التوحيد
الاستخلاف بين الوعد والشرط
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
مقدمة:
| وبعد أيُّها الإخوة الكرام: فقد مضى عامٌ على بدء معركةٍ، شاء الله تعالى أن تنتهي بتحرير بلدنا، من ظُلمٍ وطُغيانٍ واستبدادٍ، امتُّحِنا به لعقود، وتحريرها من مليشياتٍ طائفيةٍ بغيضةٍ حاقدة، كانت تريد بالبلاد والعباد شرَّاً، مضى عامٌ فيه من الآمال والتحدِّيات ما فيه، وفيه من المُبشِّرات والمُعوِّقات ما فيه، وقد قُلنا سابقاً ونقولها اليوم: إنَّ المعركة لمّا تنتهي فلا تضعوا أسلحتكم، كلٌّ مُرابطٌ على ثَغره، ما زال أعداء الداخل وأعداء الخارج يتربصون بالدولة الوليدة، وفي الليلة المُنصرمة اقتحم صهاينةٌ بلدة بيت جن في ريف دمشق، فخرج لهم أبطال البلدة، يدافعون عن دينهم وأعراضهم، وواجهوهم بأسلحةٍ خفيفةٍ وبصدورٍ عارية، فقصفهم الاحتلال البغيض، مما أدَّى إلى استشهاد أكثر من عشرةٍ نحسبهم من الشهداء، ثم انسحب الاحتلال وقد أُصيب عددٌ من جنوده إصاباتٍ بالغة، مما يؤكد أنَّ المعركة لمّا تنتهي، وأنَّ رحلة التمكين والاستخلاف ما زالت تحتاج إلى وقتٍ وإلى جُهدٍ لكُلٍّ منّا. |
الاستخلاف في كتاب الله لم يرِد أمراً بل هو وعدٌ من الله:
| أيُّها الإخوة الكرام: قرأت في كتاب الله، واستقرأت ما ورد فيه، من الآيات التي تتحدث عن استخلاف الله لعباده في الأرض، والتمكين لهم، فوجدت أنَّ الاستخلاف في كتاب الله وعدٌ من الله، لم يرِد الاستخلاف في كتاب الله أمراً، أي يا عباد الله كونوا مُستخلفين، وإنما ورد دائماً وغالباً وعداً من الله، يعِد الله تعالى به عباده. |
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)(سورة القصص)
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(55)(سورة النور)
أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ(62)(سورة النمل)
| آياتٌ كثيرة تتحدث عن الاستخلاف والتمكين، على أنه وعدٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين، لعباده الصادقين، لعباده الصالحين. |
قصة الاستخلاف في الأرض بدأت منذ بدء الخليقة:
| بدأت قصة الاستخلاف في الأرض منذ بدء الخليقة. |
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)(سورة البقرة)
| خليفةٌ يعمُر الأرض وفق منهج الله، خليفة الله في الأرض، يعمُر الأرض وفق ما يَرضى الله تعالى، وفق منهج الله، وهذا فحوى العبادة التي خُلِقنا من أجلها، فحوى العبادة أن نُقيم شرع الله تعالى في أرض الله، أفراداً وجماعاتٍ ودوَلاً، أن نُقيم شرع الله في الأرض، الملائكة ظنّوا أنَّ تسبيحهُم وذِكرهُم وتقديسهُم لله تعالى، يُحقِّق شيئاً كافياً ويُحقِّق الاستخلاف. |
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)(سورة البقرة)
| ظنّوا أنَّ تسبيحهُم وتقديسهُم كافٍ (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الذِكر والتسبيح هي معونات الطريق، التي لا غنى للمؤمن عنها، التي لا يستطيع أن يعمُر الأرض إلا بالاستعانة بها، بذكر الله الدائم، ليُنجِز مهمته وليصبِر على تبِعاتِها، الملائكة ظنّوا أنَّ تلك المعونات في الذِكر والتسبيح هي المقصود، الله تعالى أراد أن تكون الخلافة في الأرض هي المقصودة، والذِكر والتسبيح يُعين في الطريق. |
| أيُّها الإخوة الكرام: وما دام الاستخلاف والتمكين وعداً، فإنه حاصلٌ بلا ريب، لأنَّ وعد الله حقّ، والله لا يُخلِف وعده. |
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)(سورة التوبة)
الاستخلاف وعدٌ بين شرطين شرطٍ قبله وشرطٍ بعده:
| ما دام الاستخلاف وعداً، فإنَّ حصوله يقيني، لأنه وعدٌ من الله لا بُدَّ أن يتحقَّق، ولكن الاستخلاف وعدٌ بين شرطين، شرطٍ قبله وشرطٍ بعده، شرطٍ يسبقه لا بُدَّ أن نُحقِّقه ليتحقَّق الاستخلاف، وشرطٍ بعده لا بُدَّ أن نُقيمه حتى يبقى الاستخلاف، وهذه سُنَّة الله في الاستخلاف. |
الشرط الأول:
| أمّا شرط حصوله حتى يحصل الاستخلاف، فهو الإيمان والعمل الصالح، مع إعداد العُدة المُتاحة، وبذل الجُهد في تقوية وتمتين جبهتنا الداخلية، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) فإن كان هناك إيمانٌ ظاهري، لم يُرافقه عملٌ صالحٌ كما يرضى الله، فالشرط ناقص (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ). |
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60)(سورة الأنفال)
| وجاءت (قُوَّةٍ) نكِرة لتُفيد استغراق أنواع القِوى، فالإعلام قوَّة، والاقتصاد قوَّة، والعِلم قوَّة، والعسكرة والأسلحة قوَّة، كلها قِوى متنوعة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) استنفذوا جهدكم في إعداد القوَّة اللازمة. |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7)(سورة محمد)
| فلا بُدَّ من شرطٍ لنصر الله وتمكينه، واستخلاف عباده في الأرض، وهو أن ننصُر الله بطاعته، وإقامة شرعه في الأرض. |
الشرط الثاني:
| وأمّا شرط الدوام والاستمرار إن استَخلَفنا الله في الأرض، فإقامة العدل، قال تعالى مُخاطباً نبيُّه داوود عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام: |
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)(سورة ص)
| ما دام الله قد استخلفنا في الأرض، فيجب أن نُقيم العدل، والعدل ليس إقامته واجب الدولة فحسب، بل واجب كل فردٍ منّا أن يُقيم العدل، بدأً من العدل بين أولادنا، والعدل في الميراث، والعدل في العطايا، كلٌّ منّا يجب أن يعدل، لأنَّ الله جعلنا خُلفاءه في الأرض (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) فإذا كان الحُكم بالحق دام الاستخلاف، فإذا وقعت المظالم فالظلم مؤذنٌ بخراب العُمران كما كان يقول الفلاسفة. |
{ اتَّقُوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهلكَ مَن كانَ قبلَكُم، حملَهُم على أنْ سَفكُوا دِمائَهم، واستَحَلُّوا مَحارِمَهم }
(أخرجه مسلم)
| أيُّها الإخوة الكرام: وقال تعالى في شرط دوام الاستخلاف: |
الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(41)(سورة الحج)
من شروط دوام الاستخلاف في الأرض أن تبقى الصِلة بالله وأن يبقى الإحسان لخلقه:
| فمن شروط دوام الاستخلاف في الأرض، أن تبقى الصِلة بالله، وأن يبقى الإحسان لخلق الله (أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) وأن نأمُر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر. |
| أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ الله تعالى بعد الاستخلاف ينظُر إلى عباده، نظر المُراقِب جلَّ جلاله، يراقبنا وهو الرقيب. |
قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129)(سورة الأعراف)
| فإن كان عملكم موافقاً لشرع الله، دام الاستخلاف، وقَويَت جبهتكم، وقوّى الله عزِّكم ونَصَرَكُم، وإن نظر إلى أعمالنا جلَّ جلاله، نسأل الله السلامة، فوجد الظلم ما يزال قائماً، ووجد المعاصي ما زالت مُنتشرة، ووجد الناس ما زالوا على غفلتهم، فإنَّ هذا مؤذِنٌ بزوال الاستخلاف، والأمر مخيف (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ). |
| أيُّها الإخوة الكرام: ما دام الاستخلاف كما قُلنا وعداً بين شرطين، شرطٍ قبله وشرطٍ بعده، فإنَّ المؤمن لا يشغَل نفسه بوعدٍ ضَمِنه الله، ولكنه يشغَل نفسه بشرطٍ طلبه الله منه، وبأمرٍ أراده الله منه، هذا هو العقل الفهم. |
المؤمن يشغَل نفسه بما طُلِب منه لا بما ضَمِنه الله له:
| إذا قال أبٌ لابنه، والأبُ صادقٌ، معلوم الصدق، معلوم المَحبة لابنه، قال له: إن نجحت ونِلت مئةً بالمئة لك هديةٌ كبيرة، الوعد حقٌّ من الأب، هكذا فهمه الابن، الآن لا يشغَل نفسه بالهدية يشغَل نفسه بالدراسة، لأنَّ هذا هو المطلوب منه، ما دام الوعد مُحقَّقاً قطعاً، فالمؤمن يشغَل نفسه بما طُلِب منه لا بما ضَمِنه الله له، لذلك قالوا: "أراد الله بنا وأراد الله منّا، فلا ينبغي أن ننشغل بما أرداه الله بنا عمَّا أراده منّا" أنت أراد الله بك شيئاً لا تدرِ ما هو، أراد بنا الموت جميعاً. |
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ(30)(سورة الزمر)
| أنا الآن أَشغَل نفسي بما أراده منّي، وهو الاستعداد للموت، الله عزَّ وجل أراد لي الرزق، الآن أَشغَل نفسي بالرزق الحلال بأن أُطيب مَطعمي، لأنَّ الوعد مضمون، لكن الشرط هو الذي يحتاج إلى البذل، ويحتاج إلى الجُهد، فلنشغل أنفسنا بالشرط وليس بالوعد. |
{ أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَتَى السَّاعَةُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أعْدَدْتَ لَهَا قالَ: ما أعْدَدْتُ لَهَا مِن كَثِيرِ صَلَاةٍ ولَا صَوْمٍ ولَا صَدَقَةٍ، ولَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، قالَ: أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ. }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| الرجُل مُنشغِلٌ بالوعد. |
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ(7)(سورة الحج)
| انتهينا هذا وعدٌ مُحقَّق، الساعة آتية لكن أنت ماذا أعددت للساعة؟ كثيرٌ من الناس اليوم يسألون هل جاءت أشراط الساعة؟ هل هذا الذي يحصل اليوم يؤذِن باقتراب الساعة؟ متى الساعة؟ متى موعد زوال إسرائيل؟ لا تشغَل نفسك بالوعد، الوعد مُحقَّق، لكن اشغَل نفسك هل أنا أؤدّي ما طُلِب منّي؟ هكذا هي العبودية، أن أَشغَل نفسي بما طُلِب منّي لا بما أرداه الله بي، ما أراده مُحقَّق ولا رادَّ لقضائه، ولكن انشغِل بما يُصلحك، لذلك كان الكثير من الصحابة الكرام، كما في الأحاديث الكثيرة: دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنَّة، أي الأعمال أفضل؟ أي الأعمال أحبُّ إلى الله؟ يشغلون أنفسهم بما ينبغي أن يفعلوا. |
| أيُّها الإخوة الكرام: ولمّا شكا بعض الصحب كما يروي خبَّاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: |
{ شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. }
(صحيح البخاري)
| كنت أتخيَّل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سيقف وهو في ظلال الكعبة، ويتوجه إلى بيت الله ويقول: يا ربّ انصرنا، وهذا حقّ، والدعاء مطلوب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم هُنا نظر فوجد أنهم بدأوا يشغلون أنفسهم بالنتائج والوعود لا بما يقتضيه ذلك منهم، فوقف مُحمرَّاً وجهه صلى الله عليه وسلم وقال: (قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) تستعجلون الوعد القادم لا محالة. |
أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ(1)(سورة النحل)
| اشغَل نفسك ولأشغل نفسي أنا بما يُصلحني، بما أُقدِّمه لربّي حتى أستحقَّ الوعد، حتى أنجو بنفسي. |
أدب النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لربّه:
| أيُّها الإخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: |
{ اللهم إني أسألُكَ مُوجِباتِ رحمتِكَ، وعزائمَ مَغْفِرَتِكَ، والسلامةَ من كلِّ إثمٍ، والغنيمةَ من كلِّ بِرٍّ والفوزَ بالجنةِ، والنجاةَ من النارِ. }
(أخرجه البيهقي)
| ما معنى موجبات رحمتك؟ يعني شيئاً يوجب لي رحمتك، أستحق به رحمتك، (وعزائمَ مَغْفِرَتِكَ) أي ما يجعل مغفرتك حاصلةً لي، انظروا إلى الأدب النبوي في الدعاء، نحن ندعو طبعاً اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، نطلب ذلك، لكن في هذا الدعاء، أدبٌ وذوقٌ رفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ربِّه (أسألُكَ مُوجِباتِ رحمتِكَ) الرحمة وعد. |
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(54)(سورة الأنعام)
| انتهى. |
| المغفرة وعد. |
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)(سورة الزمر)
| وعدٌ من الله، لكن أنا أسأل الله أن أُعرِّض نفسي لهذه الرحمة بما يوجبها، برحمة الناس مثلاً، أسأل الله تعالى أن يُهيئ لي عملاً يغفر به ذنبي (أسألُكَ مُوجِباتِ رحمتِكَ، وعزائمَ مَغْفِرَتِكَ). |
وعد الله لا يخلِف الله وعده:
| أيُّها الإخوة الكرام: متى فُتِحت الأندلس؟ في السنة الثانية والتسعين بعد الهجرة، أي في أقل من مئة عامٍ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخيَّلوا يعني جيلاً واحداً، اثنان وتسعون سنة، فتح المسلمون بلاد الأندلس، إسبانيا اليوم، وصلوا إليها، وصلت راياتهم إليها في مئة عامٍ فقط، مكثوا فيها ثمانمئة سنة تُرفع فيها راية التوحيد، ثمانية قرون، لكن متى خرجوا منها؟ خرجوا منها عندما انقسمت الدولة الأندلسية إلى ملوك الطوائف، كل واحدٍ أخذ طائفته وجعلها مملكةً له، تناحروا، تحالف بعض الحُكَّام وقتها مع الأعداء، مع غير المسلمين ضد إخوانهم المسلمين، شاعت حياة البذخ والترَف عند الأُمراء وعند الناس، انقلاباتٌ ومؤامراتٌ داخل القصور، ضعف الوازع الديني، وانتشار البِدع، وابتعاد الناس عن أسباب النصر الربّانية، المسلمون كانوا يتباهون بالقصور والحدائق، التي ما زالت شاهدةً حتى اليوم، على المدنية التي كانت في بلاد الأندلس، والموسيقى، والرقص، وصلوا إلى رقصة السماح، بينما كان عدوهم يُعدّ العُدَّة لهم، ثمانمئة سنة المسلمون في الأندلس. |
| في يوم سقوط غرناطة، آخر حصون المسلمين في الأندلس، خرج آخر ملوكها أبو عبد الله الصغير من القصر، وقد سلَّم بيده مفاتيح المدينة لمَلِكين من ملوك النصارى، سلَّم المفاتيح بيده وخرج، خرج مُطأطئ الرأس يسير بين الجنود النصارى، وقد سلَّم ما كان يُسمّى يومها جنَّة الدنيا، التي حكمها المسلمون ثمانية قرون، فلمّا بلغ جبلاً مُطلّاً على غرناطة، ألتفَت إلى المدينة، فإذا منارات الأذان المآذن قد سكتت، وإذا مدارس العِلم قد أُقفلِت، وإذا المساجد قد تحولت إلى كنائس، فغلبته عيناه وانفجر بالبكاء، قالت له أمه عائشة كلماتٍ سجَّلها التاريخ بالدموع، قالت له: "ابكِ مثل النساء مُلكاً لم تحفظه مثل الرجال". |
| أيُّها الإخوة الكرام: القدس، تَسلَّم عُمر رضي الله عنه مفاتيحها خمسة عشر للهجرة، أي بعد خمس عشرة سنةً فقط من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي بعد بعثته بأقل من ثلاثين سنة، تَسلَّم عُمر مفاتيح بيت المقدس، هذا وعد الله، وبقيَت بعهدة المسلمين حتى أربعمئة واثنان وتسعون للهجرة، لماذا أذكُر التواريخ أحبابنا؟ أنا لماذا أذكر التاريخ الآن؟ أذكره لأنَّ النظرة الضيَّقة للزمان والمكان تُصيب الإنسان بالإحباط وبالهزيمة الداخلية، نتكلم عن ثمانمئة سنة، وعد الله لا يتخلَّف. |
| هُنا نتكلم عن خمسمئة سنة والقدس في أيدي المسلمين، تُقام بها الصلوات ويُقام فيها شرع الله عزَّ وجل، ثم خرجت من أيديهم لكن كم؟ تسعين سنة فقط لمّا أخذها الصليبيون، بعد تسعين سنة عاد المسلمون من جديد، وفهم صلاح الدين الأيوبي ومَن قبله من جيله، فهموا المعادلة فعادوا إلى التعليم وإلى المدارس، والتي لا تزال شاهدة ومنها في حيّنا هذا، المدارس التي انتشرت ومنها المدرسة العُمرية، عادوا إلى تعليم الناس وتهيئتهم لهذا الفتح، وإعدادهم وإعداد العُدَّة اللازمة لعدوهم بعد ذلك، وعادت القدس إلى أيدي المسلمين، ولم تخرُج إلا قبل سبعين أو ثمانين سنة من عُهدتهم، لتنازلهم عن دينهم. |
| فالنظرة العامة للزمان والمكان، تُبيِّن أنَّ الأمر بيد الله وحده، وأنَّ الله عزَّ وجل يستخلِف عباده، وأنه ينصرهم، وأنَّ الكُرة في ملعبنا، وأنه إذا هان أمر الله علينا هُنّا على الله، أمّا إذا كنّا مع الله فنحن أعزَّةٌ بالله، أقوياء بالله. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تُعاملنا بفعل المُسيئين. |
| اللهم اسقِنا الغيث واجعلنا من الشاكرين الحامدين يا أرحم الراحمين. |
| اللهم ارحم شهداءنا، اللهم ارحم شهداء بيت جن، الذين قضوا إليك وهُم يدافعون عن أعراضهم وأوطانهم. |
| اللهم أنزلهم منازل الشُهداء الأبرار، وارفع درجتهم عندك يا عزيز ويا غفَّار. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فأنهم لا يعجزونك. |
| اللهم إنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فصُب عليهم من عندك سوطاً من عذاب، إنك لهم لبالمرصاد. |
| اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين. |
| اللهم انصُر من نصر دينك واخذُل من خذل دينك. |
| اللهم أهلنا في غزَّة، أهلنا في فلسطين وفي السودان، وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك يا الله، ارفع عنهم الوباء والغلاء وتسلُّط الأعداء، أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً وسهماً صالحاً يا أرحم الراحمين. |
| وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم أدِم الأمن والأمان في ربوع بلادنا. |
| اللهم ابسُط رحماتك وبركاتك على بلادنا وبلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليها لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله، والحمد لله ربِّ العالمين. |

