• خطبة جمعة
  • 2026-07-03
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

ففرُّوا إلى الله

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليُخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
أيُّها الإخوة الكرام: سافر رجُلٌ إلى مدينةٍ بعيدة، نام في أحد فنادقها، وفي الصباح نزل إلى موظف الاستقبال وسأله: إلى أين أذهب؟ استغرب الموظف من سؤاله وقال له: لماذا أنت هُنا؟ ما الذي جاء بكَ؟ إن كنت جئت سائحاً فعليك بالمقاصف والمُتنزَّهات، وإن جئت طالباً فعليك بالمعاهد والجامعات، وإن كنت تاجراً فعليك بالمصانع والشركات، فقُل لي لماذا أنت هُنا، لأقول لكَ أين تذهب وكيف تتحرك.

القاعدة الأولى: لن تصِحَّ حركتك حتى تعرف هدفك
القاعدة الأولى في هذه الخُطبة الطيِّبة: لن تصِحَّ حركتك حتى تعرف هدفك، ولن تصِحَّ حركة الإنسان في الحياة حتى يعرف لماذا هو في الحياة؟ وما الذي جاء به إليها؟ وما المطلوب منه؟ وإلا كيف تصِحّ حركته وهو لا يعرف هدفه؟!
ربُّنا جلَّ جلاله يُخبرنا في قرآنه عن قومٍ هُم الأخسرون أعمالاً، قال:

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)
(سورة الكهف)

ألا تُريد أن تعرفهم؟ قال:

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
(سورة الكهف)

يتحركون لكن لا يعرفون الهدف، فتحركوا بخلاف الهدف، جيءَ بهم إلى الدنيا لعبادة الله، فتحركوا لعبادة الدرهم والدينار (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) يقول لك في زمنٍ قصير جمعت مالاً كثيراً، استطعت أن أصل بالحرام - والعياذ بالله - إلى هذه الفتاة (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تحركوا تحركاً خاطئاً (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).
إذاً القاعدة الأولى: لن تصِحَّ حركتك حتى تعرف هدفك.

القاعدة الثانية: لن تسعَد حتى تكون حركتك متوافقةً مع هدفك
الآن: طالبٌ عنده امتحانٌ مصيري يُحدِّد مستقبله، امتحانٌ مهمٌ جداً، قبل يومٍ من الامتحان، وهو مُنهمِكٌ في دراسته، وما يزال لديه الكثير ليُنجِزه، جاء رفاقه وأقنعوه، أن يخرُج معهم في نُزهةٍ جميلة، فخرج معهم، وفي النُزهة كان الجميع مُستمتعين بالهواء العليل، والماء الدفَّاق، والمناظر الجميلة، لكنه كان قابعاً وهو مُكتئبٌ، لماذا؟ لأنَّ حركته بخلاف هدفهِ، هدفهُ الامتحان، والمُفترَض أن يكون الآن مع الكتُب وليس بين المناظر الجميلة.
إذاً القاعدة الثانية: لن تسعَد حتى تكون حركتك متوافقةً مع هدفك، لا يمكن للإنسان أن يسعَد وأن يطمئن وأن تسكن روحه، وهو يتحرك بخلاف الهدف الذي خُلِقَ من أجله، لذلك عندما نقرأ قوله تعالى:

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)
(سورة النحل)

نفهم أنَّ هذه الحياة الطيِّبة، ليست حياةً طيِّبةً لا ابتلاءاتٍ فيها، ولا فقرٍ، ولا مرضٍ، ولا فَقدٍ للأحباب، فيها كل ذلك، لكنها حياةٌ طيِّبة، لأنَّ الإنسان يشعُر أنه يتحرك وفق هدفه، تماماً كهذا الطالب، المُتعَب المُجهَد الذي يدرُس، ولكنه مُطمئنٌ لأنَّ حركته ضمن أهدافه، وهدفه أن ينجح في الامتحان، لكنه لم يسعَد في النُزهة، رغم أنها جميلةٌ ومُمتِعة، ومع رفاقٍ يُحبِّهُم، ومع مناظرٍ جميلة، لكنها حركةٌ بخلاف الهدف، فلا تُسعِد الإنسان.
إذاً القاعدة الأولى: لن تصِحَّ حركتك حتى تعرف هدفك.
والقاعدة الثانية: لن تسعَد حتى تأتي حركتك مُطابقةً للهدف الذي تسعى إليه، من هُنا نفهم أيضاً قوله تعالى:

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ(124)
(سورة طه)

وهو في قصره، وهو بين خدمه وحشمه، لكنَّ ضيق القلب عنده لا يُفارقه، لأنه يتحرك في الحياة، بخلاف الهدف الذي خُلِقَ من أجله، وانظروا إلى أنَّ الله تعالى قال عن المؤمنين: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وعن المُعرضين: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً) ولم يقُل حياةً، لأنه لا حياة لغير الإيمان، فالحياة حياة الإيمان، أمّا الكافر فيعيش لكنه لا يحيا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)
(سورة الأنفال)

فالحياة في الإيمان.

القاعدة الثالثة: على قدر عِظَم الهدف تكون الحركة
أيُّها الإخوة الكرام: القاعدة الثالثة: على قدر عِظَم الهدف تكون الحركة، كلما عَظُمَ هدفك كانت حركتك أعظم، فعلى قدر هدفك وعِظَم هدفك تكون حركتك، لمّا ذكر الله تعالى في القرآن الرزق، وكلنا نسعى على رزقنا، ويجب أن نسعى، وأن نمشي في مناكب الأرض، لمّا ذكر الله تعالى الرزق قال:

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(15)
(سورة الملك)

المشي (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) الرزق يناسبه المشي، لكن لمّا ذكر المولى جلَّ جلاله الصلاة قال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9)
(سورة الجمعة)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) لأنها صلاة، والسعي هو المشي السريع، وهُنا طبعاً لا نقصد الإسراع إلى الصلاة بالحركة، وإنما الإسراع بالقلب، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

{ إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تَأتوها وأنتُمْ تَسعونَ، ولَكِن ائتوها وأنتُمْ تمشونَ، وعليكُمُ السَّكينةَ فما أدرَكْتُمْ فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتمُّوا }

(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)

الحركة مشي، لكن حركة القلب (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ).
ولمّا ذكر المولى جلَّ جلاله الجنَّة، لم يذكُر مشياً ولا سعياً، ولكنه ذكر مُسارعةً ومُسابقة، قال:

وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)

(سَارِعُوا) الجنَّة تحتاج إلى مسارعةٍ بالأعمال الصالحة، بالخيرات، لكن لمّا كان الهدف هو الله تعالى جلَّ جلاله، لم يذكُر المولى مشياً ولا سعياً ولا مُسارعةً ولا مُسابقةً، ولكنه ذكر فِراراً، فقال:

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(50)
(سورة الذاريات)

فعلى قدر عِظَم الهدف تكون حركة الإنسان، فإذا كان هدفك هو الله، فإنَّ حركتك فِرارٌ إليه، ليس مشياً ولا سعياً وهو المشي السريع، ولا مُسارعةً ولا مُسابقةً، لكنه فِرارٌ إلى الله.
أيُّها الإخوة الكرام: لنقرأ الآيات التي جاء في سياقها الفِرار إلى الله، ولنحاول بمعيَّتكم أن نستنبط صفات الفار إلى الله، لعلَّنا نكون من هؤلاء، قال تعالى:

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ(48) وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(51)
(سورة الذاريات)

الفِرار إلى الله من كل شيءٍ سوى الله، الفِرار إلى الله من شهوات الدنيا وشُبهاتها إلى الله تعالى، الفِرار من المظاهر والرسوم إلى الحقائق والأصول، الفِرار من ظلم المخلوقين إلى عدل الخالق جلَّ جلاله، الفِرار من التشتُّت والضياع إلى الثبات والسكينة التي عند الله.

صفات الفار إلى الله:
ما صفات الفار إلى الله من خلال هذه الآيات؟

الصفة الأولى: الفار إلى الله يعرف ربَّه ويُعظِّمه
الصفة الأولى: أنَّ الفار إلى الله يعرف ربَّه ويُعظِّمه، فالإنسان إذا أراد أن يهرُب من خطرٍ، فإنَّ أول ما يخطُر في باله أن يهرُب إلى عظيمٍ يعرفه، حتى يحميه ويؤويه، فهو لا يفر إلى الضُعفاء، يفر إلى الأقوياء، إلى العُظماء الذين يملكون حمايته، فأول صفةٍ في الفار إلى الله، أنه يعرف ربَّه حقَّ المعرفة، ويُعظِّم ربَّه حقَّ التعظيم.
انظروا إلى سياق الآيات: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) ما يزال عدد المجرات في الكون حتى الآن لُغزاً، كانوا يعدّون المجرات بالآلاف، ثم عدّوها بمئات الألوف، ثم عدّوها بالملايين، ثم بالمليارات، واليوم يقولون: إنه يُقدَّر أنَّ في كوننا المرئي تريليوني مجرة (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) السماء بناءٌ ليست فراغاً كما كان يُعتقَد، هي مبنيةٌ بإحكامٍ وترابُط (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).
واليوم يحتار الفلكيون في ظاهرة توسُّع الكون (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) كشفت أحدث الدراسات، أنَّ أنواع النباتات والحيوانات، ليس أعداداً بل أنواع النباتات والحيوانات في الكون، تُقارِب تسعة ملايين نوعٍ، وكل نوعٍ فيه ملايين مُملينةً منه، ويقول علماء الطبيعة، إنه لم يُكتشَف منها حتى الآن سِوى عشرة بالمئة (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ(48) وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) نظام الزوجية في الكون يُتحدَّث عنه في محاضراتٍ طويلة، من الذرَّة إلى المجرة (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ) والإنسان شيء (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
الآن (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) هذا هو الإله العظيم، الذي يقتضي أن تهرُب إليه من كل ما يزعجك، من كل ما يسوؤك، أن تُناجيه، أن تطلب منه، أن تعقِد الآمال عليه، ألّا تخاف غيره، ألّا ترجو غيره (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) الذي خلق السماوات والأرض ونظام الزوجية (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ).
أول صفةٍ في الفار إلى الله، أنه يعرف ربَّه ويُعظِّمه، فبقدر تعظيمك لله تعالى يكون اتجاهُك إليه.

الصفة الثانية: الفار إلى الله خائفٌ من ذنوبه مُحِبٌّ لربِّه
الصفة الثانية: الفار إلى الله خائفٌ من ذنوبه، مُحِبٌّ لربِّه، قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الفار خائفٌ، يهرُب لأنه يخاف من شيءٍ، ما الذي يجعله يُسرِع الخُطى؟ خوفه من التقصير بحقِّ العبودية، خوفه من ذنوبه التي أثقلَت كاهله، خوفه من هيبة الجليل العظيم جلَّ جلاله، خائفٌ ومُحِب، مُتَّجِه على جناحين، جناح الرغبة وجناح الرهبة، جناح الخوف وجناح الطمع (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ) كرر للأهمية (إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) أن نخاف الله، أن نخشى الله تعالى، هذا يجعلنا نُسرِع الخُطى إليه، قال صلى الله عليه وسلم:

{ من خافَ أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّةُ }

(صحيح الترمذي)

(أدلَجَ) أي سار في الدُلجة أي في الظُلمة، ما الذي يحرك الإنسان ليقوم في الليل؟ خوفه من الجليل، خوفه من ذنوبه، خوفه من سوء الخاتمة، خوفه من عذاب القبر، يحركه إلى الله.
حكى بعض العارفين، أنه رأى في بعض السِكَك أي الشوارع، باباً قد فُتِحَ وخرَج منه صبيٌ يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده من البيت، حتى خرَج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، ذهب الصبي غير بعيدٍ، ثم وقف مُفكِّراً، فلم يجد له مأوىً غير البيت الذي أُخرِجَ منه، أين يذهب؟ ولا مَن يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مُرتجاً مُغلقاً، فتوسَّد عتبة البيت ونام على عتبة داره، ثم خرجت أمه فرأته على تلك الحال، فلم تملِك إلا أن رمَتْ نفسها عليه، والتزَمتُه تُقبِّلهُ وتبكي، وتقول: يا ولدي أين تذهب عنّي؟ ومَن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تُخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلتُ عليه، من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك، ثم أخذتهُ وضمَّتهُ ودخلت.
الله تعالى يضرب لنا الأمثال، حال هذا الطفل مع أُمه ولله المثل الأعلى هو حالنا مع الله، لذلك نحن إذا أوينا إلى فِراشنا، من أدعية النوم أن ندعو فنقول:

{ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ قالَ لَهُ: ألا أعلِّمُكَ كلِماتٍ تقولُها إذا أويتَ إلى فراشِكَ فإن مِتَّ من ليلتِكَ متَّ على الفطرةِ وإن أصبحتَ أصبحتَ وقد أصَبتَ خيرًا تقولُ: اللَّهمَّ أسلَمتُ نَفسي إليْكَ ووجَّهتُ وجْهي إليْكَ وفوَّضتُ أمري إليْكَ رغبةً ورَهبةً إليْكَ وألجأتُ ظَهري إليْكَ لا ملجأَ ولا مَنجَى منْكَ إلَّا إليْكَ آمنتُ بِكتابِكَ الَّذي أنزلتَ ونبيِّكَ الَّذي أرسلتَ قالَ البراءُ: فقلتُ: وبرسولِكَ الَّذي أرسلتَ قالَ: فطعنَ بيدِهِ في صَدري ثمَّ قالَ: ونبيِّكَ الَّذي أرسلتَ }

(أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود)

كهذا الطفل تماماً، أين نذهب؟ نُريد أن نهرُب فنهرُب إليه جلَّ جلاله، نُريد أن نفِرَّ من عقوبته، فلا نجد باباً يقبلُنا إلا بابه، فنرجع إليه هذا حالنا مع الله.
أيُّها الإخوة الكرام: كان الصدّيق رضي الله عنه يُمسِكُ بلسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد" هذا الصدّيق.
كان عمر رضي الله عنه يقرأ الطور فبلغ قوله تعالى:

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ(7)
(سورة الطور)

فبكى بُكاءً شديداً حتى أشفَق عليه مَن حوله، هذا حال المُبشَّرين بالجنَّة، وكثيرٌ من المسلمين اليوم مُطمئنون، لا شكَّ أنَّ اطمئنان بعضنا هو اطمئنان الساذجين، وأنَّ خوف هؤلاء هو خوف العُقلاء المُنيبين، الفار إلى الله يخاف ويُحِب معاً، لا يطغى خوفه على حُبِّه فيُصبِح خوفاً مَرَضيَّاً، ولا يطغى حُبّه على خوفه فيُصبِح حُبَّاً مَرَضيَّاً، يؤدّي به إلى التساهل في جنب الله تعالى.

الصفة الثالثة: الفار إلى الله مُحسِنٌ
الصفة الثالثة: الفار إلى الله مُحسِنٌ:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)
(سورة الكهف)

(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ) فإذا أردت أن تفِر إلى الله وسألك الله لِمَ جئت؟ قُل له: جئتُ لبِر الوالدين، جئتُ لإطعام المساكين، جئتُ لخدمة عبادك الذين تُحبُّهم، شرَّفني الله تعالى بصدقةٍ جارية، أكرمني الله تعالى ببرِ والديَّ، حتى وافاهم الأجل وأنا في خدمتهم، إذا قَدِمتَ على الله فاحمِل معك عملاً.
اليوم أيُّها الكرام أحدُنا، وهذا خطأٌ لكن هكذا يُفعَل في الحياة، إذا أراد أن يهرُب إلى جهةٍ عظيمة، يأخُذ في يده شيئاً، يقول لك: لا ينبغي أن أذهب ويدي فارغة، وإذا ذهبتَ إلى الله فاذهب إليه ويدُكَ مُمتلئةٌ بأعمالٍ طيبةٍ صالحة، تلقى بها الله تعالى، الفار إلى الله مُحسِنٌ.

الصفة الرابعة: الفار إلى الله موحِّد
الصفة الرابعة: الفار إلى الله موحِّد، قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ) اليوم في دُنيا الناس، لو ذهبت إلى عظيمٍ في دُنيا الناس، وفي يدك هديةً، وطلبت منه طلباً، يقول لك: لا تُكلِّم غيري، هذا الناس يفعلونه، لا تُكلِّم غيري الموضوع عندي، انتهى، فإذا كلَّمتَ غيره انزعج منك.

{ قال اللهُ تعالَى: أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَهُ }

(أخرجه مسلم)

فإذا ذهبت إلى الله، فاذهب مُخلِصاً لوجهه الكريم، لا تذهب إليه وقلبُك مُعلَّقٌ بالطبيب، اذهب إلى الطبيب سبباً لكن اذهب إلى الله وحده، القلب مُتعلِّقٌ بالله والطبيب سبب، لا تذهب إليه وقلبُك مُعلَّقٌ بعلمك وحولك وقوَّتِك، اهرُب إليه وحده جلَّ جلاله، واتَّخِذ الأسباب تعبُّداً، الفار إلى الله موحِّد (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ).

الصفة الخامسة: الفار إلى الله تعنيه النتيجة ولا يهتم بالمظاهر
الخامسة: الفار إلى الله تعنيه النتيجة ولا يهتم بالمظاهر، ما دُمت تُريد الله، فإن وضَعكَ الله في السِقاية كنت في السِقاية، وإن وضَعكَ في مُقدِّمة الجيش، كنت في مُقدِّمة الجيش، فالفار إلى الله لا يهمه الموضِع، المظهَر، يقول لك: أُريد أن يُكرِّموني، أن يضعوني في صدر المجلس، فليضعوني أينما شاؤوا، المُهم أن أصِل إلى الهدف، أن أصِل إلى الله.

الصفة السادسة: الفار إلى الله يسأل في طريقه أهل الخبرة
الصفة السادسة: الفار إلى الله يسأل في طريقه أهل الخبرة، إنسانٌ يهرُب إلى جهةٍ وهو لا يعرف الطريق تماماً، فيستعين بأهل الذِكر، أهل الخبرة، أين الطريق؟ هذا أقصَر أم هذا؟ هذا يوصِل إلى الهدف أم أنا أظنه يوصِل إلى الهدف وهو يُبعدني عنه؟ (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) فيسأل لأنَّ دينه غالٍ عليه.
كيف لو أنَّ إنساناً أراد أن يبيع بيته، وبيته لا يملِك سواه، وهو قد أنفق شطر عمره في جمع ثمنه، ثم بدا له أن يبيعه ويشتري آخر، فإنه يسأل الأول والثاني والثالث والرابع، ويحاول أن يصِل إلى أفضل سعرٍ، ولا يبيعه إلا حتى يقتنِع بأنه قد أخذ ثمنه كاملاً، الدين أغلى من البيت، فالفار إلى الله يسأل.

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)
(سورة النحل)


الصفة السابعة: الفار إلى الله يمضي ولا يلتفِت لا يمنةً ولا يسرى
السابعة: الفار إلى الله يمضي ولا يلتفِت، لا يمنةً ولا يسرى، لا ينظُر، عينه على هدفه، في الدنيا أشياءٌ مُزعجة، في الدنيا مُنغِّصاتٌ، لن تخلو الدنيا من مُنغِّصاتٍ، لكن الفار إلى الله عينه مُعلَّقةٌ على هدفه، فمهما كثُرت حوله الإشكالات يبقى ثابتاً لا يتزعزع، لأنَّ هدفه واضح، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ أخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمنكِبي، فقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ، وكان ابنُ عمرَ رضِي اللهُ تعالَى عنه يقولُ: إذا أصبحتَ فلا تنتظِرِ المساءَ، وإذا أمسيْتَ فلا تنتظِرِ الصَّباحَ، وخُذْ من صِحَّتِك لمرضِك، وفي حياتِك لموتِك }

(أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وأحمد وأبو نعيم)

كيف أنَّ الغريب يأتي إلى بلدٍ، لا يهمه ما يجري فيها، وما يتقاتل الناس عليه فيها، عنده أيام معدودة سيُمضيها ويذهب، يحاول أن يُحسِّن هذه الأيام، أن يبلُغ فيها أحسن مستوى يستطيعه، لكن لا تعنيه الإشكالات والمشكلات في البلد، لأنه مُتعلِّقٌ بهدفه، والمؤمن في الدنيا غريب لأنه من أبناء الآخرة، لأن عينه على الآخرة، فيأخُذ من الدنيا ما يُعينه على الوصول إلى هدفه.

الصفة الثامنة والأخيرة: الفِرار إلى الله يقتضي الجماعة
الثامنة والأخيرة: الفِرار إلى الله يقتضي الجماعة، الفار إلى الله يفِرُّ مع الجماعة، مع المجموع، لذلك قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) معاً، لا بُدَّ أن تصحَب في رحلتك أخاً تثِق به، إخوةً تثِق بإيمانهم وتقواهم، حتى يُعينوك وتُعينهم، حتى يوقظوك على الفجر وتوقِظهم، حتى ينهوك عن المُنكَر إن زلَّت قدمك وتنهاهُم، حتى تتواصى معهم بالحق وتتواصى معهم بالصبر.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)
(سورة التوبة)

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)
(سورة الكهف)

أيُّها الإخوة الكرام: إذاً الفار إلى الله يعرف ربَّه ويُعظِّمه، يخافه ويُحبُّه، مُحسِنٌ إلى خلقه، موحِّدٌ مُخلِصٌ في وجهته، تعنيه النتيجة ولا يهتم بالوسيلة، يسأل أهل الخبرة في الطريق، يمضي ولا يلتفِت، كأنه غريبٌ يمضي مع جماعةٍ تُعينه على الطريق.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم يا أرحم الراحمين ارحم مَن قضى من شهداء وطننا نحتسبهم عندك من الشهداء.
اللهم اشفِ الجرحى يا أكرم الأكرمين.
اللهم اربِط على قلوب ذويهم، وأنزِل على قلوبهم السكينة والرضوان والثبات يا أرحم الراحمين.
اللهم رُدَّ عن بلادنا كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين، ونجِّ بلادنا من مكرهم يا أرحم الراحمين.
اللهم ابسُط أمنك وأمانك على ربوع الشام يا أرحم الراحمين.
اللهم أنه قد وردنا عن نبيك صلى الله عليه وسلم:

{ سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ لحذيفةَ بنِ اليمانِ ، ومعاذِ بنِ جبلٍ ، وهما يستشيرانه في المنزلِ ، فأومأ إلى الشَّامِ ، ثمَّ سألاه فأومأ إلى الشَّامِ قال : عليكم بالشَّامِ ، فإنَّها صفوةُ بلادِ اللهِ يُسكِنُها خيرتَه من خلقِه ، فمن أبَى فليلحَقْ بيمنِه ، وليسْقِ من غُدَرِه ، فإنَّ اللهَ تكفَّل لي بالشَّامِ وأهلِه }

(أخرجه الطبراني وابن عساكر)

فنسألك يا أرحم الراحمين أن تتكفَّل بالشام وأهلها، وأن تُديم الأمن والأمان، وأن ترفع مقتك وغضبك عنّا، وألّا تُعاملنا بما فعل السُفهاء منّا.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك.
اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين في غزَّة وفي فلسطين وفي السودان، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، وانصرهُم على أعدائهم يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يعجزونك، عليك بهم وبمَن والاهم وبمَن وقف معهم في سرٍّ أو علَن، بفضلك يا أرحم الراحمين.
أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المُسلمين، وخُذ بيد ولاتهم لما تُحب وترضى، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.