في محراب الحياة

  • خطبة جمعة
  • 2026-05-01
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

في محراب الحياة

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: <<جاء رجُلٌ ليشهَد إلى رجُلٍ آخر أمام أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، يشهَد له يُزكّيه، يشهَد له لا يشهَد عليه، فقال له عُمرُ رضي الله عنه: أتعرف الرجُل؟ فأجاب نعم، قال: هل أنت جاره الذي يعرِف مدخله ومخرجه؟ قال الرجُل: لا، قال عُمر: هل صاحبته في السَفَر الذي تُعرَف به مكارم الأخلاق؟ قال الرجُل: لا، قال عُمر: هل عاملته بالدرهم والدينار الذي يُعرَف به ورَع الرجُل؟ قال الرجُل: لا، قال عُمر: لعلَّك رأيته قائماً قاعداً يُصلّي في المسجد، يرفع رأسه ويخفضه، قال الرجُل: نعم، قال عُمر: اذهب فإنك لا تعرفه، ثم التفتَ إلى الرجُل الثاني وقال له: ائتنِ بمَن يعرفك>>.

الدين هو ما يشاهده الناس منك لا ما يكون في المسجد بينك وبين ربِّك:
فما دُمت لم ترَ سلوكه عند الحلال والحرام، لم تصحبه في السَفَر صُحبةً طويلة، لترى صِدقه، وعفافه، وغضَّ بصرهِ، وبُعدهُ عن الشُبهات، ولم تُعامله بالدرهم والدينار، لترى كيف يكون بيعه وشراءه، وكيف يتعامل مع الناس بالحلال والحرام، ولستَ جاراً له تعرف عنه أشياءً كثيرةً مما يعرِف الجار عن جاره، فإنك لا تعرفه.
يُريد عُمر رضي الله عنه أن يقول لنا: إنَّ الدين هو ما يشاهده الناس منك، لا ما يكون في المسجد بينك وبين ربِّك، ما يكون في المسجد بينك وبين الله تعالى فهذا عظيمٌ أي عظمة، لكن الناس لا يرون منك هذا، وإنما يلتفتون إلى أخلاقك خارج المسجد، إلى تعاملك، إلى بيعك وشرائك.
أيُّها الكرام:

{ لَمَّا بَلَغَ أبا ذَرٍّ مَبعَثُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال لأخيه: اركَبْ إلى هذا الوادي، فاعلَمْ لي عِلمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، يَأتيه الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ، واسمَعْ مِن قَولِه ثُمَّ ائتِنِ، فانطَلَقَ الأخُ حتَّى قدِمَه، وسَمِعَ مِن قَولِه، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبي ذَرٍّ فقال له: رَأيتُه يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ، وكَلامًا ما هو بالشِّعرِ، فقال: ما شَفَيتَني ممَّا أرَدتُ، فتَزَوَّدَ وحَمَلَ شَنَّةً له فيها ماءٌ حتَّى قدِمَ مَكَّةَ، فأتى المَسجِدَ فالتَمَسَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يَعرِفُه، وكَرِهَ أن يَسألَ عنه حتَّى أدرَكَه بَعضُ اللَّيلِ فاضطَجَعَ، فرَآهُ عَليٌّ فعَرَفَ أنَّه غَريبٌ، فلَمَّا رَآهُ تَبِعَه فلَم يَسألْ واحِدٌ منهما صاحِبَه عن شَيءٍ حتَّى أصبَحَ، ثُمَّ احتَمَلَ قِربَتَه وزادَه إلى المَسجِدِ، وظَلَّ ذلك اليومَ ولا يَراه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أمسى، فعادَ إلى مَضجَعِه، فمَرَّ به عَليٌّ فقال: أما نالَ للرَّجُلِ أن يَعلَمَ مَنزِلَه؟ فأقامَه فذَهَبَ به معهُ، لا يَسألُ واحِدٌ منهما صاحِبَه عن شَيءٍ، حتَّى إذا كان يَومُ الثَّالِثِ، فعادَ عَليٌّ على مِثلِ ذلك، فأقامَ معهُ ثُمَّ قال: ألا تُحَدِّثُني ما الذي أقدَمَكَ؟ قال: إن أعطَيتَني عَهدًا وميثاقًا لَتُرشِدَنِّي، فعَلتُ، ففَعَلَ فأخبَرَه، قال: فإنَّه حَقٌّ، وهو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا أصبَحتَ فاتبَعني، فإنِّي إن رَأيتُ شيئًا أخافُ عليك قُمتُ كَأنِّي أُريقُ الماءَ، فإن مَضَيتُ فاتبَعني حتَّى تَدخُلَ مَدخَلي، ففَعَلَ، فانطَلَقَ يَقفوه حتَّى دَخَلَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ودَخَلَ معهُ، فسَمِعَ مِن قَولِه وأسلَمَ مَكانَه، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ارجِعْ إلى قَومِكَ فأخبِرْهم حتَّى يَأتيَكَ أمري، قال: والذي نَفسي بيَدِه، لَأصرُخَنَّ بها بينَ ظَهرانَيهم، فخَرَجَ حتَّى أتى المَسجِدَ، فنادى بأعلى صَوتِه: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، ثُمَّ قامَ القَومُ فضَرَبوه حتَّى أضجَعوه، وأتى العَبَّاسُ فأكَبَّ عليه، قال: وَيلَكُم! ألَستُم تَعلَمونَ أنَّه مِن غِفارٍ، وأنَّ طَريقَ تِجارِكُم إلى الشَّأمِ؟ فأنقَذَه منهم، ثُمَّ عادَ مِنَ الغَدِ لمِثلِها، فضَرَبوه وثاروا إليه، فأكَبَّ العَبَّاسُ عليه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

(اركَبْ إلى هذا الوادي) أي إلى مكة (فاعلَمْ لي عِلمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، يَأتيه الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ، واسمَعْ مِن قَولِه ثُمَّ ائتِنِ، فانطَلَقَ الأخُ حتَّى قدِمَه، وسَمِعَ مِن قَولِه، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبي ذَرٍّ) الآن أخو سيدنا أبي ذَر في رحلةٍ استكشافيةٍ بتكليفٍ من أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، يُريد منه أن يأتيه بخبر هذا الرجُل، رجع إليه من هذه الرحلة فماذا قال؟ قال كلماتٍ معدودة: (فقال له: رَأيتُه يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ) أربعُ كلماتٍ، هذا ما شاهده، هذا ما عَلِم أنه يُفيد أبا ذرٍ في معرفته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعاً دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة التوحيد، وهو أعظم ما في الدين، ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم هي دعوة الصِلة بالله، وهي دعوة الإيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، لكن ما الذي رآه هو في المُحصِّلة؟ (فقال له: رَأيتُه يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ).

العبادات في الإسلام لا تنفصِل عن واقع الحياة:
أيُّها الإخوة الكرام: العبادات في الإسلام لا تنفصِل عن واقع الحياة، بل إنَّ هدفها الأسمى أن تُثمِر سلوكاً في واقع الحياة، ليست الصلاة مُجرَّد أقوالٍ وأفعالٍ تُفتَتح بالتكبير وتُختَتم بالتسليم، هذا هو التعريف الفقهي، الذي تصح به الصلاة وفق شروطها وسُنَنِها وواجباتها إلى آخره، لكنها في حقيقة المقصِد الشرعي الذي أراده الله منها، ليست مُجرَّد حركاتٍ تؤدّى، وليست أقوالاً وأفعالاً تُفتَتح بالتكبير وتُختَتم بالتسليم فحسب، لكنها في حقيقة الأمر يجب أن تنعكس أخلاقاً في واقع المُصلّي، قال تعالى:

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)
(سورة العنكبوت)

والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء في قوله، أو عن المُنكَر في أفعاله، فقد صلّى فِقهاً لكنه لم يُصلِّ مقصِداً، ما أقام الصلاة كما أرادَ الله تعالى، لأنَّ الله تعالى في القرآن لم يقُل صلّوا وإنما قال:

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)
(سورة البقرة)

والعرب كانت تقول: "أقام القوم سوقهم إذا لم يُعطِّلوها من البيع والشراء" والقرآن أُنزِل بلسانٍ عربي، ما معنى أقامَ القوم سوقهم عند العرب قبل الإسلام؟ أي لم يُعطِّلوها من البيع والشراء، لكن لو أنهم بنوا السوق، أو وضعوا الخيَم لكن لم يبيعوا ولم يشتروا، فلا يُقال أقام القوم سوقهم، لأنَّ السوق لم يُحقِّق المقصد الذي وجِدَ من أجله، فالله تعالى عندما يقول: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) لا تعني أدّوا الصلاة أو صلّوا، ولكن تعني أن تؤتي الصلاة ثمرتها، فتنهى المؤمن عن الفحشاء والمُنكَر، ليس الصيام مُجرَّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، ولكنه ارتقاءٌ إلى مرتبة التقوى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
(سورة البقرة)

{ رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامهِ إلَّا الجوعُ والعطشُ ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِهِ إلَّا السَّهرُ }

(ابن عدي "الكامل في الضعفاء")

{ من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ }

(أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه)

(من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ) أي الكذب والبُهتان والغيبة والنميمة، حديثٌ صحيحٌ عن رسول لله صلى الله عليه وسلم، ليست الزكاة ضريبةً مالية كالضرائب التي تفرضها الدوَل، وتُثقِل كاهل الناس ويدفعونها رُغماً عنهم، وهُم لا يريدون دفعها، لكنها طهارةٌ للنفس ونماءٌ لها، قال تعالى:

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)
(سورة التوبة)

فيجب أن تُطهِّر الزكاة نفس الإنسان، ويجب أن تنمو به وبماله.
أيُّها الإخوة الكرام: ليس الحجُّ سياحةً، ولو كان سياحةً لجعله الله تعالى في أجمل مناطق الأرض، حيث الأنهار العذبة، والجبال الخضراء، والطقس المُعتدِل، لكنه ليس سياحةً، لذلك جعله الله تعالى بوادٍ غير ذي زرع، لأنه ليس سياحةً، لكنه ارتقاءٌ في مدارج معرفة الله تعالى.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(197)
(سورة البقرة)

والرَفَثُ هو الكلام الذي يكون في موضوعات النساء التي يُستحيا منها (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) ولا خروج عن منهج الله (وَلَا جِدَالَ) حتى الجدال في الحج ممنوع.

الدين المُعاملة:
أيُّها الإخوة الكرام: يقولون: "الدين المُعاملة" وهذا ليس حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن معناه لا يخلو من الصِحة، لأنَّ الدين في حقيقة الأمر عند الناس، هو ما يراه الناس منك، من أفعالك، وأقوالك، وتعاملك معهم.
في المسجد يتلقَّى المؤمن التعليمات من الله تعالى، يسمع كلام الله، يحضُر الخُطبة، يحضُر مجلس عِلم، يسمع القرآن يُتلى في الصلاة، فيتلقَّى التعليمات، يسمَع ما يُريد الله منه، ثم يخرُج إلى الحياة فيُطبِّق دينه في واقع الحياة، ثم يعود إلى صلاة العشاء أو الفجر ليقبض الثمن، تجلياً وسكينةً ورحمةً.
مثالٌ للتقريب: كيف مندوب المبيعات؟ مندوب المبيعات يأتي إلى الشركة صباحاً، فيأخُذ التعليمات، عليك أن تبيع كذا وكذا، وأن تذهب إلى المحلات الفُلانية، يتلقَّى التعليمات ثم يخرُج، أين يُطبِّق هذه التعليمات؟ في الواقع، من مكانٍ إلى آخر، من شارعٍ إلى آخر، من بيعٍ إلى آخر، ثم يعود بعد العصر إلى شركته، فيقدِّم بياناته ويأخُذ عمولته.
والمُسلم في المسجد يأخُذ التعليمات ويقبض الثمن من الله تعالى، تجلياً وسكينةً ورحمةً، لكن أين يُطبِّق دينه؟ في واقع الحياة، في المتجَر، مع أهله، مع أولاده، مع زوجه، فالدين ليس في المسجد فحسب، الدين في المسجد في محراب العبادة، والدين في محراب الحياة، بين الناس.
أيُّها الإخوة الكرام: لمّا استدعى النجاشي جعفراً رضي الله عنه ليسأله عن الدين، قال له: ما هذا الدين الذي جئتم به، وفارقتم دين آبائكم؟ فماذا أجابه جعفر؟ اسمعوا إلى هذا الجواب الحكيم:

{ حديث أمّ سلمةَ عند ابن خزيمةَ في قصةِ هجرتهِم إلى الحبشةِ يعني حديث: لمَّا نزلنا أرضَ الحبشةِ جاورَنا بِها حينَ جاءَ النَّجاشيُّ، فذَكَرَ الحديثَ بطولِهِ، وقالَ في الحديثِ قالت: وَكانَ الَّذي كلَّمَهُ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ قالَ لَهُ: أيُّها الملِكُ كنَّا قومًا أَهْلَ جاهليَّةٍ نعبدُ الأصنامَ، وَنَأْكلُ الميتةَ، وَنَأْتي الفواحِشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، ويأكلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فَكُنَّا على ذلِكَ حتَّى بَعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصِدقَهُ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ، فدعانا إلى اللَّهِ لتوحيدِهِ، ولنَعبدَهُ ونخلعَ ما كنَّا نعبدُ نحنُ وآباؤُنا من دونِهِ منَ الحجارةِ والأوثانِ، وأمرَنا بصِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأَكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذفِ المُحصنةِ، وأن نعبُدَ اللَّهَ لا نشرِكُ بِهِ شيئًا، وأمرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ قالَت: فعدَّدَ عليهِ أمورَ الإسلامِ، فصدَّقناهُ وآمنَّا بِهِ، واتَّبعناهُ على ما جاءَ بِهِ مِن عندِ اللَّهِ، فعَبدنا اللَّهَ وحدَهُ، ولم نشرِكْ بِهِ وحرَّمنا ما حرَّمَ علينا، وأحلَلنا ما أحلَّ لَنا، ثمَّ ذَكَرَ باقيَ الحديثِ }

(أخرجه أحمد وابن خزيمة)

هذه العقيدة الفاسدة، السيِّئة، يتوجهون إلى غير الله والعياذ بالله، فلا ينفعهم عملٌ ولو كان صالحاً في الظاهر، لأنهم لا يعبدون الله، لكن ماذا انعكست هذه العقيدة الفاسدة على سلوكهم؟ قال: (وَنَأْكلُ الميتةَ، وَنَأْتي الفواحِشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ فَكُنَّا على ذلِكَ حتَّى بَعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصِدقَهُ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ) صادقٌ عندما يُحدِّثُك، أمينٌ عندما يُعاملك، عفيفٌ عندما تُثار شهوته، عندما يتعامل مع الجنس الآخر، يعفُّ عن المحارِم، صدقٌ وأمانةٌ وعفاف، قال: (فدعانا إلى اللَّهِ لتوحيدِهِ، ولنَعبدَهُ ونخلعَ ما كنَّا نعبدُ نحنُ وآباؤُنا من دونِهِ منَ الحجارةِ والأوثانِ) ماذا أثمرَت هذه العقيدة الصحيحة الخالصة؟ قال: (وأمرَنا بصِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ والدِّماءِ) عقيدةٌ سليمة، وسلوكٌ مستقيم.
أيُّها الإخوة الكرام: ثُمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، جاء مرةً يُريد العُمرة وهو مُشرِكٌ، يُريد عُمرةً على الشِرك، فجاء يُريد مكَّة فأخذته سريةٌ من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذته أسيراً واقتادته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ جعله عند ساريةٍ من سواري المسجد، أوثقه عند ساريةٍ من سواري المسجد، يُريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى ثُمامة الإسلام عملياً، أن يرى الصحابة الكرام، أن يرى الدين، فجاءه في اليوم الأول فقال:

{ بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيلًا قِبَلَ نَجدٍ، فجاءَت برَجُلٍ مِن بَني حَنيفةَ يُقالُ له: ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، فرَبَطوه بساريةٍ مِن سَواري المَسجِدِ، فخَرَجَ إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ فقال: عِندي خَيرٌ يا مُحَمَّدُ، إن تَقتُلْني تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، وإن كُنتَ تُريدُ المالَ فسَلْ منه ما شِئتَ، فتُرِكَ حتَّى كان الغَدُ، ثُمَّ قال له: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ قال: ما قُلتُ لَكَ: إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، فتَرَكَه حتَّى كان بَعدَ الغَدِ، فقال: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ فقال: عِندي ما قُلتُ لَكَ، فقال: أطلِقوا ثُمامةَ، فانطَلَقَ إلى نَجلٍ قَريبٍ مِنَ المَسجِدِ، فاغتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسجِدَ، فقال: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما كان على الأرضِ وجهٌ أبغَضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبَحَ وجْهُكَ أحَبَّ الوُجوهِ إليَّ، واللهِ ما كان مِن دينٍ أبغَضَ إليَّ مِن دينِكَ، فأصبَحَ دينُكَ أحَبَّ الدِّينِ إليَّ، واللهِ ما كان مِن بَلَدٍ أبغَضَ إليَّ مِن بَلَدِكَ، فأصبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البِلادِ إليَّ، وإنَّ خَيلَكَ أخَذَتني وأنا أُريدُ العُمرةَ، فماذا تَرى؟ فبَشَّرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمَرَه أن يَعتَمِرَ، فلَمَّا قدِمَ مَكَّةَ قال له قائِلٌ: صَبَوتَ! قال: لا، ولَكِن أسلَمتُ مع مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا واللهِ، لا يَأتيكُم مِنَ اليَمامةِ حَبَّةُ حِنطةٍ حتَّى يَأذَنَ فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم }

(أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود)

(وإن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ) إن أردت أن تعفو عنّي فإني أشكُر لك صنيعك، (إن تَقتُلْني تَقتُلْ ذا دَمٍ) لي من يثأر لدمي (وإن كُنتَ تُريدُ المالَ) لأفدي نفسي من أَسري (فسَلْ منه ما شِئتَ، فتُرِكَ حتَّى كان الغَدُ، ثُمَّ قال له: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ قال: ما قُلتُ لَكَ: إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، فتَرَكَه حتَّى كان بَعدَ الغَدِ، فقال: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ فقال: عِندي ما قُلتُ لَكَ) فالتفتَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، الذين كانوا يُطعمونه يومياً، ويأتون له بالطعام ويعتنون به: (فقال: أطلِقوا ثُمامةَ، فانطَلَقَ إلى نَجلٍ قَريبٍ مِنَ المَسجِدِ، فاغتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسجِدَ، فقال: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ).
ماذا رأى ثُمامة؟ رأى أخلاق المسلمين، وصادف ذلك قلباً صافياً عنده يريد الحقّ، مُتجرِّد له، فلمّا رأى ما رأى من أخلاق المُسلمين، عاد إلى الإسلام، إلى فطرته السليمة، لم يذكُر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من التفاصيل، وإنما أراه الإسلام عملياً، أراه كيف هؤلاء الصحب، رهُبان الليل فُرسان النهار، كيف يتعاملون في ما بينهم، فأحبَّ الإسلام من محبَّتهم وأسلم.

عامل الناس كما تُحب أن يعاملوك:
أيُّها الإخوة الكرام: يقولون: "عامل الناس كما تُحب أن يعاملوك" وهذا ليس حديثاً أيضاً، ولكنه جرى على الألسِنة، ومعناه صحيح، وله شاهدٌ في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إِنَّهُ لم يكنْ نبيٌّ قبلي، إلَّا كان حقًا عليْهِ أنْ يَدُلَّ أمتَهُ على ما يعلَمُهُ خيرًا لهم، ويُنْذِرَهُمْ ما يعلَمُهُ شرًا لهم، وإِنَّ أمتَكم هذِهِ جُعِلَ عافيتُها في أوَّلِها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ شديدٌ، وأمورٌ تٌنْكِرونَها، وتجيءُ فِتَنٌ، فيُرَقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ، فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تنكشِفُ، وتِجيءُ الفتنةُ، فيقولُ المؤمِنُ: هذِهِ، فمَنْ أحبَّ منكم أنْ يُزَحْزَحَ عنِ النارِ، ويَدْخُلَ الجنةَ، فلْتَأْتِهِ منيتُهُ وهوَ يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأْتِ إلى الناسِ، الذي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إليه، ومَنْ بايَعَ إمامًا فأعطاه صفْقَةَ يدِهِ، وثَمَرَةَ قلبِهِ، فلْيُطِعْهُ ما استطاعَ، فإِنْ جاءَ آخرُ ينازِعُهُ فاضربوا عُنُقَ الآخرَ }

(أخرجه مسلم)

لو أنَّ كل واحدٍ منّا في تعامله وأخلاقه، عامل الناس كما يُحب أن يُعامله الناس، وأتى إليهم ما يُحب أن يؤتى إليه من جانبهم، لأغلقَت المحاكم أبوابها والله، أتُحب أن يسرق مالك أحد؟ إذاً لا تسرق أحداً، أتُحب أن ينظُر إلى عِرضك أحد؟ إذاً غُضَّ بصركَ عن محارِم الناس، أتُحب أن تكون ابنتُك مُكرَّمةً في بيت زوجها؟ إذاً أكرِم زوجة ابنك في بيتك.
ائتِ إلى الناس ما تُحب أن يأتوا الناس إليك تُحَل المُشكلات كلها، عندما أمرني الله تعالى أن أترُك المال الحرام، فقد أمر ملياري مُسلمٍ في الأرض أن يُعرِضوا عن مالي، وعندما أمرني أن أحفظ الأعراض، فقد أمر ملياري مُسلمٍ في الأرض أن يحفظوا عِرضي، وهذا المعنى العظيم أيُّها الكرام، في أن نتعامل بهذه القاعدة النبوية: "أن نُحب أن نأتي الناس بما نُحب أن يأتي الناس به إلينا" هذا المعنى له شواهدٌ كثيرة في كتاب الله، وفي سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ قال اللهُ تَبارَك وتَعالى: يا ابنَ آدَمَ أنفِقْ أُنفِقْ عليك، وقال: يَمينُ اللهِ مَلأى، وقال ابنُ نُمَيرٍ: مَلآنُ، سَحَّاءُ لا يَغيضُها شيءٌ اللَّيلَ والنَّهارَ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

الجزاء من جنس العمل.

{ الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى، ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ }

(أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد)

{ مَن ضارَّ أضرَّ اللهُ بهِ ومَن شاقَّ شاقَّ اللهُ علَيهِ }

(أخرجه أبو داوود وابن ماجه والترمذي)

{ مَن نَفَّسَ عن مُؤمِنٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، واللهُ في عَونِ العَبدِ ما كان العَبدُ في عَونِ أخيه، ومَن سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجتَمع قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ، يَتْلونَ كِتابَ اللهِ ويَتَدارَسونَه بينَهم، إلَّا نَزَلَت عليهم السَّكينةُ، وغَشيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكةُ، وذَكَرَهمُ اللهُ فيمَن عِندَه، ومَن بَطَّأ به عَمَلُه لم يُسرِعْ به نَسَبُه }

(صحيح مسلم)

{ يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه }

(أخرجه أبو داوود وأحمد)

{ مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه ردَّ اللهُ عن وجهِه النَّارَ يومَ القيامةِ }

(أخرجه الترمذي وأحمد)

هذا المعنى يُعاملنا الله تعالى به، افعل الخير تجد الخير وافعل الشر تجد الشر.

{ ما من امرئٍ مُسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقَصُ فيه من عِرضِه إلَّا خذله اللهُ في موطنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَه وما من امرئٍ مُسلمٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه إلَّا نصره اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه }

(أخرجه أبو داوود وأحمد)


اتجاهان خطيران اليوم في حياتنا:
أيُّها الإخوة الكرام: هناك اتجاهان خطيران اليوم في حياتنا، اتجاهان كلاهما خطير:

الاتجاه الأول:
الاتجاه الأول الذي تحدثت عنه: شخصٌ يُصلّي في المسجد في الصف الأول، ثم يغش الناس في البيع والشراء، شخصٌ لا يترُك الصلاة والصيام ويحج كل عامٍ مرة، ثم هو يتعامل مع الناس بأسوأ تعامُل، وينقُل أسوأ صورةٍ عن الحاج والمُصلّي.
امرأةٌ مُحجَّبةٌ مُلتزمةٌ فيما يبدو للناس، لكنها تؤذي الناس بلسانها، وتغتاب أخواتها المؤمنات، ولا تقوم على بيتها حقَّ القيام، ولا ترعى زوجها ولا تسمع له ولا تُطيعه، هذا جزءٌ من المُشكلة، وهو منتشرٌ جداً، أنَّ الدين أصبح مفصولاً عن واقع الحياة، الدين في واد والواقع في وادٍ آخر، الدين في المسجد وفي حياتنا نُطبِّق أهواء نفوسنا، وفي فكرنا نُطبِّق أفكار الغرب المستوردة، هذا واقعٌ سيءٌ جداً، وهو ما بحثته في هذه الخُطبة.

الاتجاه الثاني:
لكن بالوقت نفسه هناك مشكلةٌ أُخرى عند صنفٍ آخر من الناس، شخصٌ لا يُصلّي، تقول له: لماذا لا تُصلّي يا أبا فُلان؟ يقول لك: أنا المُهم أخلاقي ماذا تُريد من صلاتي أنت؟! المُهم الأخلاق، أنا أتعامل مع الناس بشكلٍ جيدٍ، أنت لا علاقة لك بصلاتي.
امرأةٌ مُتبرِّجة لا تلتزم الحجاب الشرعي، تقول لها أختها: يا أختي هذا لا يجوز، الله تعالى أمر بالحجاب، تقول لها: إيماني في قلبي، أنا مؤمنةٌ في القلب، انظري إلى المُحجَّبات ماذا يفعلن، تُريد أن تنال من المُحجَّبات من أجل أن تترك هي الحجاب، هذا واقعٌ سيء وذاك واقعٌ سيء، وكلاهما لا يمُتْ للدين بصِلة، الدين كلُّ مُتكامل، الدين عبادةٌ شعائرية وعبادةٌ تعامليَّة، الدين صلاةٌ وصيامٌ وزكاةٌ وحجٌ هي أركانه التي لا يقوم إلا بها، والدين صدقٌ وأمانةٌ وعفافٌ وطُهرٌ وبيعٌ وشراءٌ وفق منهج الله، كلاهما معاً لا ينفصل واحدٌ عن الآخر، لذلك أقول: لا بُدَّ من التكامُل بين مِحراب العبادة ومِحراب الحياة.

لماذا سُمّيَ المِحراب مِحراباً:
للفائدة يا كرام: قالوا عن المِحراب وهذا كلامٌ حسن في لغة العرب، قالوا: سُمّيَ المِحراب مِحراباً لأنه يُحارَب فيه الشيطان، مِحراب على وزن مفعال، اسم آلة، لماذا سُمّيَ مِحراباً؟ مثل منشار، على وزن منشار، لأنه يُحارَب فيه الشيطان، فأنت تقف للعبادة فيأتيك الشيطان، فتُحاربه وتقف بين يدي الله.
نحن في أي مكانٍ أحوَج إلى الحرب مع الشيطان في المسجد أم في الحياة؟ في مِحراب الحياة، هناك نحتاج إلى الحرب الحقيقية الأضخم مع الشيطان، عندما يأتي مبلغٌ من حرامٍ فأرفضه، عندما تعرُض امرأةٌ فأغُضَّ بصري عنها، عندما يأتيني منصِبٌ فأتقي الله فيه، فأُحق الحقّ وأقوم بالعدل، فنحن بحاجةٍ إلى مِحراب الحياة، أن نُقيم شرع الله فيه كما نُقيم شرع الله في مِحراب العبادة، في مِحراب الصلاة.

أعظم ما يُقام في مِحراب الحياة أن يُقام العدل:
أيُّها الإخوة الكرام: في مِحراب الحياة يُقام الصدق، وتُقام الأمانة، ويُقام الحقّ، ويُقام الطُهر، وتُقام العِفَّة، ويُقام منهج الله في البيع والشراء، وفي الزواج والطلاق، نحتكِم إلى منهج الله في كل شيء، ومن أعظم ما يُقام في مِحراب الحياة، أن يُقام العدل.

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)
(سورة النساء)

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152)
(سورة الأنعام)

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)
(سور ص)


إقامة العدل في مِحراب الحياة مقصِدٌ أساسيٌ من مقاصِد الشريعة:
بل إنَّ إقامة العدل في مِحراب الحياة، مقصِدٌ أساسيٌ من مقاصِد الشريعة، جاءت الشريعة به، يقول ابن القيِّم رحمه الله: "الشريعة عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، وحكمةٌ كلها، ومصلحةٌ كلها، وأيُّ مسألةٍ خرَجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبَث، فليست من الشريعة، وإن أُدخِلَت عليها بالتأويل"، الشريعة عدلٌ كلها.
لذلك أيُّها الإخوة الكرام: كلٌّ منّا مأمورٌ بالعدل في أقواله وفي أفعاله، والحاكم مأمورٌ بالعدل بين رعيته، ومن أوجَب ما يُحقِّق العدل، وينشُر الأمن، ويُريح النفوس ويُهدِئُها، القِصاص، فإنَّ الله تعالى يقول:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)
(سورة البقرة)


(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ):
كانت العرب لها جملةٌ تقول فيها: "القتل أنفى للقتل" فأنت إذا قتلت المُجرِم فهذا يمنع القتل، لأنه يصدّ الناس عن القتل، فلمّا جاء القرآن الكريم وقال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وهُم كانوا يقولون: هذه من أبلَغ ما قالته العرب، القتل أنفى للقتل، فتبيَّن عِوار جملتهم أمام مقولة القرآن الكريم: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) فليس كل قتلٍ أنفى للقتل، وإنما هو القِصاص الذي نقتص به أثر المُجرِم، ونوقِع به ما أوقعه في الناس، فتكون لنا حياة، وجاءت حياة نكرة، ما قال الحياة، قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) تتقون الانتقام العشوائي، تتقون أن يأخُذ كل امرئٍ حقَّه بيده، فيُصبِح المجتمع غابةً، ولا يأمَن الإنسان أن يُرسِل ابنه إلى المدرسة إن انتشر القتل العشوائي والعياذ بالله، لذلك: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) حياةٌ للمُهَج والنفوس، فإنَّ القاتل إذا رأى أنَّ القاتل يُقتَل، يُحجِم عن القتل فيما بعد، ومَن أمِنَ العقوبة أساء الأدب، وما رأيناه من المخازي في السجون وفي المجازر، إنما هو ممَّن أمِنوا العقوبة، ففعلوا ما فعلوا، لكن لو علموا أنَّ هناك قِصاصاً لما فعلوا.

في القِصاص حياةٌ للمجتمع كله:
وفي القِصاص حياةٌ لأُسرة المقتول، فإنها عندما ترى الحقَّ قد أُخِذ ترتاح نفسها وتهدأ، وفي القِصاص حياةٌ للمجتمع بأسره، يسوده الأمن، ويبتعِد عنه شبح الانتقام، ويبتعِد عنه شبح الثأرِ الذي يؤدّي إلى مفاسد عظيمة، فإقامة العدل في مِحراب الحياة، من أهم ما يلزَم الحاكم والمحكوم، الحاكم يقوم بالقِصاص الشرعي، والمحكوم يُقيم العدل في بيته، ومع أهله، ومع أولاده، ومع عمَّاله، وفي كل مكانٍ، فإذا انتشر العدل في المجتمع، يُصبِح عصيَّاً على أعداء الخارج.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم أصلِح لنا أقوالنا، وأصلِح لنا أعمالنا، وأصلِح لنا أخلاقنا، يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم فارِج الهم كاشف الغم، مُجيب دعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المسلمين فيما جرت به التقادير، ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا في غزَّة وفي فلسطين، نسألك لهم فرجاً عاجلاً، أن تكشف همَّهُم وغمَّهُم، وأن تُطعِم جائعهم، وأن تكسو عُريانهم، وأن ترحم مُصابهم وأن تؤوي غريبهم، وأن تجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً، وأن تغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا منّا.
وإنّا نسألك يا أرحم الراحمين صلاةً في المسجد الأقصى قبل الممات، فاتحين مُحررين يا أرحم الراحمين.
نسألك أن تَرُدَّ كيد الصهاينة في نحورهم، كيد مَن والاهم في نُحورهم، وأن تجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأن تجعل دائرة السوء تدور عليهم.
نسألك لبلادنا أمناً وأماناً ورخاءً في طاعةٍ يا أرحم الراحمين، وأن يبقى مُستظلاً بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، ونسألك للقائمين عليه تثبيتاً وتأييداً في طاعتك يا أرحم الراحمين، وصلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.