موسم المُباهاة

  • خطبة جمعة
  • 2026-05-22
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

موسم المُباهاة

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوةُ كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غِناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزِّك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

مقدمة:
وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: لرُبما أدَّيت مهمةً طلبها منك والدك يوماً ما، أدَّيتها على أفضل ما يكون، فباهَى والدك بكَ أمام العائلة كلها، فشعرت بالفخر والرضا، لعلَّك كنت يوماً الأول في صفك على جميع الطلاب، فباهَى المُعلِّم بك طلابه وزُملاءه المُعلِّمين، فكدت تطير فرحاً، رُبما صنعت شيئاً مُهمّاً لمجتمعك، فضجَّت صفحات الإعلام ووسائلهُ، بالحديث عنك مفتخرةً بإنجازك، فسرَّك ذلك وأنعشَ فؤادك، فكيف بك إذا أخبرك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، أنَّ الله تعالى يُباهي بكَ ملائكته؟ الله تعالى يُباهي بكَ ملائكته، بي أنا يُباهي ملائكته؟! أنا العبد الضعيف، الفقير، المخلوق، الحادث، الطارئ، ومَن الذي يُباهي؟ إنه الله، وأمام مَن؟ أمام ملائكته الذين قالوا يوماً:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)
(سورة البقرة)

فإذا بي أنا العبد الضعيف، عند ظنُّ ربّي بي! يُباهي بي ملائكته؟!

كيف نكون من هؤلاء الذين يُباهي الله تعالى بهم ملائكته:
أيُّها الإخوة الكرام: ولعلَّك تسأل الآن سؤال المُتلهِّف، كيف أكون من هؤلاء الذين يُباهي الله تعالى بهم ملائكته؟ يقول الله تعالى كما في الحديث القدسي:

{ يقولُ اللهُ تَعالى: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَأٍ ذَكَرتُه في مَلَأٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً }

(أخرجه مسلم)

موطِن الشاهد: (وإن ذَكَرَني في مَلَأٍ ذَكَرتُه في مَلَأٍ خَيرٍ منهم) أول ما يُباهي الله تعالى بكَ ملائكته، أن تذكره في مَلَأٍ من الناس، فيُباهي بكَ ملائكته، ويذكُرك في مَلَأٍ خيرٍ من المَلَأ الذي ذَكرتَ فيه، أن تذكر الله أمام الناس، أن تُذكِّرهم بالله، أن تكون في مجلسٍ مع عائلتك، مع أُسرتك الصغيرة، مع عائلتك الكبيرة، مع موظفيك، مع زملائك، مع شركائك، مع بعض الناس، تجلس في مكانٍ ما فتذكُر الله، تُذكِّر الناس بالله، هُم مُنغمسون في الدنيا، يتحدَّثون عن المال والأعمال، وعن هموم الدنيا، ثم أنت تذكُر الله في هذا المَلَأ، وتُذكِّر الناس بالله، تلفِتهم إلى آيةٍ من آياته الكونية، تلفِتهم إلى تفسير آيةٍ من آياته القرآنية، تُحدِّثهم عن فعلٍ من أفعاله جلَّ جلاله، فتلفِتهم إلى عظمة الله.

أول ما يُباهي الله به ملائكته أن يذكُرك في مَلَأٍ خيرٍ من المَلَأ الذي ذَكرتَه فيه:
الناس اليوم أيُّها الكرام: إذا جلسوا فإنَّ غالب مجالسهم تتحدَّث عن الدنيا، هذا حالٌ لا يَخفى، تبدأ الجلسة وتنتهي والحديث كله عن الدنيا، عن أحوالها، وعن مصاعبها، وعن شهواتها، وعن مباهجها، وعن ما فيها، ثم إنك أيُّها المؤمن، تنتهز الفُرصة فتدخُل لتحدِّث الناس عن الله، وتلفِتهم إلى عظمته جلَّ جلاله، وإلى جوده وإحسانه وكرمه، فالله تعالى يذكُرك في مَلَأٍ خيرٍ من المَلَأ الذي ذَكرتَ الله فيه، فيذكُرك عند ملائكته المُقربين، هذا أول ما يُباهي الله تعالى به ملائكته.

{ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ خرجَ على حَلْقةٍ يعني من أصحابِهِ فقالَ ما أجلسَكم قالوا: جلَسنا ندعوا اللَّهَ ونحمَدُهُ، على ما هدانا لدينِهِ ومنَّ علينا بِكَ قالَ: آللَّهُ ما أجلسَكم إلَّا ذلِكَ قالوا: آللَّهُ ما أجلسنا إلَّا ذلِكَ قالَ: أما إنِّي لَم أستحلِفْكم تُهمةً لَكم وإنَّما أتاني جبريلُ عليْهِ السَّلامُ فأخبرَني أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُباهي بِكمُ الملائِكةَ }

(أخرجه مسلم والنسائي والترمذي)

نتذاكر هذه النِعمة العظيمة، نِعمة الهداية، نِعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (آللَّهُ ما أجلسَكم إلَّا ذلِكَ قالوا: آللَّهُ ما أجلسنا إلَّا ذلِكَ قالَ: أما إنِّي لَم أستحلِفْكم تُهمةً لَكم) لم يكن طلبي أن تحلفوا اتهاماً لكم بالكذب، حاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وإنَّما أتاني جبريلُ عليْهِ السَّلامُ فأخبرَني أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُباهي بِكمُ الملائِكةَ) أرادَ صلى الله عليه وسلم أن يتيَقَّن أنَّ السبب حقيقةً هو ذاكَ السبب، لأنَّ هناك بشارةً عظيمة، فقد تنزَّل جبريل عليه السلام، يقول لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله يُباهي ملائكته بهذه الحلقة من أصحابك، فخرَج إليهم فبشَّرَهم صلى الله عليه وسلم.

ثانياً : بمجلسٍ يُشكَر فيه نِعَم الله تعالى:
ما الذي جعل الله تعالى يُباهي ملائكته بهؤلاء؟ أنهم جلسوا يشكرون نعمة الله، وأعظم نِعَم الله تعالى الهِداية، يتذاكرون هِداية الله لهم، يتذاكرون نِعمة الإسلام، يتذاكرون نِعمة النبي العدنان، قال: (ومنَّ علينا بِكَ) فلمّا جلسوا لشُكر النِعمة، باهى الله تعالى بهم ملائكته، فيُباهي الله تعالى ملائكته أولاً، بمجلسٍ يُذكَر فيه الله، ويُذكَّر فيه بالله، ويُدعى فيه الناس إلى الله.
وثانياً: بمجلسٍ يُشكَر فيه نِعَم الله تعالى، وأعظمها نِعمة الهِداية، ونِعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونِعمة الإسلام.
بعد ذلك أيُّها الكرام:

{ صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب فرجع من رجع وعقَّب من عقَّب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعًا قد حَفَزه النفس قد حسر عن ركبته، فقال: أبشروا! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم، يقول: انظروا إلى عبادي قد صلوا فريضة وهم ينتظرون أخرى }

(أخرجه ابن ماجه وأحمد)

(فرجع من رجع) رجع إلى بيته بعد المغرب، (وعقَّب من عقَّب) أي بقي في المسجد مُنتظراً صلاة العشاء، (فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعًا قد حَفَزه النفس) تتابعَت أنفاسه صلى الله عليه وسلم من سرعة المشي، وكأنَّ هناك أمراً جللاً يريد أن يُبشِّر به أصحابه (حَفَزه النفس قد حسر عن ركبته) وهذا كنايةٌ عن أنه صلى الله عليه وسلم قد استعجله أمرٌ كبير، فرفع شيئاً من ثوبه ليستطيع المشي بسرعةٍ، فما الذي جعله يستعجل إلى أصحابه؟ (فقال: أبشروا! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم، يقول: انظروا إلى عبادي قد صلوا فريضة وهم ينتظرون أخرى) إنه شغَفُ الطاعة، أن تنتظر الصلاة بعد الصلاة، ما قاموا من مجلسهم، صلّوا المغرب وجلسوا يذكرون الله، ينتظرون الطاعة التي بعدها، لشدّة ما وجدوا من محبَّتهم لطاعة الله.

ثالثاً: أن تكون شغوفاً بطاعة الرحمن وأن تنتظرها:
البند الثالث الذي يجعل الرحمن يُباهي بكَ ملائكته، أن تكون شغوفاً بطاعة الرحمن، أن تنتظرها، أن يكون حالك معها

{ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ ‌رَجُلٌ ‌قَالَ ‌مِسْعَرٌ: ‌أُرَاهُ ‌مِنْ ‌خُزَاعَةَ ‌لَيْتَنِي ‌صَلَّيْتُ ‌فَاسْتَرَحْتُ، ‌فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها }

(أخرجه أبو داود وابن أبي شيبة والإسماعيلي)

لا أرِحنا منها، كما كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: (يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها) فهل نحن شغوفون بالطاعة؟ هل ننتظرها انتظار المُحِب لها؟ أم نُريد أن نُسقِط الفريضة دون أن يحصَل المطلوب؟ (أبشروا! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم، يقول: انظروا إلى عبادي قد صلوا فريضة وهم ينتظرون أخرى) إن ذكرت الله تعالى في مَلَأٍ، باهى الله بكَ ملائكته، إن شكرت الله على نِعَمه وعلى رأسها نِعمة الإسلام، ونِعمة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، باهى الله بكَ ملائكته، إن انتظرت الصلاة بعد الصلاة، شغوفاً بالطاعة، تنتظرها تريد أن تُقبِل عليها بكُلِّك، باهى الله تعالى بكَ ملائكته.

يوم عرفة يومٌ يجتمع فيه ذِكرُ الله وشُكر النِعَم وشَغَف الطاعة:
أيُّها الكرام: بعد أيامٍ موسمٌ من مواسم المُباهاة، ويومٌ من أيام النِعمة وإكمال الدين، إنه يوم عرفة، حيث تجتمع فيه الثلاثة السابقة، ذِكرُ الله، وشُكر النِعَم، وشَغَف الطاعة، فيذكُر الحُجَّاج ربَّهم كلٌّ في مَلَأه، وكلٌّ في فَوجِه، وكلٌّ في تَجمُّعهِ وتَكتُّلِه، ويذكُر فيه الحُجَّاج نِعمة الله عليهم، وينتظرون صلاةً بعد صلاة، لا تشغلهم عنها دنيا، وينتظرون نُسُكاً بعد نُسُك، وينتظرون طوافاً وسعياً ورمياً ومبيتاً، شغوفون بالطاعة.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(199)
(سورة البقرة)

هذا ذِكرُ الله، (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) تذكُّر نِعمة الهداية، (وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200)
(سورة البقرة)

فتجتمع هذه الثلاثة في موقفٍ واحد، فيُباهي الله ملائكته بأهل الموقف.

{ ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ، وأنه لَيدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول: ما أراد هؤلاءِ؟ اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم }

(أخرجه مسلم)

لماذا جاؤوا؟ ما جاؤوا لدنيا، وما جاؤوا لفخرٍ، وما جاؤوا لسياحةٍ، جاؤوا يريدون رحمة الله:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)
(سورة إبراهيم)

{ إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ أهلَ السَّماءِ، فيقولُ لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعثًا غُبرًا }

(أخرجه أحمد وابن حبان)

هذا في عرفات.

صوم عرفة يُكفِّر سنتين ماضيةً وباقية:
وأمّا نحن أيُّها الكرام: الباقين في أوطاننا، فما أوصدَ الكريم في وجوهنا باباً حاشاه، ما أوصدَ باباً من أبواب الخير في وجه أحدٍ من عباده، ففي عرفة صيامٌ يُكفِّر سنتين ماضيةً وباقية، نصوم عرفة، الحاجُّ لا يصومه، وترَكها الله تعالى لكل مسلمٍ لم يُكتَب له حجُّ بيته هديةً من الله، صيام يوم عرفة كما قال صلى الله عليه وسلم:

{ صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ، وصِيامُ يومِ عاشُوراءَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التِي قَبْلَهُ }

(أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد)

وفي عرفة تكبيرٌ وتهليلٌ وتحميد.

{ ما من أيَّامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ من هذِه الأيَّامِ العشرِ فأكثروا فيهنَّ منَ التَّهليلِ والتَّحميدِ والتسبيح والتَّكبيرِ }

(أخرجه الطبراني والبيهقي)

وفي يوم النحر فرحةٌ بطاعة الله، وأُضحيةٌ نتقرَّب بها إلى الله، ونُحسِن بها إلى عباد الله.

يوم عرفة يوم إكمال الدين وإتمام النِعمة:
أيُّها الإخوة الكرام: قالت يهود لعُمر رضي الله عنه يوماً: إنكم تقرؤون آيةً لو أُنزِلت فينا معشَر يهود، لاتَّخذنا ذلك اليوم الذي أُنزِلت فيه الآية، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أيُّ آيةٍ؟ قالوا:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)
(سورة المائدة)

قال عُمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائمٌ بعرفة يوم جمعة.
يوم عرفة يوم إكمال الدين، ويوم إتمام النِعمة، ويومٌ رضي الله تعالى فيه لأهل الإسلام، رضي لهم الإسلام ديناً.
ثم لا ينقضي عجبي من بعض بني قومي من المسلمين، الذين ما زالوا يعبثون بدين الله تعالى، الكامل التام، أيكون أعداؤنا يهود أشدَّ معرفةً بنعمة الدين منّا؟! هُم قالوا: لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً، وما زال من أبناء جِلدتنا، مَن يخرُج على الإعلام ليعبَث بدين الله تعالى الكامل، التام، ما زلنا نسمع عبر الإعلام، من بعض المسلمين مَن يشوِّه دين الله، ويدَّعي فيه نقصاً يريد إكماله، مَن يزيد في الدين فهو يدَّعي النقص في الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).

دين الله الإسلام دينٌ كاملٌ وتام:
ثم تأتي أنت في آخِر الزمان، لتُضيف للدين شيئاً ما أراده الله، ولا أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف ذاك؟ كيف ترضى أن تُضيف لدين الله شيئاً؟! مازلنا نسمع عبر الإعلام، مَن يرى في دين الله زيادةً يريد حذفها، يريد حذف شيءٍ من دين الله، فتارةً يقول لك: الحدود ليست مُلائمة، ليست حضاريةً، لا بُدَّ من العقوبات الإصلاحية، ويعبَث بتأويل آيات الله تعالى.
وتارةً يريد أن يحذف موضوع الجهاد من الدين، حتى لا نُزعِج أعداءنا بهذه الكلمة، وتارةً يريد أن يجعل ما أمر الله به المرأة، من العِفَّة والطهارة والحجاب، أن يجعله أدباً من آداب الإسلام، وليس فريضةً أوجبها الله تعالى على المرأة، هو يتَّهِم دين الله تارةً بالزيادة وتارةً بالنقص، والله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) فالقضايا التي عالجها دين الله، كاملةٌ عدداً، تامةٌ نوعاً، فليس هناك قضيةٌ لتعالجها أنت بعيداً عن وحي السماء، إذا كانت قضيةً شرعية، الدنيا شيءٌ آخر، أنتم أعلم بأمور دنياكم، نتحدث عن دين الله، ليس هناك قضيةٌ لتعالجها أنت بعقلك القاصِر، وليس هناك قضيةٌ لم تتم معالجتها بشكلٍ تام حتى تُضيف لها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
الله تعالى رضي الإسلام لنا ديناً، فإذا قال لك أحدهم: من أي اتجاهٍ أنت؟ قُل له: أنا مسلمٌ، أنا أرضى بما رضيه الله لي، أنا لا أؤمن بتقسيماتكم، ولا بتحزُّباتكم، ولا بفِرَقِكُم، أنا أؤمن بدين الإسلام، أرتضي ما ارتضاه الله لي (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

التجديد في دين الله تعالى بالمعنى الصحيح:
تارةً يعبثون بدين الله بدعوى التجديد، والتجديد بمعناه الحقّ براءٌ منهم، نحن نجدد دين الله عزَّ وجل، فننزَع عنه ما علِقَ به مما ليس منه، جُدران هذا المسجد رُبما الخارجية، بعد عشرات السنوات يبهت لونها، وتمتلئ ببعض الأوساخ التي ليست منها، وببعض مُخلفات البناء، فيأتي من يُنظفها ويضربها بالرمل، فيُجدِّدُها ويُعيد لها ألقها، هو لم يُغيِّر شيئاً فيها، لكنه أزالَ عنها ما عَلِقَ بها مما هو ليس منها، هذا هو التجديد في دين الله، أمّا دعوى التجديد اليوم بمعنى إنشاء دينٍ جديد (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) هذا هو الجواب.
وتارةً يعبثون بدين الله بدعوى القراءة المُعاصرة، نقرأ القرآن قراءةً مُعاصرة، وهل كانت هناك قراءةٌ قديمة؟ وهل وحيُ الله عزَّ وجل، منهاجٌ بشريٌ كتبه بَشرٌ ليُعدَّل، ثم تصدُر المراسيم بتعديل المادة رقم كذا والمادة رقم كذا لمناسبة العصور؟ وهل الله تعالى، وهل رسوله صلى الله عليه وسلم، كان يجهل ما عَلِمته أنت؟ حاشاه جلَّ جلاله، لتأتي في آخر الزمان، وتُعدِّل وتُضيف وتحذِف، بدعوى القراءة المُعاصرة، وتارةً بدعوى العقل.

ديننا دينُ نَصٍّ والعقل لفهم النَص:
يقول أحدهم: يا أخي ديننا دينُ عقلٍ، لا يا أخي ديننا دينُ نَصٍّ، والعقل لفهم النَص، نحن نفهم النَص ونُحسِن تطبيقه في الواقع، ونُحسِن إسقاطه على الواقع، بفهم سَلَف الأُمة، وبفهم العلماء والدُعاة، الثابتين والمعروفين بورعهم وتقواهم، لكن لا نفهم دين الله بعقلك أنت التبريري، الذي يريد أن يعبث بدين الله عزَّ وجل بدعوى عقله، وتارةً بدعوى الاكتفاء بالقرآن عن السُنَّة، نحن قرآنيون، نتَّبع بما في كتاب الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول مُنبِئاً عن هؤلاء في آخر الزمان:

{ يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ - مرتاح - يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ }

(أخرجه ابن ماجه وأحمد)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)
(سورة النساء)

فبدعواتٍ كثيرةٍ يُنقَض هذا المبدأ العظيم، الذي أعزَّ الله به أُمة الإسلام (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

يوم عرفة يوم المُباهاة ويوم إكمال النِعمة ويوم إكمال الدين:
أيُّها الإخوة الكرام: يوم عرفة، يوم المُباهاة، ويوم إكمال النِعمة، ويوم إكمال الدين، ويومٌ رضي الله تعالى فيه لنا الإسلام ديناً، فلنعرف عَظمة هذا اليوم ولنعرف حقَّه، ولنُمضِه بالطاعة والصيام لِمَن استطاع، والذِكر، والتهليل، والتكبير، في هذا اليوم المُبارك، الطيِّب، الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم

{ خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنَّبِيُّونَ من قَبْلِي: لا إله إلا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ، وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ }

(أخرجه الترمذي)

وهذا للحاجِّ ولغير الحاجّ.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم بلِّغنا يوم عرفة، اللهم بلِّغنا يوم عرفة، واجعلنا ممن يعرف قدره يا أرحم الراحمين، وممن يُغفَر له فيه يا أكرم الأكرمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم من أراد بالإسلام وأهله ودياره خيراً فوفِّقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فاصرفه عنّا يا أرحم الراحمين.
الله أبرِم لهذه الأُمة أمر رُشدٍ يُعَزُّ فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل عصيانك ويؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المُنكَر.
اللهم اجعل بلادنا أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، فرِّج عن المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، فرِّج عن إخواننا المُستضعفين في غزَّة، في فلسطين وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك يا الله، فرجاً عاجلاً.
اللهم عليك بالصهاينة فإنهم لا يُعجزونك، اللهم عليك بهم فإنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم عليك بهم وبمَن والاهم يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بالصهاينة فإنهم لا يُعجزونك، اللهم عليك بهم فإنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم عليك بهم وبمَن والاهم يا أرحم الراحمين.