فقه الواقع
فقه الواقع
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
الدعوة إلى الله فرض عين:
| وبعد فيا أيُّها الإخوة الأحباب: لو سألت مُسلماً لِمَ تُصلّي؟ لكان جوابه البديهي لأنَّ الصلاة فرض، ولو سألت آخر لِمَ تغضُّ بصرك؟ لكان جوابه لأنَّ الله أمرني بغضّ البصر، وأسألك الآن أليست الدعوة إلى الله تعالى فرضاً؟ إذاً لا بُدَّ من أدائها، لا بُدَّ من الدعوة إلى الله، لا بُدَّ لكلٍّ منّا أن يدعو إلى الله بحاله أو بمقاله، وفق ما يعلَم وفي حدود مَن يعرف، في أسرته، في معمله، في شركته، لا أقول الدعوة التخصُّصية التي ينبري لها الدُعاة على المنابر وخلف الشاشات، وإنما أن نُبلِّغ هذا الدين العظيم، لمَن نعرف من الناس، أن نأمُر بالمعروف، أن ننهى عن المنكر، هذه فريضةٌ من الفرائض التي فرضها الله علينا، ألم يقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم مُخاطباً أصحابه وأُمته: |
{ بلِّغوا عنِّي ولو آيةً وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَهُ من النَّارِ }
(أخرجه البخاري)
| وهذا أمرٌ يقتضي أن نستجيب له، وهذا الحديث الشريف على كلماته القليلة فيه معانٍ كثيرة، فيه تكليف، وفيه تشريف، وفيه تخفيف. |
| التكليف: (بلِّغوا) هذا تكليف، يُكلِّفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُبلِّغ، أن نوصل حديثاً من أحاديثه لفردٍ من أفراد أُمته، أن نشرح آيةً سمعناها من خطيب المنبر، لزوجةٍ، أو لولدٍ، أو لشريكٍ، أو لموظفٍ، (بلِّغوا) هذا تكليف. |
| وأمّا التشريف: فهو في قوله (عنِّي) فأيُّ شرفٍ أعظم من أن تُبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو جاء أحدنا من عند مَلِكٍ من ملوك الأرض وقال له: بلِّغ عنّي هذه الرسالة، لطار فرحاً، ورفع رأسه عالياً، يريد أن يُبلِّغ عن مَلِكٍ من ملوك الأرض، فماذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلِّغوا عنِّي) هذا تشريف، أنك عندما تُبلِّغ إنما تُبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| التخفيف: ثم قال: (ولو آيةً) وهذا تخفيف، فلو أنَّ إنساناً بلَّغ آيةً فقد أدّى الواجب عليه (بلِّغوا عنِّي ولو آيةً) تكليفٌ وتشريفٌ وتخفيف. |
الناس على أصنافٍ ثلاثة في موضوع الدعوة إلى الله:
| أيُّها الإخوة الكرام: ألم يقُل الله تعالى آمِراً نبيَّه صلى الله عليه وسلم، والمسلمين معه ومِن بعده: |
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125)(سورة النحل)
| وهذه الآية شملت أصنافاً من الناس، الناس على أصنافٍ ثلاثة في موضوع الدعوة إلى الله. |
الصنف الأول صِنفٌ قابلٌ للحقّ مُستجيبٌ له:
| الصنف الأول صِنفٌ قابلٌ للحقّ مُستجيبٌ له، يقبَل الحق ويستجيب له، هذا الصِنف الأول، وهذا أسلوبه في الدعوة بالحكمة فقط، إذا كنت حكيماً في دعوته استجاب، فهو يُحب الحقّ ويُحب أهل الحقّ، فكُن حكيماً في دعوته، فلا تضع القسوة والفَظاظة والغِلظة مكان اللين والرِقة، هو يُحبُّك ويُحبُّ دين الله عزَّ وجل، إيّاك أن تُظهِر له اختلافاً فتُظهِر محلَّهُ خلافاً وتقاتُلاً، هذه ليست من الحكمة، الحكمة أن تدعوه في المُتفَّق عليه، أن تأمُره بما يُحبِّب دين الله إليه، شابٌ مؤمنٌ من أُسرةٍ تقيَّةٍ، يُحب الحقّ، آتٍ إلى المسجد، اتخذ معه سبيل الحكمة وإيّاك وخلافها. |
الصِنف الثاني صِنفٌ ليس مُعانداً للحقّ لكنه غافلٌ عنه:
| الصِنف الثاني من الناس صِنفٌ ليس مُعانداً للحقّ لكنه غافلٌ، ساهٍ، لاهٍ، لا يأتي إلى بيوت الله تعالى، مُنصرفٌ إلى دُنياه، هو لا يُعانِد ولا يستكبِر، لكنه غافلٌ ولاهٍ، ما السبيل معه؟ قال: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) هذا لا بُدَّ من وعظه، لا بُدَّ من تخويفه، الوعظ هو التذكير، والتخويف، والتبشير، هناك جنَّةٌ وهناك نار، اتَّقِ الله، انتبه إلى نفسك قبل أن يأتي الموت، بادِر إلى باب الله قبل أن يتوقف النَفَس، بادِر إلى الله قبل أن يتوقف القلب، تُخوِّفه بالله، قال: (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وما قال والموعظة وإنما قال الحسَنة، لأنَّ هناك موعظةً سيئة، كأن يكتفي بجانب الإنذار وينسى التبشير، فيُخوِّف الناس دائماً بجهنم وما فيها، وينسى أن يُحبِّبهُم ويُقرِّبهُم إلى ربِّهم، أو يكتفي بجانب التبشير فيقول للناس: كلنا إلى الجنَّة إن شاء الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلحقُنا جميعاً، وافعلوا ما شئتم ويَشفَع لنا وندخُل الجنَّة، وإذا كنتم من جماعة فُلان ربُّنا يُدخِلكم الجنَّة أيضاً، لا هذه ليست موعظةً حسَنة هذه موعظةٌ سيئة، لأنك جعلت الناس يتساهلون في دين الله، والأولى سيئة عندما خوَّفتهُم تخويفاً شديداً ولم تفتح لهم باب الرحمة، فهذا الغافل الساهي اللاهي يحتاج إلى الموعظة الحسَنة. |
الصِنف الثالث صِنفٌ معارضٌ للحقّ ولا يقبَل به:
| وأمّا الصِنف الثالث: فهو صِنفٌ معارضٌ للحقّ، لا يقبَل الحقّ ولا يقبَل أهل الحقّ، ويُعانِد ويستكبِر قال: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هذه للصِنف الثالث، لا تضع واحدةً مكان الأُخرى، الجدال للمُعانِد وهُنا لم يقُل جادلهم بالحُسنى كما قال: (الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وإنما قال: (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لأنَّ هذا المُعانِد إن أسأت إليه ازداد تمسُّكاً بفكرته. |
لا ينبغي أن نربط أفكارنا بكرامتنا:
| أيُّها الأحباب: نحن جميعاً تأسرنا أفكارنا من حيث لا ننتبه، فنربِط أفكارنا بكرامتنا وهذا خطأ، فإذا جادَلَنا شخصٌ ما، ونالَ من فكرتنا وكانت خطأً فعلاً، فإننا نشعُر بلا وعيِّنا أنَّ كرامتنا سقطت مع فكرتنا، فنربِط أفكارنا بكرامتنا، فلمّا يكون الجدال بالتي هي أحسن، باختيار أفضل الألفاظ، لا نُسقِط كرامة الطرف الآخر فلرُبما يستجيب، كأن تقول له: لعلَّه فاتك شيءٌ لم تنتبه إليه، لعلَّك أردت ذلك لكن لم تنتبه إلى هذا الأمر، أنا مثلك أخطأت في هذه المسألة، أنا أُريد أن أُصحِّح المسألة بيني وبينك (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إذا وجدت الحسَن والأحسن، فدَع الحسَن وخُذ الأحسن، وخُتِمت الآية بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) بمعنى أننا دُعاةٌ ولسنا قُضاة، نحن لسنا قُضاة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) أنت لست قاضٍ على الناس، أنت تدعوهم إلى الله، لكن لا تُحاكمهم الله عزَّ وجل يقضي بين عباده (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). |
لا بُدَّ أن نفقه الواقع عندما ندعو الناس إلى الله تعالى:
| أيُّها الكرام: كل هذه الوسائل بالحكمة، الموعظة الحسَنة، الجدال بالتي هي أحسن، بحسب الصِنف من الناس الذي أمامك وبين يديك، تحتاج إلى فقهٍ عظيم نُسمّيه اليوم فقه الواقع، فالداعية، أو الأب، أو المُربّي، أو الأُم، أو المدير في مؤسَّسته إن لم يفقه واقع الناس، لن يستطيع أن يدعوهم إلى الله تعالى، فرُبما يأمرهم بالزُهد والتقشُّف وهو غارقٌ في الدنيا، فلا يستجيبون له وهو لا يعلَم حالهم، ورُبما يُبالِغ في أمرهم بالصبر على شظَف العيش، وهو لم يُدرِك أنَّ هناك احتياجاتٍ يجب أن تُلبَّى، فيُخاطِب مَن يجب أن يُلبيِّها لهم على سبيل المثال، فلا بُدَّ أن نفقه الواقع عندما ندعو الناس إلى الله تعالى، قال تعالى: |
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا(20)(سورة الفرقان)
| كان الأنبياء والمرسلون بين قومهم في الأسواق، حتى يفقهوا واقع الناس، ولكل عصرٍ سوقه، فالبعيد اليوم عن عالَم الإعلام، البعيد عن بعض القضايا السياسية، قد لا يستطيع أن يفقه واقعاً، فعندما يتكلم يكون كلامه في واد والناس في وادٍ آخر، فلا بُدَّ أن نفقه الواقع (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) قريبون من الناس. |
| إبراهيم عليه السلام كان بزَّازاً يصنع القماش ويبيعه، نوحٌ عليه السلام وزكريا وإدريس عليهم السلام كانوا نجارين، لقمان وإدريس عليهما السلام كانا خياطَين، إلياس عليه السلام كان نسَّاجاً، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رعى الغنم، وكان تاجراً يُتاجر بمال خديجة رضي الله عنها. |
{ ما بعثَ اللَّهُ نبيًّا إلَّا راعيَ غنَمٍ، قالَ لَهُ أصحابُهُ: وأنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: وأَنا كُنتُ أرعاها لأَهْلِ مَكَّةَ بالقَراريط قالَ سُوَيْدٌ: يعني كلَّ شاةٍ بقيراطٍ }
(أخرجه البخاري وابن ماجه)
لا بُدَّ من مُخالطة الناس:
| أي كانوا بين الناس، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: |
{ المسلِمُ إذا كانَ مخالطًا النَّاسَ ويصبِرُ على أذاهم خيرٌ منَ المسلمِ الَّذي لا يخالطُ النَّاسَ ولا يصبرُ على أذاهم }
(أخرجه الترمذي وابن ابي شيبة في الأدب وهناد في الزهد)
| يعيش في بُرجه العاجي بعيداً عن الناس، لا أُريد أن أُشاكل الناس، لا أُريد أن آخذ شيئاً منهم ولا أُعطيهم، الناس جميعاً هلكى، هكذا يقول بعض الناس، يقول له المصطفى صلى الله عليه وسلم: خيرٌ منك من يُخالِط الناس وسيأتيه الأذى وسيصبِر على الأذى وسيُثاب على ذلك، كيف تعمل الأعمال الصالحة إن لم تُخالِط الناس؟! |
| أيُّها الإخوة الكرام: |
{ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا فقالَ: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي }
(صحيح مسلم)
فَهم الواقع لا يعني أن ننزل بالدين إلى مستوى الناس:
| يُتابع الناس هو معهم، لكن فَهم الواقع لا يعني أن ننزل بالدين إلى مستوى الناس، بعض الدُعاة، أو بعض المُربّين، أو بعض المُصلحين يقول لك: أنا أفهم واقع الناس، اليوم الوضع صعب، فأنا أُعطيهم الرُخَص، هُم يُحبون هذه اللعبة، واللعبة مُحرَّمة! يقول لك: سمحت لهم بها، فهمت واقعهم، ما هذا الفَهم للواقع؟! فَهم الواقع لا يعني أن نُنزِل الدين على ما يُريده الجمهور، وإنما أن نفهَم واقعهم لننهَض بهم بشكلٍ صحيح إلى ما يُرضي الله تعالى، هذا فَهم الواقع الذي نريده. |
أحاديثٌ كثيرة لسؤالٍ واحدٍ وإجاباتٍ مُتعددة:
| النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسأل أي العمل أفضل؟ فكان يُجيب إجابات مُتعددة، عشرات الأحاديث، السؤال واحد، السائل مُختلف، الجواب مُختلف، السؤال واحد والجواب مُختلف، سأله رجُلٌ: |
{ سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي }
(صحيح البخاري)
| سأله رجلٌ آخر: أي العمل أفضل؟ فقال: |
{ عليكَ بالصَّومِ، فإنَّهُ لا عِدلَ لهُ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ مُرْنِي بعمَل قال: عليكَ بالصَّومِ، فإنَّهُ لاعِدلَ لهُ }
(أخرجه أحمد والنسائي)
| لا يُساويه شيء بالنسبة لك. |
{ أنْ يُسلِمَ قلبُك للهِ، وأنْ يَسلَمَ المسلِمونَ من لسانِك ويدِكَ قال: فأيُّ الإسلامِ أفضلُ؟ قال: الإِيمانُ قال: ومَا الإيمانُ؟ قال: أنْ تُؤمن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه والبعثِ بعدَ الموتِ، قال: فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: الهِجرةُ قال: وما الهِجرةُ؟ قال: أنْ تَهْجُرَ السُّوءَ قال: فأيُّ الهِجرةِ أفضلُ؟ قال: الجِهادِ قال: وما الجهادُ؟ قال: أن تقاتِلَ الكُفارَ إذا لَقِيتَهم قال: فأيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: مَن عُقِرَ جَوادُه، وأُهرِيقَ دَمُه قال رسولُ اللهِ: ثُم عَمَلانِ هُما أفضلُ الأعمالِ، إلا مَن عَمِلَ بِمثلِها، حَجَّةٌ مَبرورةٌ، أو عُمرةٌ مَبرورةٌ }
(أخرجه أحمد)
| جوابٌ ثالث. |
| يسأله رجُلٌ: أي الإسلام أفضل؟ |
{ قالوا يا رَسولَ اللَّهِ، أيُّ الإسْلَامِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ، ويَدِهِ. }
(صحيح البخاري)
| الإجابات مُتعددة مع أنَّ السؤال واحد. |
| يسأله الصحابة أوصني، فيوصي كل واحدٍ بحسب حاله. |
| سأله رجُلٌ قال: أوصني، فقال: |
{ أوصيكَ بتقوى اللَّهِ والتَّكبيرِ على كلِّ شَرَفٍ }
(أخرجه ابن ماجه والترمذي وأحمد)
| كان الرجُل مسافراً (والتَّكبيرِ على كلِّ شَرَفٍ) أي التكبير على كل مكانٍ عالٍ. |
| سأله رجُلٌ آخر أوصني، فقال: |
{ أُوصيكَ بتقوى اللهِ، فإنها رأسُ الأمرِ كلِّه قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي، قال: عليك بتلاوةِ القرآنِ، وذِكرِ اللهِ، فإنَّهُ نورٌ لك في الأرضِ، وذخرٌ لك في السماءِ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْني. قال: إياك وكثرةَ الضحكِ؛ فإنَّهُ يُميتُ القلبَ، ويذهبُ بنورِ الوجهِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي. قال: عليك بالجهادِ؛ فإنَّهُ رهبانيةُ أُمَّتِي، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، زدني، قال: أَحِبَّ المساكين وجالِسْهُمْ. قلتُ: يا رسولَ اللهِ زدني، قال: انظر إلى من هو تحتَك، ولا تنظر إلى من هو فوقَك، فإنَّهُ أجدرُ أن لا تزدري نعمةَ اللهِ عندَك قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي، قال: قُلِ الحقَّ وإن كان مُرًّا. }
(أخرجه ابن حبان والبيهقي)
| جاءته امرأةٌ أُم أنس قالت: أوصني، لم يقل لها حجةٌ مبرورة كما قال لغيرها، قال: |
{ اهجري المعاصيَ، فإنَّها أفضلُ الهجرة، وحافظي على الفرائضِ، فإنها أفضلُ الجهاد، وأكثري من ذكرِ اللهِ، فإنَّك لا تأتينَّ بشيءٍ أحبَّ إليه من كثرةِ ذكرِه }
(أخرجه الطبراني)
| ما قال لأُم أنس أفضل الأعمال الجهاد في سبيل الله، أعطاها ما يوازي الجهاد وهو الحفاظ على الفرائض (وأكثري من ذكرِ اللهِ، فإنَّك لا تأتينَّ بشيءٍ أحبَّ إليه من كثرةِ ذكرِه) جلَّ جلاله. |
| رجلٌ آخر قال أوصني: قال: |
{ عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ، وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ، وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ. }
(أخرجه البيهقي)
| لعلَّه نظر إلى حاله، ايأس مما في أيدي الناس، لا تطمع به (وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ وصلِّ صلاتَكَ وأنت مودِّعٌ، وإيَّاكَ وما يُعتذر منه) إيَّاك أن تصنع شيئاً تضطر بعده إلى أن تعتذر منه، لا تدخُل مدخلاً تحتاج الاعتذار. |
| سأله معاذ رضي الله عنه أوصني، قال: |
{ أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ أرادَ سَفرًا فقالَ:يا رسولَ اللَّهِ أوصِني، قالَ: اعبُدِ اللَّهَ ولا تشرِكْ بِهِ شيئًا قالَ: زدني يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: إذا أسأتَ فأحسن، قالَ: زدني ،قالَ: استقم ولتحسِّن خلقَكَ }
(أخرجه الطبراني)
| هذا غيضٌ من فيض في الأسئلة عن أي الأعمال أفضل؟ عن أي الإسلام أفضل؟ أوصني، أخبرني بعملٍ، تابعوا الأحاديث، ماذا أقول قولاً؟ تعدَّدت الإجابات، لماذا؟ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأُمي، كان خير من يفقه الواقع وأحوال الناس، وأحوال السائلين، فكان يُعطي كُلاًّ بما يناسبه، حتى أصبحت لنا هذه الثروة العظيمة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث ننظُر اليوم فنقول لمن يستطيع الحجَّ حُجّ، ولمَن يستطيع العُمرة اعتمِر، ولمَن لا يستطيعهما عليك بالصوم، ولمَن نجد فيه ضعفاً عن الصوم عليك بالذِكر، ولمَن نجده مُنشغلاً عليك بالعمل الصالح، وعندما يحضُر وينادي مُنادي الجهاد عليك بالجهاد في سبيل الله وهكذا، الدين كلٌّ متكامل. |
| سأله رجُلٌ قال: أوصني، قال: |
{ عن رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ أوْصِني؟ قال: لا تَغضَبْ، قال الرَّجُلُ: ففَكَّرتُ حين قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قال، فإذا الغَضَبُ يَجمَعُ الشَّرَّ كُلَّه }
(تخريج المسند لشعيب)
| أوصاه أن لا يغضب، كان يعلم حاله، أو يعلم حال من يسمَع السؤال، يريد الآن أن يوجِّه المسألة إلى ترك الغضب. |
المنبر ينبغي أن يُقدِّم للناس رؤيةً شرعيةً للأحداث:
| فقه الواقع مهمٌ جداً في الدعوة إلى الله، مهمٌ جداً في التربية، مهمٌ جداً أن أفهَم واقع الناس اليوم أين هُم، فلا آتي لأُحدِّثهم عن قضايا فرعيةٍ جُزئية، وأترُك الكُلّيات وهُم ما زالوا لا يفقهون الكُلّيات، هذا ليس من الفقه في شيء، هذا ما نُسمّيه اليوم فقه الواقع، ولأننا نتحدث عن فقه الواقع، فالمنبر أيضاً لا ينبغي أن يُغادر الأحداث الكُبرى ويتحدَّث وهو في وادٍ آخر، أنا أقول المنبر ليس للسياسة، كنت وما زلت، لا أُحب أن أتحدث على المنبر بالسياسة، ولكن أي سياسة؟ أقصِد السياسة التي تتحزَّب، أو الحديث السياسي الخالص الذي لا يُفيد الناس، لأنهم يسمعون التحليلات يومياً على وسائل التواصل، أمّا السياسة بمعنى أنها جزءٌ من الدين، بمعنى أنَّ المنبر ينبغي أن يُقدِّم للناس رؤيةً شرعيةً لما يحدُث من أحداثٍ في المنطقة، وفي البلد، وفي العالَم، فهذا من صُلب الدين. |
أسباب ما يجري في الشمال الشرقي لسوريا:
| أحبابنا الكرام: ما يجري اليوم في حلب الشهباء التي نُحبُّها، في عام 2015 أعلنت ما تُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على الحسكة في شمال شرق سوريا، وتلقَّت دعماً مباشراً فورياً من الولايات المتحدة الأميركية، بعد تأسيسها بيومين فقط، بنهاية عام 2015 أعلنت أمريكا أنها ألقت خمسين طناً من الأسلحة لها، هذه أول دفعة، بعد التأسيس بيومين خمسين طن من الأسلحة، ما هي الحُجَّة؟ لماذا نُمِدُّها بالأسلحة؟ لتضرب تنظيماتٍ إرهابيةٍ صنعوها هُم على أعينهم وموّلوها بأموالهم، يعني صنعوا العدو ثم صنعوا من يُحاربه، وأنشؤوا بؤرة صراعٍ في هذه المنطقة، وهذا ديدَنهم، ما الحقيقة؟ الحقيقة أنَّ الشمال الشرقي في سوريا، هو مكان السلة الغذائية والنفطية لجميع سوريا إن لم يكن لجميع المنطقة، تسعون بالمئة من النفط يُنتَج في شمال شرق سوريا، والقمح مُعظمه في شمال شرق سوريا، فليس الهدف كما يقولون. |
| السبب الثاني: أنهم يريدون لمصالحهم أن يُنشؤوا هذا الكيان في هذه المنطقة، ليبتزّوا الدول المحيطة من خلاله، مصالح فقط، ليس هناك أي مبادئ عند أمريكا، لا تصدِّقوا يوماً أنها ستتعامل معنا بمبدأ المبادئ، مصالحٌ فقط. |
| ومنذ أيامٍ عندما قاموا بالبلطجة، ودخلوا إلى فنزويلا وسحبوا رئيسها من عُقر داره، لم يسحبوه لأنه تاجر مخدرات، وهو تاجر مخدرات، ولو أرادوا أن يسحبوا تُجَّار المخدرات لسحبوا النظام السوري من عشر سنوات، لأنه كان يتاجر بالمخدرات ويُغرِق المنطقة كلها بالمخدرات، ولو قالوا لأنه ظالمٌ فالنظام السوري كان أظلم منه، هُم لا يريدون لا ظلمه ولا المخدرات، هي حديقةٌ خلفية للولايات المتحدة الأميركية، تريد من خلالها النفط، وفي اليوم الثاني بعد سحبه إلى المُحاكمة، أدخلوا شركات النفط الأمريكية لتعمل عملها، مصالحٌ فقط. |
| ليس من مبادئٍ إلا في شرع الله عزَّ وجل، الدنيا مصالح، هذا الكيان الذي أنشؤوه في شمال شرق سوريا، في نهاية عام 2019 أصبح يُسيطر على رُبع مساحة سوريا، انتهاكات، مجازر موثقة، تجنيدٌ إجباري حتى للأطفال، إعداماتٌ ميدانية، تغيير ديموغرافي في المنطقة عن طريق هدم المنازل وطرد المدنيين، احتجاز عشرات الآلاف من السوريين في مُخيم الهول، تحت عنوان التنظيمات الإرهابية، اعتقالاتٌ في ظروفٍ قاسية، تغييراتٌ واسعة في المناهج الدراسية للعبَث بهوية المُجتمع المُسلم السوري، ولو اطلَّع أحدكم على مناهجهم لرأى عَجَباً عُجاباً، يعبثون بدين الأطفال، ما موقفنا؟ |
ما موقفنا من الأحداث الأخيرة في حلب:
| أولاً: نقف مع دولتنا، ومع جيشنا، ومع قواتنا الأمنية في بسط السيطرة على كامل حلب وكامل الجزيرة إن شاء الله في المُستقبل، في الشمال والشرق وفي الجنوب أيضاً. |
| الأمر الثاني: نقف مع أهلنا في حلب، وندعو الله أن يُفرِّج عنهم، فنحن جسدٌ واحدٌ وأُمةٌ واحدة، وندعو الله في الساعات القليلة القادمة، أن يعود الأمن والأمان لكامل حلب إن شاء الله. |
| من نافلة القول أن نذكُر بأننا جميعاً إخوة عرباً وأكراداً. |
{ يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ }
(أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء والبيهقي في شعب الإيمان)
| والمُشكلة مع التنظيمات الانفصالية وليست بحالٍ أبداً مع إخوةٍ لنا أكراد، فنحن نعتز بكل الأعراق، والعِرق ليس له قيمةٌ في ديننا (لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى) ولا نُشير بتهكُّم ولا بسُخرية، حاشا أن يفعل المسلم ذلك لأي مكونٍ من المكونات السورية حتى من أخطأ، ولا لمكونٍ من مكونات الدنيا، ليس من شأننا أن نُحاكم الناس على أعراقهم. |
| وأخيراً: تحييد المدنيين عن مناطق القتال مطلبٌ شرعيٌ وطني، وهذا ما لمسّنا بوادره لأول مرةٍ في بلدنا ولله الحمد، أنه كان هناك عنايةٌ خاصةٌ جداً جداً بتحييد المدنيين عن مناطق النزاع، لأنَّ قطرة دمٍ واحدة تساوي هدم الكعبة، أو هي عند الله أعظم، فينبغي الانتباه إلى هذا الأمر. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم إنّا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلَم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلَم. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبنا عليك اتكالنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين. |
| اللهم لك الحمد ولك الشُكر على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث من السماء، فأتم اللهم نعمتك علينا واسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين ولا تُعاملنا بفعل المُسيئين. |
| اللهم إنّا نسألك لأهلنا في حلب فرجاً قريباً عاجلاً يا أرحم الراحمين، أن تحقِن دماءهم وأن تُبعِد عنهم كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأن تعود سورية لأهلها آمنةً مُستقرةً يا أرحم الراحمين، وابسُط أمنك وأمانك على ربوع بلادنا يا أكرم الأكرمين. |
| نسألك لأهلنا في غزَّة وفي فلسطين وفي السودان، وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك يا الله، فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين، ونصراً مؤزَّراً على أعدائهم يا كريم. |
| اللهم مُجري السحاب، مُنزِل الكتاب، هازِم الأحزاب، سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهم ومَن وقف معهم في سرٍّ أو علن بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

