المُحسِن لا يُبتلى، لا يعني أنَّ المُحسِن لا يُصيبه في الدنيا من بلاء الدنيا ما يُصيبه، وقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه مُحسِنٌ له عند الله مُعاملة، له عند الله سكينةٌ يُلقيها في قلبه، له عند الله جنَّةٌ يُطمئنه بها في الدنيا، ثم تتنزَّل الملائكة عليه عند الموت، ثم يراها بأُمِّ عينه بعد وفاته.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)
(سورة المؤمنون)

أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى(36)
(سورة القيامة)

أتظن أيُّها الإنسان أنك مخلوقٌ عبث؟ تقول لي: معاذ الله، أقول لك: أرِني سلوكك؟ مَن يجترئ على الحُرمات ولا يتوب، مَن يتمادى في المعاصي ولا يرجِع، هو يظنّ أنه قد خُلِقَ عبثاً، وأنه لن يرجِع إلى الله، أمّا لو تيقَّن من هذه العقيدة، فإنه سيعُد للمليون قبل أن يظلم إنساناً، يستحيل أن يظلم إنساناً وهو يعلَم يقيناً أنه سيرجِع إلى الله (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) يُصحِّح الله هذه العقيدة يقول:

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ(116)
(سورة المؤمنون)

أن يخلق الناس عبثاً (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

لا بُدَّ دائماً من الاهتمام بتصحيح التصورات والأفكار:
أيُّها الإخوة الكرام: هذه الخُطبة والتي سبقتها، تهتفان معاً إلى الاهتمام بتصحيح التصورات والأفكار، والمُراجعة دائماً لما نحمله من أفكارٍ، رُبما تؤدّي إلى سلوكاتٍ لا يرتضيها الله تعالى ولا رسوله، حتى نُصحِّحها فيصحّ الشعور، ويوجَّه السلوك بالشكل الأمثَل، وحتى نقرأ القرآن دائماً، ونحن نتلمَّس فيه المواضِع التي يُصحِّح الله فيه تصوُّرنا عن الكون، وعن الإنسان، وعن الحياة.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

بيان بعض النقاط في الأمور التي شهدها بلدنا في الأيام الأخيرة:
أيُّها الإخوة الكرام: شهد بلدنا في الأسبوع الماضي، حِراكاً مَطلبياً في بعض المُدن والأحياء، مَطالبه تحقيق العدالة، ومُحاسبة المُتورطين والمُجرمين، ولا بُدَّ من بيان الآتي:
أولاً: العدالة حقٌّ مشروعٌ لا يسقُط، ولا يملِك أحدٌ أن يُسقِطه إلا أولياء الدم، ومن واجب الدولة شرعاً وعُرفاً أن تُنصِف المظلومين، وأن تُحاسِب المُجرمين، وهذا لا خلافٌ فيه.
ثانياً: طريق العدالة يكون عبر القضاء، ولا يمكن أن يكون بثأرٍ أو انتقام، هذا كلامُ دينٍ أيُّها الكرام ندين الله به، لا نقوله إلا لأننا ندين الله تعالى به، لأنَّ الثأر والانتقام لن يُحقِّق العدالة، وإنما سيُحقِّق ردَّاتُ فعلٍ مُتفاوتةٍ ومُتباينة، توّدي إلى فتنةٍ وخراب، لا يجوز شرعاً ما يُسمّيه الفقهاء، الافتئات على القضاء، أي أن آخُذ حقّي بيدي، أو أن أتحوَّل أنا إلى قاضٍ أو مُنفِّذٍ للحُكم، عندها تكون الفوضى، وهذا الأمر معروفٌ لا يجهله عاقلٌ، وعندها نفتح باباً لفتنةٍ لا تُبقي ولا تذَر.
الأمر الثالث: تعلمون أنَّ آلاف المُجرمين، ستة آلاف مُجرمٍ تمَّ القبض عليهم، ويومياً يُقبَض على مُجرمين جدُد، سواءً من السجًّانين، أو من الضُبَّاط، أو من الجنود، أو من المُتعاونين، يومياً يُقبَض على أعدادٍ جديدة، ولا بُدَّ من وقتٍ للمُحاسبة، وهناك إجراءاتٌ قضائية.
أنا أتمنّى مثلكم، أن يُمسَك ولا يُسأل ولا أي سؤال.

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ(108)
(سورة المؤمنون)

لأنَّ سؤاله احترامٌ له، وأن يؤخَذ فوراً بالثأر، لكن هناك قوانين، وهناك من ينظُر إلينا ويُراقبنا، وهناك أشخاصٌ عندهم معلومات، فكل يومٍ تتكشَّف خيوطٌ جديدة للجريمة، فلنترك الأمر للقضاء ليأخُذ مجراه، ويُحاسِب ويُعاقب، حتى لا تقع إشكالاتٌ كبيرة، وحتى لا نهدِر الإنجازات التي حقَّقناها، نحن بحاجةٍ إلى العدل، لكن بحاجةٍ معه إلى الحكمة، وإلى وحدة الصف، والمُحافظة على وطننا وبلدنا، لأنه لا قدَّر الله، لو انجرَّت البلد إلى فتنةٍ، وهناك مَن يُريد ذلك، وهناك مَن يتربَّص، وهناك من ينتظر أيُّ حِراكٍ، ليكون فيه موجِّهاً وداعماً من أجل إحداث الفوضى، فعندها ستصيب الجميع.

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)
(سورة الأنفال)


الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم فارِج الهم كاشِف الغم مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمَن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك.
اللهم ارحمنا فأنك بنا راحم، ولا تُعذِّبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المسلمين فيما جرت به التقادير، ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير.
اللهم اجعل بلادنا أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، فرِّج عن المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، فرِّج عن إخواننا في غزَّة وفي فلسطين، فرِّج عن إخواننا في السودان.
اللهم إنّا نسألك أن تُطعِم جائعهم، وتكسو عُريانهم، وترحم مُصابهم، وتؤوي غريبهم، وأن تجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً وأن تغفر لنا تقصيرنا فأنت أعلم بحالنا.
اللهم وفِّق القائمين على بلادنا لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، ولإحقاق الحقّ وإبطال الباطل، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.