• خطبة جمعة
  • 2026-04-24
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

اُمحُها يا عليّ - ٢

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

بعض شروط صلح الحُديبية:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: ففي السنة الثالثة للهجرة، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفٍ وأربعمئةٍ من أصحابه إلى العُمرة، ولمّا نزلوا بالحُديبية منعتهم قريشٌ من دخول مكَّة، وانتهى الأمر بتوقيع هُدنةٍ مُدَّتها عشر سنوات، عُرِفَت فيما بعد بصُلح الحُديبية، أملى رسول الله صلى الله عليه وسلم شروط الصُلح، وكتبها عليُ بن أبي طالب، اكتُب يا علي:
<<بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فوالله لا ندري ما هو، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهُمَّ، فأمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً أن يكتُبها كذلك، ثم أملى عليه: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله، فقال سهيل: لو أننا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتُب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعليّ: امحُها يا عليّ، فقال عليٌّ رضي الله عنه: والله لا أمحوك أبداً، فمحاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب عليٌّ: محمد بن عبد الله>>.

ماذا علَّمتنا عبارة "امحُها يا علي"؟
علَّمتنا هذه العبارة: "امحُها يا علي" كما أسلفنا في الخُطبة السابقة فقه الأولويات، أن نُقدِّم شيئاً وأن نؤخِّر شيئاً، دون تفريطٍ بديننا، ولا مساسٍ بثوابتنا، وعلَّمتنا أيضاً أن نترك الجَدَل الهادِر للأوقات، وألّا نُركِّز على خلافٍ لا ينبني عليه عمل، وإنما نقول: امحُها ونتجاوز إلى العمل بما يُرضي الله تعالى.
واليوم نُتابع الحديث عن الدروس المُستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم: "امحُها يا علي"، فهي كما قلت في الخُطبة السابقة، ليست مُجرَّد عبارةٍ قيلت، وإنما هي استراتيجيةٌ بالعُرف الحديث، يجب أن نتعلم منها الكثير.

لا بأس بخسارةٍ لحظية من أجل مغانم استراتيجيةٍ مستقبلية:
"امحُها يا علي" تُعلِّمنا أنه لا بأس بخسارةٍ لحظية، من أجل مغانم استراتيجيةٍ قادمةٍ مستقبلية، رُبما بدا للكثيرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّ مَحوَ العبارة كان تنازُلاً أو خسارةً، هكذا رأوه، بل إنَّ شروط الصُلح كلها بدت في ظاهرها مُجحِفةً بحقِّ المسلمين.
حيث قضى الصُلح كما تعلمون، أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هذا العام، فلا يقضي وأصحابه العُمرة، إلا في العام القادم.
كما قضى الصُلح أنَّ مَن يأتي من قريش مسلماً، يردُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مادام جاء بغير إذن أهله، بينما لا تَردُّ قريشٌ من يأتيها مُرتدَّاً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما قضى الصُلح أنَّ من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمدٍ صلى الله عليه وسلم من غير قريشٍ دخل فيه.

{ كُنَّا بصِفِّينَ، فقامَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ، فقال: أيُّها النَّاسُ اتَّهِموا أنفُسَكُم، فإنَّا كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ الحُدَيبيةِ، ولو نَرى قِتالًا لَقاتَلنا، فجاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، ألَسنا على الحَقِّ وهُم على الباطِلِ؟ فقال: بَلى، فقال: أليسَ قَتلانا في الجَنَّةِ وقَتلاهم في النَّارِ؟ قال: بَلى، قال: فعَلامَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دينِنا، أنَرجِعُ ولَمَّا يَحكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟ فقال: يا ابنَ الخَطَّابِ، إنِّي رَسولُ اللهِ، ولَن يُضَيِّعَني اللهُ أبَدًا، فانطَلَقَ عُمَرُ إلى أبي بَكرٍ فقال له مِثلَ ما قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّه رَسولُ اللهِ، ولَن يُضَيِّعَه اللهُ أبَدًا، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ فقَرَأها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على عُمَرَ إلى آخِرِها، فقال عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، أوفَتحٌ هو؟ قال: نَعَم }

(أخرجه مسلم وأحمد)

يقول عُمر بعد ذلك: "فما زلت أصوم وأتصدَّق وأُعتِق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذٍ، لعلَّ الله يغفر لي".
كان صُلح الحُديبية باباً لفتح مكَّة، ودخل في سنتين في الإسلام، أضعاف ما كان قبل ذلك وأكثر، فقد خرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحُديبية بألفٍ وأربعمئة، ثم عاد في العام القادم لفتح مكَّة ومعه عشرة آلاف.

بوادر فتح مكَّة كانت في صلح الحُديبية:
أيُّها الإخوة الأكارم: في أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلح إلى المدينة يقول:

{ لقد أُنزِلَتْ عليَّ الليلةَ سورةٌ لهي أحَبُّ إليُّ مما طلعت عليه الشمسُ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا }

(أخرجه البخاري والترمذي وأحمد)

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا(1)
(سورة الفتح)

يقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: "إنكم تعدّون الفتح فتح مكَّة - إذا قرأنا الآية فهمنا أنه فتح مكَّة- ونحن نعدُ الفتح صُلح الحُديبية"، فقد أُنزِلت في صُلح الحُديبية، وكان الفتح بعد عام، فبوادر الفتح وبدايته كانت في هذا الصُلح، الذي كان في ظاهره تنازلاً أو تراجعاً، وكان في حقيقته قفزةً إلى الأمام، لا يعلم نتائجها وخيراتها إلا الله.
أيُّها الإخوة الكرام: لقد كانت "امحُها يا علي"، بل كان الصُلح كله خطوةً إلى الوراء فيما يبدو، لكنه كان من أجل قفزةٍ مُبهرةٍ إلى الأمام، مع التأكيد على أنه لم يكن في "امحُها يا علي"، ولا في الصُلح، أيُّ تفريطٍ في الثوابت، وأيُّ عبثٍ بالأصول، بل كان تُحرُّكاً ضمن المساحة الشرعية، كل التحرُّك كان ضمن المساحة الشرعية، ولئن استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الاستراتيجية في علاقته مع أعدائه، فما أحوَجنا أن نستخدمها اليوم فيما بيننا، ليس عيباً ولا إهانةً، أن تتنازل لزوجتك في أمرٍ دُنيوي، لتكسِب قلبها وتبني معها بيتاً عامراً بالإيمان، ليس ضعفاً أن تخفِض جناحك لأُمك وأبيك، في سبيل كسب رضاهُما، ولو بدا لك الحقُّ في خلاف ما يقولانه، مادام ليس مخالفةً لشرع الله تعالى، لا يضرك أن ترجع خطوةً مدروسةً إلى الوراء، في علاقتك مع ابنك الشاب، من أجل قفزةٍ نوعيةٍ يقفز بها إلى الأمام، رُبما لا يحلو لك شيءٌ يفعله، لكنك تتغافل عنه، وتتراجع خطوةً إلى الوراء لتُعلِّمه وتنهض به من جديد.

ينبغي أن تكون ليِّناً بيد من كانت نيَّته خيراً:
أيُّها الإخوة الكرام: في صلاة الجماعة يقول الإمام صلى الله عليه وسلم:

{ أَقيموا الصفوفَ وحاذُوا بالمناكبِ وسُدُّوا الخَلَلَ، ولِينوا بأيدي إخوانِكم، ولا تذَرُوا فُرُجاتٍ للشيطانِ، ومن وصل صفًّا وصلَهُ اللهُ ، ومن قطع صفًّا قطعَه اللهُ }

(أخرجه أبو داوود وأحمد والطبراني)

ما معنى ذلك؟ كونوا ليّنين بيد من أراد أن يضبِط بكُم الصف ويُسويّه، فلا تتشددوا معه، ولا تمنعوه أن يُسوّي الصف، أنت واقفٌ في الصف، وجاء أخٌ وأخذ بيدك ليُسوّي الصف، لِنّ بيده، اذهب معه، تحرَّك فهو يُريد خيراً، قد يبدو فعله أحياناً فيه شيءٌ من الفظاظة، لكن نيَّته خير، يُريد أن يُسوّي الصف (لِينوا بأيدي إخوانِكم) هذا منهجٌ في التعامل بين الإخوة أيُّها الكرام، أن تكون ليِّناً بيد من كانت نيَّته خيراً، وإن وجدت في سلوكه بعض الفظاظة، ولكن مادام أخاً لك مسلماً فلِن له.
أيُّها الإخوة الكرام: كانت العرب تقول: "إذا عزَّ أخوك فهِن" بمعنى أنَّ أخاك إذا اشتدَّ وتصلَّب في مسألةٍ ما، فكن ليِّناً له وطاوعه، مادام ليس هناك مخالفةٌ شرعية، "إذا عزَّ أخوك فهِن" طبعاً يروي البعض المَثَل فيقول: "إذا عزَّ أخوك فهُن" روايةٌ ثانية، أي إذا كان عزيزاً فكن هيِّناً، لكن العرب لا يليق بها الهوان، ولا تقول ذلك، العرب لا تقول كُن مَهيناً، لكن كُن هيِّناً ليِّناً، فالرواية الأصَحّ: إذا عزَّ أخوك فهِن، أي فلِن في يده، لا تكن قاسياً كما كان قاسياً.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول صلى الله عليه وسلم لمّا سُئل مَن يَحرُم على النار؟

{ حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ }

(أخرجه الترمذي وابن حبان والطبراني)

الهيِّن الليِّن السهل القريب يَحرُم على النار.

"امحُها يا علي" تُعلِّمنا فقه الموازنات:
أيُّها الإخوة الأحباب: "امحُها يا علي" تُعلِّمنا فقه الموازنات، أن توازن بين خيرين، فتختار أعظمهما خيراً وأجراً، وأن توازن بين شرّين فتختار أقلهما شراً، وقد قالوا: "ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ، ولكن من يعلم خير الخيرين، وشرَّ الشرَّين".
ومما يُنسَب لعُمر رضي الله عنه: "ليس بخيركم مَن عرَف الخير، ولا مَن عرَف الشرّ، ولكن مَن عرف الشرَّين ففرَّق بينهما واختار أيسرهما".
يقول صلى الله عليه وسلم:

{ أتيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في رَهْطٍ منَ الأشعريِّينَ نستحمِلُهُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: واللَّهِ ما أحملُكُم وما عِندي ما أحملُكُم عليهِ قالَ: فلبِثنا ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ أُتِيَ بإبلٍ، فأمرَ لَنا بثلاثةِ ذَودٍ غرِّ الذُّرَى، فلمَّا انطلَقنا، قالَ بعضُنا لبَعضٍ: أتَينا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ نستَحملُهُ، فحلفَ ألَّا يحمِلَنا، ثمَّ حملَنا، ارجِعوا بنا، فأتيناهُ، فقُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا أتَيناكَ نستَحمِلُكَ فحَلفتَ أن لا تَحمِلَنا، ثمَّ حَملتَنا، فقالَ: واللَّهِ ما أَنا حَملتُكُم، بلِ اللَّهُ حملَكُم، إنِّي واللَّهِ، إن شاءَ اللَّهُ، لا أحلِفُ على يَمينٍ، فأرى خيرًا منها إلَّا كفَّرتُ عَن يميني، وأتيتُ الَّذي هوَ خيرٌ، أو قالَ أتيتُ الَّذي هوَ خيرٌ، وَكَفَّرتُ عَن يَميني }

(أخرجه البخاري ومسلم)

هناك خير، وهناك ما هو أكثر خيراً منه، خير الخيرين، كثيراً ما نكون بين أمرين كلاهُما خير، لكن عندما يكون النفع بالأول قاصراً، ويكون النفع بالثاني مُتعدّياً، فلا بُدَّ أن نختار خير الخيرين، وكثيراً ما نكون بين شرَّين، لكننا ندفع الشرّ الأعظم بالشرّ الأقل، وهذا من الفقه.
كان عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:

{ أنَّه كان معتكِفًا في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأتاه رجلٌ فسلَّم عليه، ثمَّ جلس، فقال له ابنُ عبَّاسٍ: يا فلانُ، أراك كئيبًا حزينًا، قال: نِعمَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ، لفلانٍ عليَّ حقٌّ، لا وحُرمةِ صاحبِ هذا القبرِ ما أقدِرُ عليه، قال ابنُ عبَّاسٍ: أفلا أكلِّمُه فيك؟ قال: إن أحببتَ، قال: فانتعل ابنُ عبَّاسٍ ثمَّ خرج من المسجدِ، فقال له الرَّجلُ: أنسيتَ ما كنتَ فيه؟ قال: لا، ولكنِّي سمِعتُ صاحبَ هذا القبرِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والعهدُ به قريبٌ - فدمِعت عيناه - وهو يقولُ: من مشَى في حاجةِ أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكافِ عشرِ سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالَى جعل اللهُ بينه وبين النَّارِ ثلاثةَ خنادقَ أبعدَ ما بين الخافِقَيْن }

(أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والخطيب في تاريخ بغداد وابن الجوزي في العلل المتناهية)

ابن عباس هو الذي بادره، قال: (يا فلانُ، أراك كئيبًا حزينًا، قال: نِعمَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ، لفلانٍ عليَّ حقٌّ) أي دَين (لفلانٍ عليَّ حقٌّ، لا وحُرمةِ صاحبِ هذا القبرِ ما أقدِرُ عليه، قال ابنُ عبَّاسٍ: أفلا أكلِّمُه فيك؟) من أجل أن يؤجِّل دَينَك أو يُعفيكَ منه (أفلا أكلِّمُه فيك؟ قال: إن أحببتَ، قال: فانتعل ابنُ عبَّاسٍ) أي لبس نعليه (ثمَّ خرج من المسجدِ) استغرَب الرجُل (فقال له الرَّجلُ: أنسيتَ ما كنتَ فيه؟) أنت مُعتكِف والمُعتكِف لا يخرُج إلا لضرورة فكيف خرجت؟ (قال: لا، ولكنِّي سمِعتُ صاحبَ هذا القبرِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والعهدُ به قريبٌ - فدمِعت عيناه - وهو يقولُ: من مشَى في حاجةِ أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكافِ عشرِ سنين).
ويقول:

{ أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ، أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ - يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه، ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له، ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ }

(الألباني صحيح الترغيب)

هذا هو الفقه، هذا فقه الموازنات، الاعتكاف خير لا يقول أحدٌ غير ذلك، ولزوم شروطه خير لا يقول أحدٌ غير ذلك، ولكن المشي مع أخٍ لك في حاجةٍ، عبادةٌ يتعدّى نفعُها إلى الآخرين، فقدِّمها على العبادة القاصرة.
أيُّها الإخوة الكرام: حدَّثني بعض الكرام، عن مُعلِّمةٍ لها عشرات الطالبات، تقوم على تربيتهنَّ وتعليمهنَّ، وحدَّثني أنَّهُنَّ يُبادلنها حُبَّاً بحُب، ويعملنَ بكل ما تأمُرهُنَّ به من معروفٍ، فأكبرت المرأة، وعَظُمت عندي مكانتها جزاها الله خيراً، ثم علمت أنها لا تقوم على بيتها، ولا تُعطي زوجها وأولادها وقتهم، فهي في غالب وقتها خارج البيت في أعمالها التطوعية، فتغيَّرت نظرتي إليها.
حُدِّثتُ عن رجُلٍ لا يمضي عامٌ وإلا ويحُجَّ بيت الله الحرام، أو يعتمِر عُمرةً نافلة، فأكبرتُ فيه رغبته في العبادة وحرصه عليها، ثم علمت أنَّ في أقرب الناس إليه، مُحتاجين ينتظرون نفقته وصدقته، وأنه لا يلتفِت إليهم فأسِفتُ لحاله.
رأيت بعَينَي في رمضان الماضي، جمعاً من المُصلّين يُحيون ليالي العشر في المساجد، فكم عَظُم ذلك في نفسي، ثم رأيتهم يذهبون إلى بيوتهم مُتعبين قبل صلاة الفجر، ولا يرجِع منهم لأدائها في جماعةٍ إلا القليل، فتعجَّبتُ من حالهم!
حدَّثني أُستاذي يوماً، أنَّ امرأةً قامت الليل كله، ثم صلَّت الفجر ونامت، ولمّا استيقظ أولادها الصغار إلى المدرسة، لم يجدوا مَن يقوم على أمرهم، أو يُرتِّب خروجهم من البيت، فهذا نسيَ كتابه، وذاك نسيَ طعامه، والثالث لم يُرتِّب ثيابه، ثم قال لي أُستاذي: لو أنها استيقظت قبل الفجر بربع ساعة، فصلَّت ركعتين، ثم صلَّت فريضة الفجر، ثم دفَّأت بيتها وأيقظت أولادها، واعتنَت بثيابهم وواجباتهم وطعامهم، لكان خيراً لها عند ربِّها، لأنَّ الله أقامها أُمَّاً فعبَدت الله تعالى فيما أقامها.

عبادة الهوية:
أيُّها الإخوة الكرام: كلُّ واحدٍ منّا أقامه الله تعالى في موضعٍ، فعبادته الأولى أن يعبُد الله فيما أقامه، فعبادة الطبيب الأولى بعد الفرائض طبعاً، بعد ما افترضه الله، عبادة الطبيب الأولى أن يسهر على مرضاه، المُحامي أقامه الله مُحامياً، فعبادته الأولى بعد فرائض الله تعالى، أن يُحقّ الحقّ وأن يُبطِل الباطل، قدر ما يستطيع أن يستنفذ جُهده في ذلك.
الطالب أقامه الله طالباً، عبادته الأولى بعد الفرائض، أن يدرُس وأن يجدَّ وأن يجتهد فيما أقامه الله فيه ليُعلي شأن أُمته.
المُعلِّم أقامه الله مُعلِّماً، فعبادته الأولى بعد الفرائض، أن يُخلِص في تعليم طلابه، وفي تربيتهم، وفي تصحيح واجباتهم، وفي إقامة العدل بينهم، هذه عبادة الهوية، كل إنسانٍ ينظُر في هويته فيقول: مَن أنا؟ أي هويةٍ أنا عليها؟ أي هويةٍ أمتلكها؟ من أجل أن أعبُد الله تعالى فيما أقامني، هذا فقه الموازنات، أن يوازن الإنسان بين خيرين فيختار خيرهما، وأن يوازِن بين شرَّين فيختار أقلَّهما، وهذه استراتيجية "امحُها يا علي".

الفقيه من يختار خير الخيرين ويبتعد عن شرّ الشرَّين:
أيُّها الإخوة الكرام: نحن كثيراً ما نقع في حياتنا بين خيرين أو بين شرَّين، فالفقيه من يختار خير الخيرين ويبتعد عن شرّ الشرَّين، فيُقدِّم ما حقّه التقديم، ويؤخِّر ما حقّه التأخير، كيف يكون ذلك؟ تسأل أهل العلم:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)
(سورة النحل)

أنا مُقدِمٌ على حَجٍّ نافلة، وابني في سنّ الزواج، وليس معي مبالغ كافية، فأيهُما أُقدِّم؟ يسمَع منك ويُجيبُك.
أنا اُريد أن أُعلِّم لكن أولادي صغار، امرأةٌ تسأل كيف أوفِّق بينهما؟ ما الحقوق التي عليّ وما الواجبات؟ فيُجيبُك، لكن بالعموم خُذ قاعدةً ذهبية: "إن استلبس عليك أمرٌ فاعلم أنَّ العبادة التي يتعدّى نفعُها إلى الآخرين، دائماً مُقدَّمةٌ في الخير على العبادة التي يقتصِر نفعُها عليك".
كل ذلك بعد الفرائض، فلا يقول إنسان: بدلاً من صلاة الظهر أنا أُساعد إنساناً، هذه فريضة بعد إتيان الفرائض واجتناب المُحرَّمات، هذه قطعيات لا يُمسُّ بها، الآن ما الذي أُقدِّم في خير الخيرين؟ أسأل أهل الذِكر، وأضع نُصبَ عينَي أنَّ أي عبادةٍ يكون نفعُها متعدِّياً إلى الآخرين، فهي خيرٌ مما يكون نفعه قاصراً على الشخص نفسه.
لذلك دائماً في الكفَّارات، في كفَّارة اليمين إطعام عشرة مساكين، فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام، صيام الأيام الثلاثة خيرٌ عظيم، لكن نفعه غالباً في أكثره يقتصِر على الصائم، بينما إطعام عشرة مساكين، يصل النفع إلى عشر أُسرٍ، فبدأ المولى جلَّ جلاله بالنفع المُتعدّي، ثم جاء إلى النفع الأقل القاصر على الشخص نفسه.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
أيُّها الإخوة الأحباب: صباح السوريين اليوم، بل صباح كل حُرٍ سَويٍّ ليس كأي صباح، شاهَدوا الجريمة النكراء بأعينهم بفصلها الأول، واليوم يرون قاتلهم ذليلاً مَهيناً.

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ(14)
(سورة التوبة)

مُرتكِب مجزرة التضامن، التي رآها الجميع بأعينهم، ثم رأوا القاتل مُقاداً ذليلاً مَهيناً إلى العدالة، صباحهم ليس كأي صباح، هناك جرائمٌ كثيرة لم نرَها ولكن الله رآها، وحسبُنا أنَّ الله سميعٌ بصير، كفى به شهيداً، وكفى به حسيباً (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ).
ما أشدَّ فرحة المظلومين برؤية ظالمهم في يد العدالة، كيف سيكون حالنا يوم القيامة ونحن نرى الطُغاة في نار جهنم يُقادون بالسلاسل؟

وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ(21)
(سورة الحج)

يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ(20)
(سورة الحج)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)
(سورة النساء)

اللهم ربَّنا لك الحمد في الأولى أن أريتنا مصير بعضهم، ولك الحمد في الآخرة إذ سنرى مصير كلهم، أنت الحقّ وقولك حقّ، والجنَّة حقّ والنار حقّ.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولَّنا فيمَن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقرِّبُنا إليك.
اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم فارِج الهم كاشف الغم، مُجيب دعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها فرجاً من كل همٍّ يا أرحم الراحمين.
اللهم إنّا نسألك أن تكشف كُربتهم، وأن تُطعِم جائعهم، وأن تكسو عريانهم، وأن ترحم مُصابهم، وأن تؤوي غريبهم، وأن تجعل لنا في كل ذلك عملاً مُتقبَّلاً وسهماً صالحاً يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بالجبابرة والطُغاة، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجزونك.
اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين، اللهم عليك بهم وبمَن والاهم وبمَن أيَّدَهم وبمَن وقف معهم في سرٍّ أو عَلَن، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.