التوحيد
فذكّر
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
السوَر التي كان يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد:
| وبعد أيُّها الإخوة الأكارم: فقد جاء في صحيح مسلم: |
{ كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقرَأُ في العيدَينِ وفي الجُمُعةِ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} قال: وإذا اجتَمع العيدُ والجُمُعةُ في يَومٍ واحِدٍ، يَقرَأُ بهِما أيضًا في الصَّلاتَينِ. }
(صحيح مسلم)
| وثبت أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في العيدين سورة ق، وسورة القمر. |
{ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سَألَ أبا واقِدٍ اللَّيثيَّ: ما كان يَقرَأُ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الأضحى والفِطرِ؟ فقال: كان يَقرَأُ فيهما بـ {ق والقُرآنِ المَجيدِ} و{اقتَرَبَتِ السَّاعةُ وانشَقَّ القَمَرُ} }
(صحيح مسلم)
| من اللطائف أنَّ هذه السوَر الأربع، جاء فيها الأمر بالتذكير والحضُّ عليه، السوَر الأربع تشترك في أنها تُذكِّر. |
| أمّا سورة الأعلى ففي قوله تعالى: |
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ(9) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ(10)(سورة الأعلى)
| وأمّا سورة الغاشية ففي قوله تعالى: |
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(21)(سورة الغاشية)
| وأمّا سورة ق ففي قوله تعالى: |
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37)(سورة ق)
| وخُتِمَت: |
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ(45)(سورة ق)
| وأمّا سورة القمر فتكررت فيها آيةٌ وهي قوله تعالى: |
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(22)(سورة القمر)
طبيعة الإنسان أنه ينسى فلا بُدَّ ممن يُذكِّره:
| أيُّها الإخوة الكرام: طبيعة الإنسان أنه ينسى، قال تعالى: |
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)(سورة طه)
| طبيعة الإنسان أنه ينسى، بل قال بعض اللغويين: إنَّ الإنسان مُشتَّقٌ من النسيان، وقال بعضهم: بل من الأُنس لأنه يأنس بالآخرين، وعلى كل حال لا شكَّ أنَّ من طبيعة الإنسان أنه ينسى، يطول به الأمَد فينسى الماضي، فلا بُدَّ ممن يُذكِّره، لا بُدَّ من أن يتذكَّر حتى لا يتمادى في نسيانه، ويكون الإنسان أكثر نسياناً في طبيعة الحال، عَقِب الطاعات وعند كثرة المُلهيات، في أكثر حالتين ينسى الإنسان، عَقِب الطاعات، يُطيع الله عزَّ وجل، يقوم بما أوجبه الله عليه، ثم تفتُر همَّته فينسى، أو عندما تكون المُلهيات عنده كثيرة في الدنيا، فيلتهي بها فينسى مهمته في الحياة، هذه مواطِن النسيان. |
| والأعياد أيُّها الكرام: فيها الصوارف عن طاعة الله عزَّ وجل، لِما يكتنفها من الفرح الذي قد يتَّجه باتجاهٍ مذموم، وفيها أنها تكون دائماً عَقِب الطاعات، فأعيادنا كلها في الأصل طاعات، عيد الفِطر يأتي عَقِب فريضة الصيام، وعيد الأضحى عَقِب فريضة الحج، ولِمَن هُم في ديارهم عَقِب عشرٍ هي من خير أيام الدنيا، عشر ذي الحجة، وكذلك عيد يوم الجمعة، يأتي في ظلال خُطبة الجمعة وصلاتها، فكل أعيادنا مرتبطةٌ بالطاعات، فلرُبما فترَت هِمّةُ الإنسان، ولرُبما في العُطَل والصوارف والفرح ينشغِل عن مهمته، فكان لا بُدَّ من تذكيره. |
| لذلك كما قلت من اللطائف في هذه السوَر الأربع، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها في العيدين وفي الجمعة، أنها كلها ذكرت قضية فذكِّر، لا بُدَّ أن يتذكَّر الإنسان كي لا يتمادى في الغفلة. |
التذكير في سورة الأعلى يكون من خلال النظر في مخلوقات الله:
| أيُّها الإخوة الكرام: أمّا التذكير في سورة الأعلى فيكون من خلال النظر في مخلوقات الله، انظروا إلى أجواء سورة الأعلى: |
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ(2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ(3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ(4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ(5)(سورة الأعلى)
| وبعد هذه الجولة في آيات الله الدالة على عظَمته من الكون، يقول تعالى: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ) فمن أساليب التذكير أن تنظُر في هذا الكون العظيم، وما فيه من آياتٍ باهرة دالةٍ على عظمة الله، فتتذكر الله من خلال مخلوقاته، كم نظرنا إلى الشجرة فقلنا: سبحان الخالق العظيم، فتذكَّرنا الخالق من خلال مخلوقاته، كم تابعنا فيلماً مصوراً يُبيِّن طريقة تخلُّق الجنين، فخشعنا لله تعالى وعظَّمناه وقُلنا: سبحان الخالق العظيم، فالتذكُّر يكون من خلال النظر في مخلوقات الله. |
التذكير في سورة الغاشية من خلال النظر في مآلنا ووقوفنا بين يدي الله يوم العرض:
| أمّا في سورة الغاشية فالتذكير كان من زاويةٍ أُخرى، وهي النظر في مآلنا، وفي وقوفنا بين يدي ربِّنا عند العرض عليه، فيتذكَّر الإنسان عندما لا يغفل عن حقيقةٍ وهي أنه سيقف بين يدي الله تعالى، لذلك سورة الغاشية: |
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)(سورة الغاشية)
| وهي القيامة. |
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2)(سورة الغاشية)
| وفي المقابل: |
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ(8) لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ(9)(سورة الغاشية)
| فيتذكَّر الإنسان عندما يتأمَّل في مصيره، فجاء في ختام السورة: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ). |
التذكير في سورة ق من خلال القرآن الكريم:
| وأمّا سورة ق فالتذكير فيها مُنصبٌ على القرآن الكريم، فيتذكَّر الإنسان عندما يقرأ القرآن، قال تعالى: |
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37)(سورة ق)
| وقال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ). |
التذكير في سورة القمر يكون من خلال الأقوام السابقين ومن أفعال الله الدالة على عظمته:
| وأمّا سورة القمر فكان التذكير فيها من خلال الأقوام السابقين، ومن خلال أفعال الله الدالة على عظمته، انظروا في سورة القمر واقرؤوها جيداً، ففيها مصارع قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود، ولوط، وآل فرعون، وفي ختام كُلٍّ منها يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) هل من يتذكر عندما يرى عظيم أفعال الله تعالى وكيف يُهلِك الظالمين، هل من مُّدَّكِرٍ؟ |
ما معنى أن يتذكر الإنسان؟
| أيُّها الإخوة الأحباب: بالعمق ما معنى أن يتذكَّر الإنسان؟ في ذاكرة كل واحدٍ منّا أشياءً تكون في بؤرة اهتمامه، وأشياءٌ أُخرى في الأطراف لا يتذكرها الإنسان، إلا أن يُذَكَّر بها فيستحضرها، الآن أي واحدٍ منّا هناك شيءٌ الآن يهمه وهو في بؤرة اهتمامه، أحياناً رزقه، أحياناً نسأل الله السلامة ابنه مريض ففي بؤرة اهتمامه مرض ابنه، أحياناً عنده مشكلة مع زوجته ففي بؤرة اهتمامه مشكلته مع زوجته، الأشياء الثانية تذهب إلى الأطراف لأنه لا يستدعيها الآن، فإذا ذكَّرته تذكَّر لكن بقيَت في الأطراف. |
| مثلاً: لو أننا جئنا بحَجَرٍ صغير، وألقيناه في بؤرة ماءٍ ساكنةٍ تماماً، وألقينا هذ الحجر الصغير في الماء الراكد الساكن، ما الذي يحصل؟ الدوائر الأولى تكون واضحة، ثم تبدأ الدوائر تتلاشى شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي، الحجَر في بؤرة الاهتمام وحوله الذاكرة المُهمة، ثم الذاكرة الأقل أهمية، فالأقل أهمية، وكلما توسَّعت الدوائر ذهبت الأمور في ذاكرةٍ بعيدة، ما هو التذكُّر؟ أن تُعيد هذه الأشياء التي أصبحت بعيدة إلى بؤرة اهتمامك، هذا هو التذكُّر، أن تُعيد الاشياء التي ابتعدت إلى بؤرة اهتمامك، وأن تُعيدها إلى المركز. |
المؤمن يضع في مركز اهتمامه طاعة الله عزَّ وجل ورضاه عنه:
| المؤمن يتذكَّر دائماً، بمعنى أنه يضع في مركز اهتمامه طاعة الله تعالى ورضوانه، فهذه قضيته المركزية إن صحَّ التعبير. |
| أحبابنا الكرام: يجب أن يكون رضا الله عنّا في بؤرة اهتمامنا، كيف تقول أنا مشغولٌ الآن، كل اهتمامي مُنصبٌّ على امتحان الرياضيات غداً، الطالب يقول ذلك، كيف يقول الرجُل أنا بؤرة اهتمامي الآن أن أُحصِّل هذه التجارة، وأن أُحصِّل منها ربحاً وفيراً، يجب أن نضع جميعنا في بؤرة اهتمامنا أن يرضى الله عنّا، لا ينبغي أن ننسى هذه الحقيقة فتتلاشى وتذهب في الأطراف، يجب أن تبقى في المركز دائماً، مهما يدخُل إلى المركز من أشياءٍ أُخرى، المؤمن ينشغل، عنده هموم الدنيا، وعنده رزقه، وعنده مستقبل أولاده، وعنده مشكلاتٌ في بيته وخارج بيته، لكن لا يغفل ساعةً أنَّ مركز اهتمامه هو رضا الله تعالى، هذا هو التذكُّر. |
شرط التذكُّر هو الخوف من الله تعالى:
| أيُّها الإخوة الكرام: أمّا شرط التذكُّر فهو الخوف من الله تعالى، انظروا إلى قوله تعالى في سورة الأعلى: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ) الذي يخشى الله يتذكَّر، أمّا الذي لا يخاف الله تعالى تُذكِّره فلا يتذكَّر، وقال تعالى في سورة ق: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) فمَن يخاف وعيد الله والوقوف بين يديه، يقرأ القرآن فيتذكَّر. |
| وقال تعالى: |
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(11)(سورة يس)
أصناف الناس في تعاملهم مع الذكرى:
| الناس أيُّها الأحباب في تعاملهم مع الذكرى على ثلاثة أصناف، فلينظُر كل واحدٍ منّا من أي صنفٍ هو. |
| الصنف الأول: أعاذنا الله وإيّاكم أن نكون منه، القسم الأول لا يستطيع تحمُّل الذكرى، ويُعرِض عن سماعها ويكره المواعظ، قال تعالى: |
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ(50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ(51)(سورة المدثر)
| كيف يفرُّ - أجلَّكم الله - الحِمار من الأسد، حاله كذلك مع التذكرة، لا يطيق أن يجلس في مجلسٍ فيه ذِكر، لا يطيق أن يجلس مجلس عِلم، حتى إذا كان يُتابع على الشاشة، وجاءه مقطعٌ يُذكِّره بالله يتجاوزه فوراً إلى مقطعٍ يُبعده عن الله، مُعرِض والعياذ بالله، هذا هو القسم الاول. |
| القسم الثاني: يسمع الذِكرى بأُذُنه، لا يُعرِض عنها يقول لك: كلامٌ جميل، يسمع الذِكرى بأُذُنه لكنها لا تصل إلى قلبه فلا تفعل شيئاً، يسمعها ويجلس ويُنصِت لكنها لا تصل إلى قلبه، وكأنَّ البث بين الأُذُن والقلب قد انقطع، لأنَّ الله ختم على قلبه بسبب معاصيه وذنوبه الكثيرة. |
| قال تعالى: |
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16)(سورة محمد)
| (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) نموذج، (حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ) بعد انتهاء الموعظة، (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) والعياذ بالله. |
| القسم الثالث: نسأل الله أن نكون منهم، يسمعون الذكرى فيستفيدون منها، قال تعالى: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ). |
| وقال تعالى: |
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا(73)(سورة الفرقان)
| وقال تعالى: |
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(55)(سورة الذاريات)
| المؤمن بالله ينتفع بالذِكرى. |
كلنا بحاجةٍ إلى الذِكرى:
| أيُّها الإخوة الكرام: هذا الفُضَيل بن عياض كان قاطع طريق، يخاف الناس منه، بل إنه قيل من الطرائف أنَّ الأُم كانت إذا أرادت أن ينام ابنها قالت له نمّ وإلا أعطيتك للفُضَيل، تُخوّفه، وهذا لا يصح في التربية طبعاً لكن تفعل ذلك، وهذا الرجُل كان قاطع طريق، وخرج يوماً يتسوَّر جداراً ليسرق، فسمع صاحب الدار يقرأ: |
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ(16)(سورة الحديد)
| فقال: بلى يا ربّ قد آن، فنزل من فوره، واستغفر ربَّه، وأصبح من كبار العُبَّاد. |
| وهذا عبد الله بن المُبارك رأى رجُلاً غارقاً في المعاصي واللهو في الطريق، فقال له بكل لطف: يا هذا لو مُتَّ الآن على أي حالٍ تلقى الله؟ الآن جاء مَلَك الموت على أي حالٍ تلقى الله؟ فارتجف الرجُل، وسكت وكأنها صاعقةٌ أيقظته من غفلته، أطرق برأسه قليلاً ثم قال: أستغفر الله، بل أتوب إلى الله من ساعته. |
| كلنا بحاجةٍ إلى الذِكرى، فلا تبخَل بسماع ذِكرى، ولا تبخَل بتذكير غيرك، لا تقُل هذا الولد لا رجاء منه، أُكلمه فلا يستجيب، ذكِّره، لا تقُل هذا شريكي في العمل كم مرةً نبَّهته لكنه مُصِرٌّ على عدم الصلاة، ذكِّره بلطف، لا تترك الذِكرى، رُبما كلمةٌ واحدة لا تُلقي لها بالاً، تنهض بإنسانٍ وتُعيده إلى جادة الصواب، لا تبخَل بالتذكير عبر وسائل التواصل، لا تبخَل بالتذكير عبر المعرفة المباشرة، في المجالس مع الأرحام، لا تبخَل بكلمةٍ لعلَّها تُصادف قلباً أنهكته الذنوب والمعاصي، فيتوب إلى الله فيكون لك فيه الأجر، و كلنا بحاجةٍ إلى الذِكرى وإلا فإنَّ القلب يقسو، قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ). |
ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع الأعمال الصالحة والطاعات:
| مناسبة هذه الخُطبة أيُّها الكرام: أننا خارجون من رمضان، ونعوذ بالله من الغفلة بعد الطاعة، أو من العودة إلى المعاصي، أو ترك الطاعات. |
| قلت اليوم في خُطبة العيد: |
| ودَّعنا رمضان، لكننا لن نودِّع المُصحف. |
| ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع المساجد. |
| ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع قيام الليل. |
| ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع غضَّ البصر وحفظ اللسان. |
| ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع الأعمال الصالحة. |
| ودَّعنا رمضان لكننا لن نودِّع بعض صيام النفل. |
| انظروا إلى هذا الملمح، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ مَن صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعَهُ ستَّةَ أيَّامٍ من شوَّالٍ، فَكَأنَّما صامَ الدَّهرَ }
(أخرجه مسلم والترمذي وأحمد)
| لماذا من شوال؟ حتى لا نغفل بعد الطاعة، يقول لك: بادر فوراً إلى ست أيامٍ من شهر شوال، من أجل أن تصل عملك الصالح، من أجل أن تعتاده، من أجل أن لا تغفل، ألم تذُق حلاوة الصيام في ثلاثين يوماً؟ عليك بستٍ أُخرى، أجعلُها لك كصيام الدهر، حتى تأتي شيئاً ليس مفروضاً عليك، ولا تأثم إن تركته، لكنك تفعله حُبّاً بالله، وحُبّاً بهذه الفريضة العظيمة. |
| أيُّها الكرام: حتى نبقى ذاكرين لا بُدَّ من أن نُتابع في الطاعات بعد رمضان، لأنَّ الأعياد يجب أن تكون ذِكرى للغافلين، وأن لا تكون غَفلةً للذاكرين. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم لك الحمد على ما أتممت علينا نعمتك من صيام شهرنا وقيام ليله، اللهم فتقبَّل منّا أعمالنا بخير ما تتقبَّل منه عبادك الصالحين يا أرحم الراحمين. |
| اللهم وأعِدهُ علينا بالخير واليُمنِ والبركات. |
| اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. |
| اللهم إنّا نسألك فرجاً عاجلاً لأهلنا في غزَّة وفي فلسطين وفي السودان، وفي كل مكانٍ يا أرحم الراحمين. |
| اللهم فرِّج هم المهمومين ونفِّس كرب المكروبين وأدخِل السرور على قلوبهم يا أرحم الراحمين. |
| اللهم إنَّ الصهاينة قد بغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصُبَّ عليهم من عندك سوط عذاب إنك لهم لبالمرصاد. |
| اللهم إنَّ المسجد الأقصى مسرى نبينا، وأولى قِبلتَينا، وثالث حرَمَينا قد حُرِم المسلمون الصلاة فيه، وأغلق الصهاينة أبوابه متآمرين عليه، نسألك اللهم أن تجعل كيدهم في نحورهم، وأن تحرره بأيدينا من رجزهم ونجَسِهم، وأن ترزقنا فيه صلاةً قبل الممات، فاتحين مُحررين يا أرحم الراحمين. |
| وأن تُديم الأمن والأمان في ربوع بلادنا، وأن تجعلها مُستظِلةً بكتابك وسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

